صور شعرية 4/؟

د. فاطمة القرني *

  1. البناء القصصي

 

وفي هذا النوع من الأبنية التصويرية – كما يشير د.محمد غنيمي هلال – تظهر الأفكار و الأحاسيس صوراً تحليلية للموقف ، ينمو بنمائها ، وتظهر وحدتها في ظلاله ، وبتوافر العنصر القصصي فيه يتوفر الإيحاء ، وتكتسب به العواطف الذاتية مظهر الموضوعية ، وتخفت النغمة الخطابية التي من شأنها أن تبرز فيما افتقر إلى الأسلوب القصصي من نصوص الشعر ، كما أن الوحدة العضوية تكون أظهر فيه عنها فيما عداه من أنماط تصويرية.

- ومن المقطعات التي اتسمت بالحس القصصي وكان للحوار دوره الفاعل في بنائها نص (الجهاد) الذي يقول فيه د. عبد الرحمن العشماوي :

 

نطارد ظله ويفر منا                                 ونخطب وده فيصد عنَّا

نقول تعال هنا فإنَّا                          عشقنا وجهك الغالي و إنَّا

تمنيناك من زمن فهلا                               مددت يد العطاء لمن تمنّى

أبى ومضى وأغلق كل بابٍ               وراح مفارقاً إنساً وجنَّا

عجبت ورحت أسأله : لماذا                      وكيف على كرامتنا تجنّى

فقال : وما تريد ؟ فقلت: شيئاً                        يقال له (الجهاد) إذا تسنى

فقال – وقد أدار إلي وجهاً                  صباحياً وقلباً مطمئنا

إذا شئت انتصار الحق فاطلب                      جهاد (أبي عبيدة ) و المثنى

ودع ْ عنك الذي يسعى لدنيا                       وإن ذكر الجهاد و إن تغنى

 

فالشاعر في بنائه للنص يحرك من سكونية موقف الراوي أو الحكاء بإيراده مقاطع من الحوار الذي يدور بينه وبين الطرف الثاني في الموقف المحكي ، وهو هنا (الجهاد) بعد أن يستنطقه وجوداً حياً من (التشخيص) ، ويبادله الجدل حول نقطة محددة هي : لماذا لا يكون النصر حليف كثير ممن يزعمون  تمسكهم بالجهاد وسعيهم إليه ؟ ويتوقف  به (الجهاد) عند علة  تلك الخيبة وهي أن المفاخرة برفع سيوف الكلام لن تجدي مما علت ، وأن (الجهاد) الحلق المؤثر هو ما تمثل في القتال الميداني الفعلي ،

ويرمز لذلك بذكر أسماء الرعيل الأول من المسلمين الأبطال وهما (أبوعبيدة عامر بن الجراح ، و المثنى بن حارثة ) رضي الله عنهما ، ونلحظ أن الشاعر هنا يسخر فنية القص لخدمة الشعر ، فيأخذ من عناصره ما يتطلبه بناء الموقف فحسب ، وهو هنا (الحوار الخارجي ) المثبت بين المقاطع السردية ، بعيداً عن تحديد لزمن أو مكان معينين ، أو مبالغة في عدد شخوص الموقف ، أو تضخيم لموقف الجدل العابر إلى حد الصراع المحتدم ، وغير ذلك مما لا تحتاجه وجازة الموقف السابق ، وهذا التوظيف الواعي الانتقائي الذي يحكم التفاعل بين الأجناس الأدبية من أهم ما دعا إليه النقد الأدبي الحديث وأكد على إيجابيته.

 

وتأتي لوحة ( الهدهد ) لزياد آل الشيخ كنموذج لصور القص التفعيلي التي يبرز فيها عنصرا (المونولوج) أو الحوار الداخلي ، و الترميز التمثيلي على ما عداهما من عناصر القص .. وفيها نقرأ :

 يأتيني (الهدهد) بعد صلاة الفجر ْ

فيحط على غصن الزيتونْ

في عينيه الملأى بالدمع أرى مكتوباً من ورق البردي ملفوف

بشريط أسود حول النصف ْ

فأقول له ما الأمرْ ؟

ما الأمرْ ؟!

[ كالسهم النافذ في طبقات القلب ْ

  كالموج الهادر يضرب وجه الصخرْ

  كالليلْ

  كالبحرْ ! ]

يلقي مكتوب الهجر ْ !

 

.....................................

.....................................

