header image
links


الشاعر زياد آل الشيخ:
ممارسة سلطة الاختيار على القارئ مهمة فاشلة

نقل الواقع مهمة وكالات الأنباء وليست مطلوبة في الشعر!


حوار - منال العويبيل

يختلف مفهوما الشاعرية والشعرية عن الشِعر وإن لازما قائله، وفي هذا الحوار سيجد القارئ نفسه إزاء شاعرٍ يمسك بتلابيب هذين المفهومين من أعلى المطلع لأخمص القصيدة، حين يمضي في ترانيمه الأندلسية حتى يُظن أنه شاهد عيان تلا خروج أبي عبد الله الصغير من غرناطة، وحين يشاغب المُعاش حدّ تبسّم النادل الباريسي لحنينه لرفاق الرياض، وأضعف تصبره قهوة عربية.. هكذا بقدرةٍ شعرية كفيلة باستحضار المتناقض، والعمل على مزجه وتزجيته نصَّا. وبينما ينتظر صدور ديوانه الثاني (سنابل حب) عن دار الخيّال اللبنانية، الذي يلي ديوان (هكذا أرسم وحدي) 2004م، كان لنا معه هذه الحوار.

- 1 -

( الشاعر «وحده» قادر على اجتياز العتبة التي تفصل الحياة الواقعية، عن حياة أخرى ما ورائية )
-نيرفال-

غربة قصيدة اليوم أم اغتراب شاعرها أحد مآزق الشعر الحالي؟ لم يعد الفرق واضحاً، بما أنه حتى الفواصل التي أسسها منظّرو الفنون باتت تقصر قاماتها حتى صارت البحور ممتزجة دون برزخ. ورغم أن الأصوات المعاصرة خاضت في محيط الرتم اليومي، والتفاصيل المعاشة، إلا أن غالب النصوص أعطت ظهرها للواقع صوب مآرب أخرى.. فهل ابتعد الشعر اليوم عن الواقع.. بمعنى اقترابه لصورة خيالية مجمَّلة أو مشوهة أحيانا؟ بحيث يخلق الشاعر لقارئه عالماً أجمل، أو أحزن من حقيقته.. أين يضع الشعر قدميه اليوم؟

يجيب زياد آل الشيخ: في المجمل نعم، لكن هذا الابتعاد أخذ منحى مبالغا فيه حتى انفصل عن الواقع، ومسألة تجميل الواقع أو تشويهه ليس أمراً جديداً، وهو من الآثار الجانبية للعملية الشعرية، يبتعد بالمجاز والاستعارة للشروط الجمالية التي يستعين بها الشعر، يخرج بها عن المعنى الحقيقي لآفاق جمالية للإمتاع، ولتعميق الشعور بالمعاني، ومن ذلك تنتج الصورة التي في سؤالك، هذه الصورة الخيالية التي تشوه أو تجمل. لكن نقل الواقع ليس من مهمة الشعر على أية حال، يقوم بها عنه واس أو رويترز أو كاميرا العربية، لكن لا يحق للشاعر تزييف الواقع بداعي المبالغة أو التعدي على المقدسات بحجة المجاز، هذه مسائل أخلاقية لا يعفى منها الشعر بالتأكيد، و د.الغذامي تعرض لهذه المسألة في كتابه «النقد الثقافي»، والعلاقة بين الجمالي والأخلاقي في الشعر كونهما أمرين منفصلين مسألة تعرض لها النقد القديم عند الجرجاني والقرطاجني وغيرهما.
أما الشعر اليوم فيمر بمرحلة حرجة على صعيد سؤال الواقع، بين الواجب الجمالي والواجب الإنساني، الالتزام بقضية الواقع أم الالتزام بقضية الجمال، هل يمكن التوفيق بينهما؟ وفي ظروفٍ أخرى هل يهم أن نوفق بينهما أصلاً؟ هل تخترق رصاصة هشاشة طفل ونظل نهيم في مجاز المجاز كالسكارى؟ يحدث هذا الآن، هناك شعر يجب أن يقال، كفرض كفاية على أقل تقدير، أنا لا أعني الشعر السياسي المباشر بالضرورة، لكن الشعر الذي يعبّر عن قضية خارجة عن الإطار الذاتي الضيق، نحن نعيش في أكثر مناطق العالم توتراً، في هذا الإطار كيف يختلف شعرنا عن شعر العالم؟ أعتقد أن هذا السؤال ملحّ تاريخياً».

وعلى هذه الوتيرة من المضي لأصالة المعنى، بإمعانٍ يلبس في أثره أناقة اللفظ والإيقاع في قصيدة آل الشيخ، يوافق ذلك التمسك الشكلي بالوزن، يقول عن ذلك: «كلماتي لا تخرج دون معطف التفعيلة في الشتاء، ولا تتمشى دون نعل الإيقاع في الصيف، ليس عن موقف مسبق أو ما شابه، إلا أنني لا أتخيل القصيدة دون وزن، قد يكون الإيقاع متحقق في أشكال متعددة، فالنثر له إيقاع، والتفعيلة لها إيقاع، والعمودي له إيقاع، فمفهوم الإيقاع يختلف عن الوزن، الإيقاع أكثر تعقيداً، والاعتماد عليه وحده يمثل لي مغامرة غير مأمونة العواقب، ربما لهذا السبب أميل إلى الوزن الذي يقع في مساحة معرفية أكثر بياضاً، ولا أجد مبرراً في الحقيقة للتنازل عن الوزن في وقت ينتشر فيه اللاوزن، ممثلاً في الرواية، والقصة، والمقالة، وما سواها. الغريب أن كثيرا من شعر التفعيلة من السهولة الاعتقاد بنثريته؛ أي خلوه من الوزن، وهذا يحدث كثيراً لشعراء التفعيلة، والكبار منهم كذلك، فيعتقد خطأً أن بعض قصائد التفعيلة غير موزونة، إذ تتخذ إيقاعاً نثرياً مع بقاء الوزن».

- 2 -

( إن الشاعر يعرف ما يجهله )
_جوزيف جوبير_

من بداية مطلع قصيدة (نجد 1300هـ) للشاعر زياد آل الشيخ، يأخذ القارئ بإيغالٍ إلى المتواري بالكتمان، وما تمادت به الذاكرة بالجفاء، لأنَّ حتى استحضار ذاكرة «الشِيبان» وعجائز نجد فيه من العناء ما يشبه حدوثَ أليمِ التجارب مرةً أخرى. فحكايا سنة الجوع، الغرقة، الرحمة.... تجلب معها ما يفوق التذكّر لتكرار الوجع، وشجون أخرى. وبما أن مخاطبة المتلقي قد تجعل الموقف في نصوصٍ ما بين ضفتين: قائل داخلي وسامع حر، نجد في هذا النص تأبطا يجمع الاثنين، يشبه مباشرة الخطاب في القصيدة، عبر فَتحٍ شعري يعيد خلق حالة معينة بعد استبطانها ومرورها عبر الذات..