مكتوبكِ آخر أمر يصدر بعد الفتحْ

أن أرجع كل الجند إلى ما خلف الخلفْ

أن أبقى بعدكِ أحكي للقبطان لماذا اخترتُ البحرْ

                       

      فالشاعر يستدعي شخصية (الهدهد) من القصص الديني لتحمل عنه عبء توصيل الرسالة ، بدءاً إليه ، ومن ثم إلى (الآخر) المتمثل في المحبوبة الهاجرة، ومعها جمهور المتسمعين (المفترضين) للحكاية .. الفاجعة ! ... و المفارقة المفاجئة يفجرها (الرسول ) نفسه ، فالهدهد الذي يستبشر في مرآه مقبلا ً بالوصل إلى الماء(1) يطل مغتصاً بماء القطيعة المر .. بدموع الهجران .. ومتى يكون ذلك .. ؟! في الفجر .. بعد ليل السهر الظامئ! .. في زمن الإشراق يطل الغروب ، وممن ينتظر منه الحياة يأتي الموت!! ،  وباستخدام الشاعر للفعل (يأتيني) دون (أتاني) تأكيد أعمق  على مرارة الفاجعة ، فهي حدث حاضر الألم بشكل دائم ، لا يمكن أن تتجاوز حرقته بحيث يُرى كماض تم التسليم له و الإقرار بوقوعه، وهكذا ... يستمر الشاعر في اهتمامه بحيوية الحدث : (فأقول : ما الأمر ... ما الأمر ؟!) من خلال استخدام الفعل المضارع ، وإثبات التساؤل الذاهل مكرراً ، ويكون الرد ، ممضاً حارقاً ، سيل من التشبيهات المتحركة المتلاحقة ينهمر بها  صوت الشاعر ليصف حال (الرسول) .. الهدهد .. وهو ينبئه بالأمر! .. إنه لا يلقي كلاماً ، أو يمد يده بمجرد كتاب مطوي ، بل يحول إلى رامٍ ماهر ، تنغرز سهامه في عمق القلب ، وإلى موج صاخب عات يلطم جوانب الصخور ، وإلى ليل مبهم موحش ، وبحر ممتد السطوة لا نهاية له ، هذه هي صورته القاسية وهو يعلن النهاية المهلكة .. ومتى ؟!.. بعد(الفتح)!!، أي بعد أن ظن المغنى المتحسر  أنه قد اطمأن أخيراً إلى خلق وجود أكيد له في قلب الحبيبة. هاهي .. بدلاً من إعلان بدء احتفالات النصر ،  تنفي فارسها خائباً .. بكل عتاده وجنوده .. أغانيه ومشاعره.. ليرتد إلى متاه البحر ثانية ، لا حيلة له إلا الارتهان للماضي في اجترار ظامئ لا طائل منه ، و الشاعر في (حكايته) السابقة .. يفيد من فنون أخرى لضمان عرضها بالصورة التي تجسد مأساته ، ومنها تكنيك (المونتاج) السينمائي ، الذي يتم التركيز فيه على عدد من اللقطات المشعة الإيحاء  ، التي تشكل تشكل في مجملها تركيبة الفلم الروائية، وهي هنا .. زوايا الصورة الشعرية الكلية لهذه اللوحة القصصية ، ومنها أيضاً ما يسمى بالارتداد أو (الفلاش باك) من الفن القصصي  و السينمائي أيضاً، وفيه يتم تضويء الحدث عن طريق الاستعادة التمثيلية و المونولوج الداخلي ، بحيث تروى الوقائع بدرجة تصويرية حية – من خلال إعادة الحوار – و كأنها آنية الحدوث ، لا مستعادة فحسب من الذاكرة ، و لا شك في أن لهذا  التعاطي بين الفنون دوره في إغناء الحدث، ورسم نوع ما من التعددية لأبعاد الشخصيات التي تضطلع بتمثيله .

 

(1) يذكر ابن عباس في عرض شرحه لقصة سليمان عليه السلام مع (الهدهد) أن لكل نوع من الطير وظيفته التي يؤديها في مملكة سليمان ، وأن الهدهد موكل بمهمة البحث عن الماء متى ما احتاج إليه الناس ، وفيه من القوة البصرية ما يمكنه من النظر تحت تخوم الأرض ، فإذا دلهم على موضع حفروه و استنبطوا الماء و استقوا.


نشر هذا المقال في مجلة اليمامة في عددها الصادر يوم السبت 9 صفر 1421هـ في زاوية الكاتبة الأسبوعية إذا قلت ما بي ..!

* شاعرة و ناقدة أكاديمية سعودية.

 

دراما الحلم الأخير

 الأستاذ محمد بن عبد الله الهويمل*

يفرض الفعل الانتفاضي مناخا ً يحمل طابع الخصوصية لدى متابعته ويتجذر هذا الطابع أكثر عند الشاعر الذي نزعم أنه أكثر شفافية عن سواه  و أكثر تحويراً لحيثيات الفعل الانتفاضي بما يتناغم و الفعل الشعري ، وتترى النصوص لتخليد هذا الفعل أو ربما تخليد مبدع النص حتى بدا المسرح الشعري حلبة لتنافس الشعراء و اللاشعراء ، لا ليقال انك تفوقت في حلبة التنافس إنما ليقال إنك انخرطت فيها ، غير أن ثمة آثار إبداعية تركت بصمتها المائزة ونطقت الحلم لتقول الحقيقة ومن بينها قصيدة (ليالي أبي عبد الله الصغير** ) للشاعر زياد آل الشيخ.

تأتي هذه القصيدة في مقاطع استجوابية يخيل لقارئها أنه سوف يلج مجاهل الفوضى الأندلسية التي تبوأت حيزا ً مكانياً في ذاكرتنا الجمعية فصار بوسعنا سلفاً تأويل النص قبل قراءة مطلعه لكن شاعرنا زياد ينجح في خداع النص و القارئ ويخون توقعات ويفجر التكهنات حين يذكرنا أن حادي الجمال لا يكون جملاً قط ،  وهذا ما يحسب للشاعر وأزعم أن هذا ذكاء شعري ومفاجأة شعرية من عيار ثقيل وكأن النص يحتفظ لنفسه بهوية مزدوجة غير أن هذا لا ينفي  أنه سرب  دلالة الرمز المشعة إلى مسامات النص.

يلح الشاعر على سرديته ساعة يفجر المطلع الدرامي بقوله (ذات ليل) دافعا ً بطابور من الأفعال التي تشحن ارهاصاً استجوابياً  يمنح الحدث الشعري صفة القبول والاستمرارية لصعود سلم التجربة. ثم يختم ارهاصه : ( يبكي فتجري فوق كفيه دموعٌ وهو مبلول الرداء) ، ثم يشرع في تحرير محضر الاستجواب باجابة الميت الذي لا فتر عن افتعال الآخر لتكتمل أطراف الحوار المنطقي . لكن هذا الآخر يبقى ذاتاً فارغة في مساحة الورق وتستوي اللذة حين يبقى عدما في فراغه الأبيض حتى ينال الطرف الحاضر تمام حريته في بناء/هدم الإجابات دون أن يرزح تحت مظلة رقابية تحد دون اختراع الشكل الهندسي  لرسم الخطوط العريضة وارتياد الحالات القصوى بمغازلة الفجيعة .

(قتلوني يا أبي ..) يستهل الشاعر البداية بالنهاية فالقتل خاتمة النص الحياتي ومطلع النص الدرامي وهذا ما قادنا إلى الإذعان إلى تيار الوعي واستدعاء  تفاصيل  أخذت تنزف تلقائيا ً من ذاكرة محمد الدرة وقت نزيف دمه ، ومدى العلاقة التراتبية السببية بينه وبين عبثية الهلوسة وتجليات الحضور الباطن ، عندها وعندها فقط يقبض الشاعر على جمر الشعر.

يستطرد البطل لدراما الاستجواب في اعترافه بذنب الفضيلة مراوحا ً بين دائرتي النفي و الإثبات ليكرس مفهوم المساءلة التي لا تقبل إلا أحدهما فهو يكرر الاثبات على نمط خبري يعطي كل بيت استقلاليته من حيث هو وحدة نصوصية متحررة من التماهي المباشر مع تضاعيف المتن القصصي وهذا هو النسق الآحادي لطبيعة محضر الاستجواب.

أما دائرة النفي فتتجلى في ضروبه و أدواته النحوية التقليدية يقول (لم أكن .. ) ، ( لم يكونوا ..) ( لست نبيا ً) ، ( لم يجيئوك بدم كذب ) ، ( لم يأتوا عشاء ً ) ، ( لم يكن لي حجر ) ، وكل هذا التشكل تفرز معادلة تمازج بين القوة و الجذب و تستفز مفردات قاموس الذاكرة الذي نهض عنوانا ً له حضوره الايحائي أثناء ممارسة التلبس التراثي .

ولكن ماذا عن آلية هذا التلبس وميكانيكية الاستدعاء الرمزي.