«أخرجْ من البئرِ استرحْ
الليلُ آتٍ لا مَحَالةَ،
قرْبَتانِ ستكْفيانِ فقد نرى
في القَريةِ الأخرى هدى
[عمَّا قليلٍ ننْتهي
فانوسُهُ السحريُّ سوفَ ينامُ
قريتنا سرابٌ ربما
الماءُ الذي في قِرْبَتي سأرِيقُهُ
خوفَ الرَّدى،
من يأمنِ الصحراءَ في الليلِ
الذئابَ، البردَ، قُطَّاعَ الطريقْ] »*


نسأل الشاعر في ظل هذه الفوهة من سبابات الإشارة التي تَرِد مع كل صيغة أمر في القصيدة للمخاطب فيها، والقارئ في ذات الوقت: على مستوى الاستحضار الشعري ممن هو خارج الإطار الزمني/ المكاني بهيئته الموجوعة.. ما الذي يخلقه ذلك في مكنون الشاعر ذاته؟ وبالتالي يوقظ حضوره في المتلقي؟

يقول زياد آل الشيخ: «في اعتقادي أن هذا الحضور يجري في ذاكرتنا الخلفية إن صح التعبير، هو حاضر في حياتنا من خلال تاريخٍ يعيش فينا، قسوة الحياة الصحراوية ورقتها ليست عنا ببعيد، فضلاً عن ذلك، ليست التجربة الشخصية في رأيي إلا امتدادا لتجارب أخرى على مستوى اللغة والتقاليد وقسمات الوجوه، هناك الكثير مما تحمله هذه الوجوه من تعابيرٍ وإشاراتٍ ومعانِ، الذي يجعل هذا الاستحضار أسهل لمن يعيش هذه البيئة. لكن لا شك هناك هذا التناقض الضدِّي بين المكانين والزمانين في ذاتيتي الشخصية من خلال استحضار هذه التجربة التي تمثل عملاً شاقاً لتلبس الحدث في هذه القصيدة، وهو _على ما أعتقد_ نوع من العمل الانثروبولوجي الشعري للكلمة، هنالك كلمات تجد لها مكاناً طبيعياً في بيئة قصيدة من مثل (نجد 1300هـ)، وربما ينتج عن هذا الاستحضار ما يشبه حضور الغائب، أي أن يكون الغائب حاضراً في القصيدة لتكون وظيفته التضاد مع الحاضر، فيبرز هذا الحاضر بشكل أوضح، فالضد يظهر حسنه الضدّ، فالقصيدة في هذه الحالة تضع في المقدمة ما ليس موجوداً في واقع قارئها، لعلها توقظ في وعيه نشوة الانتصار كما لو كان أحد شخصيات هذه القصيدة وقد بلغ مدينته المجازية التي يبحث عنها، ربما لا أدري، أو لعله يشعر بالظمأ فيقوم إلى الثلاجة باحثاً عن كأس ماء، هذا السيناريو الأخير أراه أقرب إلى الواقع برأيي».

- 3 -

( الزمن من أكثر أنماط الوجود خضوعًا للخيال )
_وك ويمزات_

غالباً ما يُخضع الشِعرُ الزمنَ إلى رؤيته الإشكالية التي لا يتحكم فيها سوى الخيال. وبصفة أعم نجد للزمان والمكان في القصيدة تأثيرا عميقا على تعيين الحالة الشعرية في أي نص، لدرجة تأثيرها أحيانًا في الموسيقى الداخلية والخارجية. وفي غالب نصوص زياد آل الشيخ يتبدى الزمن قادماً من بعيد، وكأن الشاعر يرمق المشهد عن بُعد؛ بمنحى يوثّق صوته لحدث ولا يتقاطع معه..

«يقول: لقد أصبحتَ نافذةً من
الزجاج على غرناطة الآن هل نطلُّ
منها متى شئنا؟ ونخدشها متى
أردنا كأغصانٍ وزوج يمامِ؟
أطلوا، سوى أني سأرخي ستائري
فلا فضةَ الذكرى ترون ولا الرنينُ
لي لغتي حصني الذي خلف سورهِ
أعلِّق قلبي غابةً من نخيلٍ
........................................
كيف يفهم هذا الأعجميُّ كلامي؟!» *

لن تستغرب أن يأخذك الشاعر لليالي أبي عبد الله الصغير الأندلسية، آخر أمراء غرناطة، سفراً عبر التاريخ، ومساحات أموية تحتمل ضمّة الحب، وكسرة الحرب. نسأل زياد آل الشيخ: هل تراه ينتقي الزمن في النص أم هو من يفرض حضوره «الماضوي» ؟ وبالتالي هل يؤدي ذلك لتلقي قارئٍ من نوعٍ خاص يختمر في ثقافته تلك الأبعاد؟

ليجيب: «هذه ملاحظة مهمة، ولا أستطيع أن أتصور كيف يمكن للزمن أن يفرض نفسه، بالنسبة لي هو خيار فنّي بحت، قد يستنفد الغرض منه وأنتقل إلى أسلوب مختلف مستقبلاً. أما مسألة القارئ ففي تصوري أن الخصوصية قد تكون مزيجا من الثقافة والذوق، ولا أتصور فصلاً بينهما، لكن على المستوى المعرفي البحت، أعتقد أن القصائد التي تتخذ هذا المنحى الماضوي أو التاريخي، تمثل تحدي للقارئ، خصوصاً القارئ الذي لا يهتم بالتاريخ كثيراً، ويبحث عن المادة المتصلة بالواقع مباشرة، لكن لا يعني أن هذا القارئ لا يملك القدرة، كأن يحتاج إلى شهادة عليا في التاريخ ليصبح قادراً على التفاعل مع القصيدة، هذا غير وارد، إذن المسألة ليست مسألة طبقية، لكنها مرتبطة بالذوق والرغبة، ومساهمة الشعر في فتح آفاق معرفية للقارئ هي من الأدوار التي يجب أن يقوم بها الشعر الحديث، جزء من مساهمته في إثراء الثقافة كأحد روافدها، ما الضير أن يبدأ القارئ علاقته مع التاريخ من خلال قصيدة ؟!».

«العاطفة وقود الشعر، وليست هناك عاطفة نخبوية أو شعبية» هذا ما يقوله زياد آل الشيخ، وهو أمر لا يُختلف عليه، لكن هل يمكن تعميم هذه الفكرة على النص؟.. ألا توجد لديك نصوص نخبوية بأبعادها التاريخية أو خياراتك اللغوية؟ ليجيب: «الإشكالية دائماً تنتج عن مفهومنا للنخبة، ورغم رفضي لهذا المصطلح عمومًا إلا أنني أعتقد بوجود نخب ثقافية متعددة، دائرة تتسع وتضيق، وهناك نخب على مستوى الذوق فهي ليست ثقافية فقط، وهذه النخب تتقاطع، وبهذا التصور يذوب مفهومنا للنخبة على أنها طبقة متجانسة ككتلة واحدة، لأننا نتكلم عن فن لا عن علم، في العلم توجد طبقة يمكن تعريفها من خلال مقاييس معرفية أو مؤسسية كالانتساب إلى مؤسسة أكاديمية أو الحصول على مؤهل عال وما إلى ذلك، لكن الفن مختلف، فالفن يقبل تفسيرات متعددة وهو بطبيعته متاح للجميع، فيمكن للقارئ أن يفهم النص بشكل يختلف عن غيره، وهذا الفهم من تركته الشخصية التي لا تدخل في حصر الإرث. فمن هذا المفهوم الذي ذكرت، يمكن أن أتصور أن خياراتي الشعرية فيما يتعلق بالأبعاد التاريخية والخيارات اللغوية، قد يجد قبولاً بين نخب مختلفة سواء ذوقية أو ثقافية يصعب علي تصورها، فحركة الثقافة في المجتمع معقدة، لذلك الحكم على عمل قبل نزوله بالنجاح أو عدمه كثيراً ما يفشل، هذه الحركة تحمل في طياتها كثيراً من المفاجآت سواء في الشعر أو في غيره».

- 4 -

( الشعر تجاوز للواقع العيني، فهو ليس حقيقة كاملة، سوى ضمن عالمٍ مغاير وأخروي )
_بودلير_

الشِعر عملية إنتاجية، من أجل الذات ولأجل الآخر، وقد يكون باتجاه ما لم يُعرف بعد. الذي يعده البعض تحديداً ذروة معرفة القصيدة. والطريق إلى هذا الاتجاه إذا كان مفروشاً بفضاءات بصرية واسعة يعمّق علاقة القارئ مع رحلته التذوقية للنص.

«أسافر من راحتيها بدون جناحينِ من نسْجِها،
وحرير يديها ولكن على فزةِ الشوقِ في مقْلتيها
أسافرُ في لغتي المرمريَّةْ
أسافرُ عكْسَ اتجاهِ السنابلِ، ضدَّ انشغالِ الحقولِ
إلى حيث أفقدُ تفَّاح وقتي وبوصلتي الذهبيَّةْ
إلى عالمٍ لا يراهُ سوايَ إلى حيثُ ينبتُ قلبُ
الغريبِ وروداً وتعشبُ كفُّ العطايا
مرايا على رعشاتِ الغديرِ كجيدِ صبيَّةْ
لأسقي البلاد كلاما
فتمطر حولي سلاماً
سلاماً
سلاما»*


في هذا المقطع من نص (رحيل بين قافيتين) يحضر النسق المشهدي في قصيدة آل الشيخ، بفضاءٍ مليء الوفاض، لنسأله: الآفاق المكانية الشاسعة تُبرز الحس البصري في نصوصك، إذ يحضر المكان بفضاءٍ مفتوح، ومشاهدٍ تنتقل من البساطة للتكثّيف.. ما تراها العوامل التي عززت ذلك؟

يرد: «لا استغرب إن كان السفر قد ثقَّفني بصرياً، فالسفر يجعل الإنسان أكثر وعياً بالمكان والصورة، اختلاف الأشكال والألوان والناس أيضاً، لذلك نجد في الشعر الجاهلي غنى في أسماء الأماكن والتضاريس حاضرة بقوة في الصورة الشعرية، فهي صورة تنبض بالحياة، لكن بالنسبة لي شخصياً أرى أن الذائقة لها دور، فهو محض اختيار أيضاً، أميل أكثر إلى الصورة المحسوسة حتى لو كانت في صيغة مجردة، وهي بطبيعتها تستدعي القارئ للمشاركة في إكمال المشهد، فهي تحمل ديناميكية ذاتية، عند الحديث عن وشاح مثلا، للقارئ أن ينقش هذا الوشاح كما يريد، وليس لي أي سلطة في الحد من اختياره، ولا يجب علي أن أمارس أي سلطة؛ لأنها مهمة فاشلة!».

- 5 -

(لدى الأوربيين كل الطرق تؤدي إلى روما، وكل الطرقِ تؤدي إلى الشِعر عند العرب)
_نزار قباني_

يؤكد بعض النقاد أنّ القصة القصيرة أقرب الفنون إلى الشِعر؛ لاعتمادها على تصوير لمحة دالّة في الزمان والمكان، ومن شأن هذا التصوير التركيز في البناء والتكثيف في الدلالة، وهما سمتان جوهريتان في العمل الشعري. ومن ناحية موازية بات النَفَس السردي في القصيدة يأخذ البعض رواجه كأسلوب انتصار لما يسمّى (زمن السرد).. وهو أسلوب حاضر في نص آل الشيخ، في مقاطع تلبس نَفَس الحكّاء.

«يأتيني الهدهد بعد صلاة الفجرْ
فيحط على غصن الزيتونْ
في عينيه الملأى بالدمع أرى مكتوباً من ورق البردي ملفوف
بشريط أسود حول النصفْ
فأقول له ما الأمرْ؟»*


في رؤية للناقدة د. فاطمة القرني تقرأ هذه الجزئية عبر قصيدة (الهدهد) التي سلف مطلعها، حيث وصفتها بأنها نموذج لصور القص التفعيلي التي يبرز فيها عنصرا الحوار الداخلي، والترميز التمثيلي على ما عداهما من عناصر القص. نتوجه بتساؤلنا للشاعر عن كيفية تعامله مع العوالم السردية في النصّ الشعري، هل هو مسلك مقاربة للفنيين؟ أم أخذٌ لأحدهما في اتجاه الأخر؟ فيجيب: «قد يكون عند بعض الشعراء حساسية حيال مصطلح (زمن السرد)، بما يمثله من غلبة السرد على الشعر، إلا أنني أعتقد أن المقارنة غير سليمة، حيث إن السرد موجود في الشعر من القدم، والشعر موجود كذلك في السرد، أنا لا أتكلم هنا عن الرواية، قد يستخدم السرد مرادفاً للرواية، لكن أتحدث عن التقنيات المرتبطة عادة بالسرد مثل: الخط الدرامي، وتقنيات السينما، والمونولوج الداخلي، وما إلى ذلك، كل ذلك ليس حكراً على الرواية، إذ يمكن جعل السرد أو الدراما عنصراً بنائياً في تركيب القصيدة، وهو ما سعيت إليه في كثير من قصائدي. فالشكل العروضي التفعيلي فتح باباً لاستثمار هذه التقنيات في القصيدة، مقارنة بالشكل العمودي، وهي تفتح أفقاً إضافياً، بُعداً رابعاً إن شئتِ، فلو نظرنا إلى معلَّقة امرئ القيس التي تمثل النموذج التأسيسي الأمثل للقصيدة العربية، نجد العنصر القصصي حاضر بشكله السردي والحواري بقوة في القصيدة، فمن ذلك نتساءل عن إضافتنا إلى هذه التجربة المبكرة في القصيدة العربية، لنجد أننا لم نتقدم كثيراً على هذا الصعيد حتى وقت مبكر، فإذا أخذنا ذلك في الاعتبار يمكن أن نقول إن في السرد مساحات شاسعة للاكتشاف، وقد يكون هذا التوجه ملائماً الآن لمقاربته روح العصر كما أشرت في السؤال».