في ظني أن الانخراط في الفعل التاريخي واستدراج دلالاته بمساريه الحقيقي و الأسطوري لا يتجلى دون حدوث صدمة أو ارتطام عنيف مع المهيج واستصدار الأثر الجمالي العصي ويجدر بي في السياق ذاته أن ألقي بمعصلة الهروب إلى الذاكرة واستمطار موجوداتها على سرير النقد التحليلي بعد أن بدت جلية في ثنايا خطابنا الشعري الحديث وإليك هذا الاستنساخ العفوي في تشكله الجمالي بين شاعرنا زياد حين يحتمل الهم الفلسطيني  على منكب  قلمه و الشاعر المعروف محمود درويش  في قصيدته ( أنا يوسف يا أبي ) أو لعله من توارد الخواطر ونمو الدائرة المشتركة.

أقول إن الشاعر زياد يضرم شعلة الرمز وينادي بالفرار إلى مجاهل الأرشيف المفضوح حين يذعن آسفا ً إلى لافتة دعائية ينصبها على واجهة القصيدة وكأنه يدعونا إلى ارتياد معرض للوحات انهزامية يعلقها على جدران الحلم الشعري على نمط درامي ضحيته مجد برئ  كل جنايته أنه رأى في دراما حلمه أحد عشر كوكباً ، وهذا استنساخ ضمني عفوي آخر ، لا سيما إذا علمنا أنه عنوان أحد دواوين محمود درويش.

إذا ً الشاعر زياد داهتمه نوبة درويشية تتمظهر في طابع الشفافية التي انفرد بها ، يقول زياد :

( ما  الذي يبقى له من وجه أمي  بعد عشرين خريفاً ) ، ( وكلما نمشي على الدرب رأينا جسرنا أوضح من قبل ) ، ( و أدرس كلامي جيداً و احفظ مكان القمر الأول  ) ، و ( أبي هل نعرف الظل كما يعرفنا).

كل هذه السياقات مادتها من الخامة الدرويشية ولا أعني في معرضي هذا تصويب  تهمة البنوة الدرويشية فتجربته تجاوزت حدود التناص إلى دوامة التلبس فأنا أشد على يده وأبارك له براعته في هضم هذا التفعيل وإعادة انتاجه على نمط ينحو تدريجيا ً إلى إعلان التحرر و التفلت من شرنقة الأب الشعري عبر تصنيع تقنية جديدة لأدوات الخطاب الشعري.

أعود إلى هيكلية البناء الحكائي فهو يتسهل جدليته بمقدمة استجواب وينتهي بتصعيد حاد مكبوت الوتيرة ، تتمثل في  استدعاء  جدل مبتور الأطراف يستسئل لغرض تعبئة الانفعال فينعجز بهذيان الطرف الآحادي المحروم من ثنائيته بل يمتد هذا الهذيان الأخاذ إلى حدود مساحة يعلن بعدها عجزه عن استفزاز منطوق الآخر أو يعترف بالانهاك و النصب في هرولته في هذه  المساحة وحيدا ً فيلمس مرافقا ً حيث يقول : ( قلت لي حافظ على النبع .. )

ويجعله عتبة لطرح سؤال حي ( أي نبع يا أبي في ّ و أي الاتجاهات التي ..)

ويبلغ الشاعر أوج انهزاميته وقتما يغتصب ذاكرته ليبقى على وهم الحياة و الآخر ، ذلك لون من تقنية الاستمرار في التعاطي مع الأثر الفني ، يقول ( لي لي ، لماذا نقف الآن إذن ؟ قد قلت لي : أدرس كلامي جيداً واحفظ مكان القمر الأول من الشهر ولا تنس كلام الله إن شاهدتهم انظر لعينيهم ترَ الخوف بهم يعوي )

ثم يعود إلى جداريته وجدلية الصمت ليعلن أن الآخر هو الذي مات لا البطل الشعري فناطق الصوت هو من صدر مادة الحياة و الصمت هو كيمياء الموت حتى لو كان هذا الصوت بكاءً  ، يقول : ( خائفاً أبكي ، فظلام ثم نور ، ثم غيم ، فأزيز) وينهض إلى : ( فسكون سرمدي وعراء).

كأن القصيدة صور باطنية معلقة على جدار الحلم وعبث مستعذب و أخلاط من الرؤى من دراما الحلم الأخير  لكن بعد هذا وقبله ليست أضغاث أحلام.

 


نشر هذا المقال في جريدة الرياض في عددها الصادر يوم الأربعاء 19 ذو الحجة 1421هـ .

 * شاعر وناقد سعودي

** نشرت القصيدة بهذا العنوان حتى أستعير أسم المقالة (دراما الحلم الأخير) عنواناً لها لاحقاً بإذن الكاتب.

 





الصفحة الرئيسية - قصائد - لقاءات - مختارات - نقد

جديد الموقع - مواقع صديقة - سيرة ذاتية - دفتر الزوار

اتصل بنا