نشر هذا اللقاء بتاريخ 2007/8/29


بعد صدور(هكذا أرسم وحدي) زياد آل الشيخ لثقافة اليوم:
من العجيب أن تتخيل العملية الإبداعية كعملية فدائية


حوار - محمد عبدالله الهويمل
صدر عن الانتشار العربي المجموعة الشعرية الأولى للشاعر زياد آل الشيخ استهلها بإهداء رقيق إلى (من سكب في قلبي علبة الألوان.. إلى أمي وأبي) واحتوت المجموعة على النصوص: أسئلة، الطريق إلى البيت، صدفة، تكفيني، فوضى، ليل العاشقين، تعليق على ما حدث البارحة، الهدهد، شاهدت جرحي واقفاً، خمس أغان قيسية، رماد الشوق، زنبقة، زحام، رحيل بين قافيتين، رجل في انتظار الباص العربي، الرجل ذو الساق الخشبية، دراما الحلم الأخير، أنفاس آخر جندي في المعركة، نجد 1300هـ، المائدة البغدادية، من الآن يا جنوب، مذكرات طفلة فلسطينية، اندلسيات، زواج صديقي المفضل، بحار. كما تزامن صدور ديوانه مع إطلاق موقعه الشخصي على الإنترنت www.alziyad.com (ثقافة اليوم) التقت زياد وحاورته حول مجموعته وعند التعالق الدرويشي، والحضور اللاواعي للصوت الأبوي والحضور الشامي وتجاوز اللغة العراقية الجائعة وتمام وقار اللحظة الشعرية.

٭ يظهر الشابي في نصك (الطريق إلى البيت) ونزار قباني في (صدفة) ودرويش متعالق مع بعض نصوصك، هل ثمة بر بالصوت الأبوي؟
- لا اوافقك فيما ذهبت اليه من أن قصيدة (الطريق إلى البيت) فيها من الشابي، فلا لها من رومانسية أبو القاسم ولا من عذوبته شيء، فالقصيدة لها غرض مختلف تماماً عن كل اغراض أبو القاسم، فهي تتحدث عن علاقة الشاعر بقارئه، وربما يكون قارئاً فريداً من نوعه أيضاً وليس قارئاً عادياً، ومن الطريف أنني أتوقع أن تقول إن صدفة فيها الشابي أكثر من نزار قباني، لأن صدفة ليست قصيدة جسدية، أو كما تقول العرب تشبيباً بل هي من شعر النسيب الذي فيه وصف للمشاعر لا وصف للجسد. ولعل هذا يحيل إلى المقولة إن الشعر كتابة على الكتابة، وربما القراءة أيضاً قراءة على القراءة، فلذلك البر بالصوت الابوي كما وصفته، قد يكون براً عند الكاتب وبراً عند القارئ، حيث يظل القارئ يحيل كل ما يقرأ إلى قراءات سابقة، باحثاً عن المؤتلف غير معني بالمختلف. فمن الصعب الوقوف على هذا الصوت بشكل واضح، إن كانت التجربة صادقة وغير مستنسخة لتجارب السابقين.
إلا أن الاتصال الفني بين الأجيال في رأيي مهم، والتقاطع بين التجارب ممكن، فهل تصدق أن شاعرنا عبدالرحمن العشماوي يحمل خصائص فنية مشتركة مع نزار قباني؟ رغم ما يختلفان فيه من المعاني والأفكار، إلى درجة أنهما قد يعدان من الأضداد.

٭ هل من المفترض أن يقاوم الشاعر الحضور اللاواعي للصوت الأبوي لا سيما أنه يجاهد في عدة جبهات كاللغة والالهام؟
- من العجيب أن ترى أن في الشعر مقاومة وأن عملية الكتابة جهاد وأن اللغة والالهام جبهات، حتى يكاد يتخيل أن العملية الابداعية عبارة عن عملية فدائية! فليس حضور الصوت الآخر في الابداع سوى ملمح من ملامح التجارب المشتركة، وإن ادعى هذا الصوت بنوة التجربة فهذا أمر ليس فيه جديد ولا يجب أن يكون فيه أي حساسية. من المفترض على الشاعر أن يوائم بين الأصوات لا أن يشعل داحس والغبراء في بوادي القصيدة، فأي تجربة جديدة يجب أن تنطلق من تجارب اخرى سابقة.

٭ الحضور الشامي في نصوصك تجاوز الحضور العراقي، هل هو فرار من اللغة العراقية الجائعة أو المتوحشة؟
- في اعتقادي أن الشعر ينشأ من واقع الحياة ليختار عوالمه الخاصة للتعبير عن هذا الواقع. والتجربة العراقية تستمد تميزها عن غيرها من واقع تجربتها الحياتية المميزة، من كوفة الأمس إلى بغداد اليوم، إلا أن التجربة الشامية في اعتقادي أقرب التجارب الينا من خلال النظر إلى الواقع المعاش، والتجربة الشامية قد تكون الأقرب إلى نفسي من التجارب الاخرى، فمكتبتي تحمل من شعراء الشام أكثر مما تحمل من شعراء العراق، والشعر الأموي أقرب إلى نفسي من الشعر العباسي. إلا أن ذلك لا يعني أنني لا أحب السياب أو أقرأ للبياتي، أو أحفظ لأبي تمام أو البحتري.

٭ (هلا عدت فإني ما عدت أنام من الهجران)، هل يقع في تصورك أن اللحظة الشعبية بوسعها أن تأخذ تمام وقارها في القالب الفصيح؟
- إنني لا يمكن أن أتصور غير ذلك! ليس للقالب الفصيح وقارٌ لا يدخل فيه الشعبي، وما هذه النخبوية إلا من حيل الحداثة الطارئة علينا! إن هذه الفكرة الافلاطونية التي تشتعل في أعين الكثيرين لا تغريني، فإن كان لسقراط بيت لكنت أظنه يكون أسوأ بيت قالته اليونان وإن كان ابن رشد من فحول الفلاسفة فلا أظنه يكون الا شعروراً في الشعر. العاطفة وقود الشعر وليست هناك عاطفة نخبوية أو شعبية، الحب عند الخاصة والعامة واحد، الغضب بين كل البشر يحمل رائحة الاطارات المحترقة ذاتها، والحزن نستظل به كلنا شجرة واحدة نقف تحتها.

٭ هل الشعر حالة خاصة بحاجة إلى لغة خاصة، أعني استثنائية الفصحى؟
- الشعر لابد أن يسمو بألفاظه ومعانيه عن العادي والمكرور، وليس للشعر الفصيح حالة خاصة تميزه في ذلك عن غيره. وفي رأيي أن الشاعر الناجح هو من يستطيع نقل قارئه أو سامعه إلى أجواء غير الأجواء المعتادة بأي لغة كانت. أن تشتاق إلى الغيم سواءً في قصيدة للسياب أو لمحسن الهزاني، على أمل أن تحس بزخات المطر تربت على كتفيك. للفصحى استثنائية البقاء ضد رياح التعرية منذ آلاف السنين، وتغير الأوطان، إن ما نعرفه عن الفصحى أنه قاوم رياح التعرية منذ آلاف السنين، ومازالت الفصحى تحفظ عن ظهر قلب الطريق المؤدي إلى الشام وطريق الحجاج العائدين إلى القيروان، بينما غيرها يقف اليوم حائراً في البيداء يتعرف على خريطة الوطن العربي.

٭ في نص (ليل العاشقين) غامرت بالوزن والقافية، ما طبيعة التحدي مع الآخر الذي دفعك للمجازفة وكيف تحاكم نجاح هذه المجازفة؟
- القصيدة مغامرة بحد ذاتها، والوزن والقافية مركبة بعجلتين تسير بسرعة 200 كلم/ ساعة، تتحدى المنعطفات الخطيرة بين السائقين الآخرين المتهورين. وهذه القصيدة بالذات هي أخطر مجازفاتي، فلا الوزن الذي كتبت فيه أعرفه، ولا القافية ساعدتني وتوقفت عن الهطول على الورق، لكنني أثبت لنفسي وربما لغيري أن الشكل ليس عائقاً للشعر، وأن القصيدة الخليلية مازالت تستطيع السباحة ضد التيار، في وقت خالج بعض المبدعين الشك في أهلية هذه القصيدة في التعبير عن أفراحنا وأحزاننا ومعالجة جراحنا الغائرة.

٭ يتضخم الغير المخاطب في نصوصك إلى سردية تهضم حضور الأنا وتبلغ بالآخر منزلة المستغاث به، كيف تتعاطى مع هذا الممكن؟
- قد لا ينطبق هذا الحديث إلا على قصيدة (دراما الحلم الأخير)، حيث محمد الدرة بطل القصيدة، الضحية، يستنجد بأبيه، والأنا في هذه القصيدة تظهر بكل ضعفها وعجزها، لأن الحدث يحاول أن يدمرها تدميراً، وما هذا إلا انعكاس لما يظهر لي من الموقف. أما بقية القصائد فالمخاطب اما خطاب جماعي في (الرجل ذو الساق الخشبية) حيث أكرر قولي (كم قلت لكم؟!) وفيها تبلغ الأنا ذروتها، وفي قصيدة (شاهدت جرحي واقفاً) أقول (كم من جرة كسروا؟)، أو صوت مخاطب وحيد يائس (أخرج من البئر استرحْ) في (نجد 1300). فالآخر في قصيدتي ليس دائماً هو القوي، والآخر المخاطب ليس على حق في كل الأحوال.



نشر هذا اللقاء بتاريخ 2005/3/7


الشاعر زياد آل الشيخ : انحيازي للقارئ يجعلني أنظر للأمور من عدسته وأقرأ القصائد في ثيابه


حوار - عماد العباد
(هكذا أرسم وحدي) ديوان قادم يشي بالكثير لشاعر لا يكاد يتجاوز عتبة ذاته إلا قليلاً.. يفرج عن بعض أحرفه وقصائده التي احترفت السفر من باريس إلى ريودي جانيرو إلى الأندلس ثم يعاود الاختفاء والعمل بصمت لعدم اكتراثه بالصدى كثيراً. www.alziyad.com (ثقافة اليوم) التقت زياد وحاورته حول مجموعته وعند التعالق الدرويشي، والحضور اللاواعي للصوت الأبوي والحضور الشامي وتجاوز اللغة العراقية الجائعة وتمام وقار اللحظة الشعرية.
خلال الأسطر القادمة حاورت (ثقافة اليوم) الشاعر زياد بن عبدالعزيز آل الشيخ حول مشروعه الشعري مع اقتراب إصداره لديوانه الأول (هكذا أرسم وحدي)..

عرفك المجتمع الأدبي بعد إلقائك لقصيدة (الرجل ذو الساق الخشبية) إذ أحدثت ضجة في نادي الرياض الأدبي ثم عاودت البحث عن المناطق الهادئة بعيداً عن الساحة الأدبية باستثناء بضع قصائد كنت تعلقها بين شهر وآخر على صفحات الجرائد الأمر الذي يدعوني أن أتهمك بالخمول واللامبالاة بموهبتك الشعرية.. كيف ترد؟
- يا صاحبي هل القصيدة مدينة أم عصفور. أترى القصيدة يدخلها القارئ فينيخ ركابه فيها ليسكنها أم هي عصفور دوري غريد ينتقل بين السواقي والبساتين مرة على ياسمينة في شكل منبر ومرة على جورية في شكل مسرح فلا يرف لتلك جفن ولا يهتز لهذه طرف. أنا مع القصيدة المدينة التي يسعى إليها المريدون من كل مكان ليسقي منها البدو والحضر ويعيش فيها الحالمون ويسهر على أوتارها المغرمون من اول الفجر الى آخر الليل. أنا المنصور وقصيدتي بغدادي ولابد لقصيدتي من رافدين المكان والجمهور. لذلك اعتني بموقع مدينتي على خريطة الساحة الأدبية سواء كان ذلك من خلال مؤسسة صحفية أو مؤسسة ثقافية. وللأسف ان معظم النشاطات المنبرية لا تشجع الشاعر على المشاركة لأنها لا تعطى العناية الإعلامية الوافية قبل وبعد الحدث فتجد أن الحضور الجماهيري ضعيف والإعداد للمناسبة أضعف! فلا تجد المشاركات المنبرية شائعة هذه الأيام إلا فيما ندر ويتركز الحضور على المساحات الأدبية في الصحف والمجلات أو من خلال ديوان منشور. لذلك أجيب على سؤالك أنني اعتني كثيراً بشعري وأتابع المطبوعات والمؤسسات القليلة المعتنية بالشعر التي تقدمه للجمهور في شكل يخدمه ويظهره في مظهر حسن. فليست كل مناسبة تخدم الشعر، بعض الظهور يضر بالشعر والشاعر معا. على غرار الشعر الشعبي وازدهاره في العشر السنوات الماضية تجد الشعر الفصيح في تراجع كبير وقد يلام على ذلك الشعراء وقد يلام على ذلك أيضاً الجمهور. ما زال الشعر يلعب دوره في المجتمع وما زالت الناس تبحث عنه.

بدأت بكتابة الشعر الفصيح التقليدي ثم كانت لك محاولات بالشعر العامي (أجدت إخفاءها) ثم انتقلت إلى كتابة الفصيح الحديث هل أضافت إليك أم أضرت بك تجربة كتابة الشعر العامي؟
- الشعر العامي في تجربتي لا يزال من أجمل التجارب التي أعيشها مع الشعر، فتنة أن تغني حكاياتك كما تحكيها كل يوم إلى الناس. ولا أرى من الشعر العامي إلا الاقتراب من التجربة الصادقة في روح الشاعر قدر الإمكان. ولقد أضافت إلي كثيراً في فهمي للشعر وفهمي للغة. اللغة التي نستخدمها للتعبير عن الحياة اليومية في بيئتنا والتي تربط حاضرنا بماضينا هي لهجتنا المحكية. وهي عمل أجيال من أدباء وشعراء وقصاص عبر قرون لتصف حياتنا كما هي الآن هذه اللهجة تقابل لغتنا الفصحى التي وقفت عن الدخول في حياتنا منذ قفلنا بابها وتخلينا عنها وأصبحت خارج مجالسنا وخارج أسواقنا لا نبيع بها ولا نشتري، من واجب الشعر أن يطور اللغة وهذا دوره الآن أن يربط اللهجة المحكية ويعيدها إلى الفصحى وهو دور ملقى على جيلنا من شعراء وأدباء أن نصنع لغتنا للناس وأن نعيد إلى لهجتنا فصاحتها.

الشعر عند زياد آل الشيخ كممارسة شعرية هل يتكئ على الصنعة في المقام الأول أم على الحدس الموسيقي. بمعنى آخر ما مدى حضور الصناعة بمفهومها الحرفي لديك؟
- الشعر في طبيعته نافر كظبية تقفز في نفس الإنسان فإما أن يقتنصها وإلا ستشرد من بين يديه لينظر إليها وهي تمشي تارة وتلتفت إليه من بعيد تارة أخرى. إلا أن الأساطير والحكايات وكثير منها خرافة تحاول أن تصل إلى لحظة الكتابة الشعرية وكيف تنشأ وهو من أقدم الأسئلة التي سألها الإنسان عن هذه الحياة ولم يجد لها جواباً. فجعلت العرب لكل شاعر شيطاناً من الجن يملي عليه الشعر وأن لهذه الشياطين واديا يسمى عبقر، وإن كانت هذه خرافات جاهلية إلا أنها تعطي دلالة على مدى الحيرة والغموض الذي يلتف حول هذه المسألة. إلا أني أرى أن صنعة الشاعر لا تكفي ولا يكفي أيضاً حدسه الموسيقي كما أسميته أو كما هو معروف بالسليقة الشعرية. وهو شيء بين الاثنين يجعل العمل الشعري ممكناً في نفس الشاعر وإن غلب أحدهما على الآخر يظهر أثره على القصيدة فيقال هذه قصيدة تظهر عليها الصنعة الشعرية وما إلى ذلك. إلا أنه لدي لا يحتكم إلى قاعدة، فبعض القصائد كتبتها بطريقة غريبة جداً، أذكر أني مسكت مرة قلمي وأنا أنوي الخروج فخربشت على ورقة كلاماً لم أكن أريد منه شيئاً لا شعراً ولا غيره ربما كنت أرسم لا أكتب، فكانت مطلع قصيدة أكملتها فيما بعد وأسميتها صدفة. وبعض القصائد تسكنك أياماً لا تنفك تزورك كل يوم بمقطع جديد ولا تستطيع إلا أن تستجيب وتكتب، لا شك أن الصنعة الشعرية تنمو مع الشاعر كلما زادت خبرته الشعرية تقوى لديه الحبكة الشعرية فيتقن قوله في أي وقت لدرجة أنه يحسن إخفاء صنعته، إلا أنني لا أجد متعة في صناعة الشعر وإن كنت أتكئ عليه أحياناً في مقاطع أصنعها لأقول شيئاً في القصيدة لم تقله سليقتي.

تشي قصائدك ببعض مما يختلج في داخلك ولكنها لا تسلم كل مفاتيح مشاعرك للقارئ.. كشاعر كيف تنظر إلى هذا الخيار الشعري وكيف ينظر إليه قارئ قصائدك؟
- قديماً قالوا المعنى في بطن الشاعر، وكما يرتب أي إنسان بيته من الداخل فيضع السجادة الإيرانية في المدخل ليراها الناس ويضع قطعة ثمينة في آخر المجلس قد لا يراها إلا من يجلس عندها، كذلك الشاعر عندما يكتب قصيدته، ليست سياسة جيدة أن تضع معانيك كلها في متناول القارئ في الزيارة الأولى. فمن المفترض أن يجد القارئ في كل زيارة جديدة معاني جديدة وتفسيرات مختلفة، وفي ذلك قال المتنبي ويسهر الخلق جراها ويحتدم. إلا أن القارئ الحديث كما يبدو غير متفرغ لقراءة قصيدة أو حفظها ناهية عن إعادة قراءتها، لذلك القصائد القصيرة ذات المعاني الواضحة تجد رواجها عند كثير من القراء، فالأمر كما تفضلت في سؤالك خيار إما هذا أو ذاك. إلا أن المجموعات الشعرية تصنع طابعاً أكثر عمقاً في قراءة القصيدة من سماعها ملقاة أو قراءتها في صحيفة، فتسمح للقراءة وإعادتها طالما توفرت للقارئ المتعة في ذلك. ومن هذا المنطلق تأخذ القصيدة حقها من الاهتمام والاعتناء بأجوائها اللغوية، ويأخذ الشاعر فرصته في التحليق بالقصيدة إلى عوالم جديدة. فالقارئ له العذر أحياناً لأن بعض القصائد ليس لك أن تلم بكل معانيها في أول قراءة. الخلفية الثقافية عامل مهم أيضاً يساعد القارئ في فهم بعض القصائد فكثير من النصوص الحديثة تشير إلى شخصيات وأحداث تاريخية لها معان من نصوص أخرى يستدعيها في القصيدة، إن غابت هذه النصوص عن ذهن القارئ أغلق عليه المعنى، لتصبح القصيدة مناطق مختلفة الإضاءة بين مناطق مضيئة وأخرى أقل إضاءة. لكن ما نحتاجه اليوم هو وضوح أكثر في معاني القصيدة وإضاءة أكبر تفتح للقارئ حديقة شعرية بعد أخرى، التحول الشعري الكبير الذي ظهر في جيلين أدبيين من القرن الهجري الماضي جعل من الصعب على القارئ العادي اللحاق بقافلة الشعر التي توجهت لمناطق جديدة لم يعرف لها الشعر العربي مثيلا. هذا التحول خلق فجوة بين الشاعر والقارئ ما زال يحمل عبئها كل شاعر.

يلاحظ على قصائدك في الآونة الأخيرة أنها أصبحت مضيئة أكثر أو بالأحرى أصبحت أكثر وضوحاً هل رضخت لعلامات الاستفهام التي كانت تشارك كثيرا ممن يقرؤون قصائدك السابقة التي كانت شبه مغلقة؟
- أشارك الجمهور كثيراً في لعب دور القارئ مع شعراء وكثيراً أصل إلى نتائج قريبة من نتائج القراء، أما الوصول إلى معان مغلقة وأنفاق لا نهاية لها مطرزة بألف علامة استفهام على جبيني أو أن أخرج من القصيدة بذاكرة بيضاء كقماشة ثوب صيفي جديد. على غرار ذلك أجد المتعة في قراءة أشعار معانيها لا تسلمك يدها من أول نظرة على شرفتها، ولكنها تسرح خيلها لك وتسرج خيلك لها لتتبعها في ساحات القصيدة بين السكك القديمة وخلف أشجار غاباتها. انحيازي للقارئ جعلني أنظر للأمور من عدسته وأقرأ القصائد في ثيابه موصولاً بالرغبة أن أجيء بما لم تستطعه الأوائل، لذلك تجدني في صف القارئ كثيراً فعلى أية حال كنت قارئاً وما زلت، أحتاج أحياناً إلى قصيدة أقرأها من أول مرة فأجد في لغتها وخيالها ونغمها ما يمتعني دون عناء إعادة القراءة فهذه رغبة طبيعية. أن تجد أبيات حلوة لدى بائع حلوى على ناصية الشارع أو بيت بين وردتين في باقة لدى بائع زهور متجول. أو أن تكون معلقة مرصعة بالجواهر تسعى لتراها مرة بعينك المجردة ومرة أخرى بعدسة جواهرجي تعرفه. هذا التنوع بين الأساليب يعطي الشعر حريته أن يرفرف على أي غدير يريد وأن يقع على أي غصن يشاء. أن تسمح لغزال المعنى أن يخايل قارئه بين شجرتين إما أن يقع في يد صياد ماهر فيقنصه أو أن يكون من حظ صائده النظر. هذه المقابلة في الشعر العربي بين خربشات شاعر على جرته في: ربابة ربة البيت/ تصب الخل في الزيت/ لها سبع دجاجات/ وديك حسن الصوت/ وذلك الترصيع الماسي على صفيحة سيف عباسي في: إذا ما غضبنا غضبة مضرية/ هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما، دليل المساحة الكبيرة التي يحتلها الشعر في تنوع الأغراض في كل المعاني الشريفة.
إنني أحتكم في قصائدي إلى لغة الواقع فلكل مقام مقال، فليس من الذوق أن تتغزل في من تحب بشعر تحتاج إلى فهمه حفظ معجم اللسان من الجلدة إلى الجلدة ولا أن تمدح بشعر يحتاج إلى البداية والنهاية لابن كثير حاشية له.

النزعة الحكائية ذات الطابع الحواري في النص الشعري تقنية جمالية تأخذ وضعاً مختلفاً في نصوصك كيف تقوم السردية في قصيدتي (الرجل ذو الساق الخشبية) و(ليالي أبي عبدالله الصغير)؟
- الحكاية منذ القديم أحد الأساليب الأدبية التي تتنازعها الفنون وتتكئ على أضلاعها كثير من القصائد منذ قفا نبك إلى اليوم. وفي القصيدة الحديثة تأخذ الدراما الشعرية دوراً أكثر فاعلية مما مضى في بناء القصيدة، لا أن تكون التفاتة في معرض غزلي أن تخلص من غرض إلى غرض، بل عنصر أساسي في بناء القصيدة يمسكها من أولها إلى آخرها. وفي قصيدتي (الرجل ذو الساق الخشبية)و(ليالي أبي عبدالله الصغير) خصوصية حكائية لا تجدها في قصائدي الأخرى التي تنزع إلى الدراما في بنائها. ففي قصيدة (الرجل ذو الساق الخشبية )لا يتمثل الحوار بين اثنين، بل هو حوار ذاتي، مشهد مسرحي ذو شخصية واحدة متمثلة في صوتها الذي يصدح بالقصيدة. أما في قصيدة (ليالي أبي عبدالله الصغير) فصوت الحاكي يميز نفسه عن باقي الشخوص التي تبرز في القصيدة من خلال رواية الحلم التي تغزل هذه القصيدة بين يدي قارئها. وفي كلا الحالتين البناء الدرامي يجعلها أكثر ترابطاً. وفي رأيي أن قصيدة التفعيلة يجب أن تستغل المساحة المتاحة لها في شكلها المرن لتستوعب كثيراً من الأساليب والأجناس الأدبية الأخري، لتخرج بمزيج أدبي جميل. فكل نص جديد يتأثر بما يسبقه من نصوص ويلوي نفسه عليه ليكون إما إضافة أو اتكاء، لذلك يبرز كثيراً في القصائد الحديثة التأثر بالنصوص الروائية في تقنياتها من مسار درامي أو عقدة فنية أو غير ذلك، هذه الأساليب دخلت في الشعر بطريق التأثر العفوي أحياناً وأحياناً أخرى بطريق أسلوبي واعي. وقد تجد في الحكاية في أي نص أدبي سواء أكان في فن المقال أو الشعر أو المسرح جاذبية تأسر المستمع، وليس ذلك بمستغرب إذا أدركنا أن الحكاية من أقدم الأساليب الأدبية شيوعاً، من منا لم يجلس إلى جدته ليسمع حكاية من حكايات الأولين، فهذا النمط الأدبي نشأنا عليه منذ الصغر ونما معنا بمرور الزمن.

ت عائد للتو من رحلة طويلة خارج المملكة استغرقت قرابة السنة ولم تكتب خلالها بيتاً شعرياً واحداً هل نسيت أن تحزم شيطان الشعر ضمن أمتعتك؟
- نعم هذا صحيح فالطائر الغريد الذي ينقش بمنقاره الذهبي كلامي، ليصعد من فمي مشغولاً بأوزان الخليل، عادني عليلا يزور عليلا. خرج من كمي ليلة وعاد لي مبللاً جناحيه، مطفئاً ريشه الذي اشتعل مع الريح بدمعة حزن سخينة على أمته. كل الذي حزمته في حقيبتي من أدوية ومطهرات صرفته على طيري الجريح في غربتي، فلا صيدليات الغرب ولا أساليب الإسعاف الحديثة تداوي هذا الطائر العربي. يقع الكلام أحياناً في فخ الدهشة مما حوله، وكأن صف الكلام تعثر في بعض فسقط، وكأنه فقد بريقه في الظلام. إنني بلا شك خلفت قنديلاً ما ورائي في الرياض، أو أنني لم أشعله قبل خروجي لأراه من بعيد، وقد يراه طائري فيعود ليرفرف في يدي.

هل هنالك أية آثار محسوسة تركتها الغربة في إبداعك خصوصا عندما تقارن النصوص التي كتبتها بعد عودتك من هذه الرحلة مع تلك التي كتبتها فيما قبل؟
- لا شك إن أجواء الغربة تطبع آثارها على نفسي وينعكس ذلك على ما اكتب. قد تزيد مساحة الشجن في صوتي الشعري وقد أجلت معي عوالم شعرية جديدة لم تدخل في شعري من قبل، إلا أن كل ذلك لا يحدث في وعي كامل كما هي طريقة الكتابة في العادة. أنت لا تعي تماماً كل ما تعني عندما تكتب ما تكتب ولكنك حين تعيه بعد ذلك ستعنيه تماماً. إلا أنني في رحلتي هذه ابتعدت عن وطني لأفهمه عن بعد، لأفهم كيف يطوف العالم حوله، كيف تتشكل صورة أرضي من بعيد، كلما يممت وجهي إليها في صلاتي شدت إليها روحي بيذبل من حرير لو حركته لان بين يديك، فإن تبتعد كثيراً أحياناً يعني أنك تقترب أكثر. وفي هذه الفترة بالذات من تاريخ العالم كل ملتفت إلى هذه الأرض، مسلماً كان أو كافراً، والعالم الإسلامي يلتف حول أرض مقدساته، ما الذي يعنيه كل ذلك لنا نحن كمسلمين في العالم وماذا يعني ذلك لنا نحن هنا في المملكة. إن أدبنا وفكرنا في هذا العالم يجب أن يمثل نفسه لأمته ولباقي الأمم، أنا هنا لا أتحدث عن جهد ثقافي وحيد في عمل أدبي مفرد، لا نريد عزفاً منفرداً، أتكلم عن مشروع ثقافي يعيه كل منتج منا، نعي دوره وما ينتظره من تحديات، فنحن نبحث في هذا الوقت بالذات عن الدفاع عن مسلماتنا الفكرية أمام غرب يسأل عن كل شيء وينقد كل شيء وينشره في الناس. إن ما يطفو على السطح من حركة إعلامية عدائية ضد المملكة تستهدف الإسلام في كل مكان تمثل قمة الجليد فقط، إن مواجهة إعلامية كهذه كالهشيم سريع اشتعاله سريع انطفاؤها، إلا أن ما يعنينا أكثر هو المواجهة الفكرية، إنتاج مراكز الدراسات ودور الفكر في الغرب من أبحاث ومنشورات وكتب في الشهر الواحد يوازي ما ننتجه في سنة، وهذه هي المواجهة الحقيقية.

رغم تخصصك في الحاسب الآلي وخبرتك في تصميم المواقع إلا أنك لم تعمل على موقعك الشعري الخاص حتى الآن متى سيصلح النجار بابه؟
- يقال إن التصميم عملية لا نهائية، كلما زادت خبرتك أعدت النظر من جديد وأضفت إلى عملك أو حذفت. وموقعي الشخصي شبه منته إلا أن انشغالي بالسفر وأمور أخرى حالت دون أن أصل به إلى مرحلة الرضى حتى أنشره بين الناس. وإن كان الموقع مصمما ليواكب صدور ديواني الأول (هكذا أرسم وحدي) يعرض فيه مختارات من قصائد الديوان. إلا أن النية تتجه لجعله موقعاً شاملاً يضم كل نشاطاتي من لقاءات ومقالات وقصائد جديدة وفتح الباب أمام زوار الموقع للتفاعل معه. لا شك أن النشر الإلكتروني وسيلة نشر فعالة تعمق نفسها في يومياتنا لتدخل شيئاً فشيئاً إلى عاداتنا اليومية.

(ليالي أبي عبد الله الصغير) مشروع شعري أصبح يضاعف نفسه بعد أن أوليته اهتماماً خاصاً إلى درجة إنك تفكر في زيارة لأسبانيا لتعيش أحداث القصيدة، حدثنا عن المشروع وإلى أي مدى سيصل؟
- نعم فكرت في ذلك وقد فعلت، إلا أن زيارتي القصيرة لأسبانيا لم تسمح لي أن أعيش الأندلس كما أردت إلا أن نفحة طافت على من قصر القصبة أشعلت في دمي بكائية أندلسية لا زلت أكتبها على مرآتي وأعكس بها شمس حاضرنا المحرقة في المشرق إلى اليوم. هذه الليالي التي أعيشها ليلة بعد ليلة توقظ بعصا كرم طائفي من كروم الحجاز تاريخ سقوط آخر معاقلنا في الفردوس المفقود أزورها كل ليلة ومعي زادي قافية أو قافيتين كل يوم ومعي مفتاح جديد أبحث عن باب لم أفتحه البارحة. هذه الليالي التي عاشها أبو عبد الله الصغير نعيشها الآن جميعاً كل ليلة على رغم المسافة والزمن اللذين يفصلاننا عن التاريخ والمكان. ومن الغريب أن هذا السقوط وقع في زمن فيه عزة ومنعة للإسلام في العصر العثماني، ذلك العصر الذي ألفت فيه شمس المغرب وبزغت فيه شمس المشرق. لا زلت أؤمن أن التاريخ يعيد نفسه وأن الأسئلة التي سئلت ما زالت تسأل إلى يومنا هذه. إنني أعمل على أن أعيد عبر هذه القصيدة رائحة التاريخ إلى حاضرنا عبر رمز السقوط الإسلامي في الأندلس آخر ملوك غرناطة أبي عبد الله الصغير. لكنني من هنا لا أحاول أن أزحزح حجراً في التاريخ عن مكانه أو أن أزرع وردة في تربته لتذبل بعد حين، إلا أنني أكتب بين السطور لعل رسالتي التي ألقيت زجاجتها في البحر تصل لأحد في الشط الآخر تسكنه كما تسكنني.



نشر هذا اللقاء بتاريخ 2003/2/6







غلاف ديوان هكذا أرسم وحدي
هكذا ارسم وحدي