أرشيف الوسم: وصف

(الحمراء) نخل وشبابيك مقفاة

poemAlhumbra

حجر يربي كالورود بكاءه في العابرين
صدى من الردهات يسبحُ
كلما امتلأ الحنين من الحنين
فقد ترى إيقاع هندسة الندى
يخضر في ذهب الفراغ الحر
تمتزج الزوايا بالمرايا
ثم يتبع كل ظل ظبيه المغزول من نور وطيبٍ
وهو يمضي في امتزاج الروح بالألوان
رائحة الهوى مطر على عشب الكلام
وكلما انكسر المجاز
يسيل من أغصانه عسل على أحلامنا

لا شيء في (الحمراء) يبقى بعدنا
غير التردد في شذى البستان
وهو يلون القبب الصغيرة حول ماء سلامنا

الماء مرآة السلام إلى الغمام إذا تلكأ
وهو بلبلنا المدرب في النوافير الطويلة
كلما انطلقتْ توشحت القصائدُ بالفوانيس الكبيرة
وانهمرنا بالغناء على خلاخيل الجوى بغرامنا

يتفتح الريحان في الأشواق
حين تفك جارية ضفيرتها وتجري،
ثمتالمعنى المثقبوهو يُنقش كالخواتم،
والقباب إذا تكورها كسهل لوعة الإيقاع،
في بيت يهلهله أنين الليل حول منامنا

وتطل من نخل شبابيك مقفاة تقول:
تعال صدْ معنا الشذى،
ودع الرسائل للحمام
يقول نقش في الطريق إلى الحديقة:
صفْ لنا شجن الزمرد في الزبرجد،
وابتعد بشقائق النعمان عن زغب الموشح.
كلما فرقت قلبي في النوافير التأمتُ كقطعتي خزف
وعدتُ إلى الكلام أعبئ القاموس بالمعنى
وريش حمامنا

الوسوم:

اكتب التاريخ على مهل

اكتب التاريخ على مهل، كأنك تعيد تركيب فسيفساء الحكاية في طبق مكسور ببطء، ولا تستمع إلى من يحاولون دفعك لتنتهي من مهمتك الصعبة، فالتاريخ ما فاتك، فلست معنياً بالمستقبل الذي يجيء راكباً بغلة التقنية. تأكد أن لديك ما يكفي من الحبر السائل وأقلام الخط المدببة من القصب الفارسي المنقوعة في ماء الورد، فالتاريخ لن ينتهي كما ادعى فوكوياما مرة في مقالته (نهاية التاريخ). حين تمد أشرعة الكتابة أطل رسم (بسم الله الرحمن الرحيم)، فلا تضغط كثيراً وأنت ترسم باء البداية في (بسم) ولا تستعجل في الانتقال إلى ألف (الرحيم) حتى تستكمل نون (الرحمن) استدارتها ببطء كشمس في طريقها إلى المغيب. اختر ورقاً أصفر لتصبح يدك غيمة تكتب على دفتر حقل قمح ذهبي. ولتكن لغتك أقل شاعرية من قصيدة في وصف الربيع، وأكثر نثرية من حركة الرمال. دع وصفك للأشياء يتداعى بعفوية مبتعداً بذلك عن أصول الكتابة الصحفية والأكاديمية حيث تولد التفاصيل من عقدة مكثفة في أول الكلام ككرة من الخيوط القطنية المتشابكة. حافظ على حرارة العاطفة في كل حرف تكتبه، لذلك لا تلهث وراء كل حدث يجري أمامك مثل ظبي، كن مثل النمر الذي ينتظر حتى يختار فرسيته متخفياً بين الحشائش والأشجار. إن كان الحدث سياسياً فانظر إلى الناس الذين يسيرون في السكك الضيقة في وسط المدينة، هل ما زالوا يبتسمون للغرباء الذين أضاعوا الطريق وهم يبحثون عن أسماء الشوارع بلا جدوى؟ هل يخرج الناس من أعمالهم متكاسلين في العودة إلى منازلهم كما هي عادتهم في كل بلد؟ هل يقرأ الباعة الصحف أكثر من الحديث مع زبائنهم؟ وإن كان الحدث اجتماعياً، هل ينفض الآباء النوم عن أكتافهم في الصباح الباكر ليأخذوا أولادهم إلى المدرسة؟ ليكن حبرك كحل يوسع حدق الحقيقة دون أن يغير لون عينيها. ودع كل شيء يمر حولك يتكلم عن نفسه: بكاء النساء يشد نياط القلب ويقفز من الصفحة كالمفرقعات، مآذن المساجد تصدح قبل أن تصل إلى وصفها في الصفحة التالية، وصرير المدرعات تطأ جذوع النخيل وأنت تقفل مدونتك السميكة. وإذا انتهى حبرك، فابتسم ليديك المرتعشتين من التعب واكتب اسمك بخط صغير في آخر الصفحة وقل الحمد لله رب العالمين.

الوسوم: ,

البيوت

البيوت على وجهها حزن المسافر حتى يعود ومسحة الظل الصموت. ربما تؤنسها نخلة طويلة لا تفكر في غير انحناءة الوادي والحنين الذي يشدها إليه مذ كانت فسيلة بانتظار المطر. تطوف البيوت ببطء مثل السحابة دون أن يحس بها سكانها وهي تشد الطريق كحبل لعل تائها يمسكها في الليل فتدله.

للبيوت دكنة مسحتها السنين على ملامحها المجعدة بالطين والحجر. قد يحسن المعماري استدارة زواياها، ويجنبها حدبة في السقوف، وعطلا من النقوش، فإن لم يحسن ذلك كله، أو أي منه، فستبرد البيوت أطرافها بالقمر، وتفتح للريح نوافذها لتستدير الزوايا المدببة رويدا رويدا. والبيوت تعجن سكانها باستدارة التجربة حول وتر الشوق. نوافذها عيون زرقاء تطل على بهو الروح. فهي تتكور حول نفسها في الليل من قلة الزائرين وبرد المسافة. فقد يضع عابر وردة على جدار البيت تذكره بحديقة ما، فيفوح البيت بالذكرى، فيضع البيت عنوانه في جيب ذاكرته لعله يعود مرة أخرى.

والطفولة تعلق أسماءها على مزاريب البيوت، وتترك ألعابها على عتباتها فقد تفتح الباب أم حنون تلقف ما تبقى من شقاوتها وتكنسه تحت سجادة دفء الأمومة. والبيوت الصغيرة تجلس القرفصاء وهي تسند بظهرها دراجة حمراء لشاب لا يجيد قيادة السيارة، لكنه يجيد فك الرسائل المشفرة. على التلال تبدو البيوت طيورا محنطة توشك أن تطير، تسربلها الشمس بالذهب الأحمر. عجائز يجلسن لنشز شرشف الغروب تقية من ليل بارد يوشك أن يلقي سلاسله عليهن. وحين يوشك الفجر أن يسل خيوط الليل من أنامل الأمس، تصحو البيوت لتصقل نوافذها بزبد البحر، بانتظار غروب جديد.

الوسوم: ,

تزور مدنا جديدة

تزور مدناً جديدة تصافحك بغصون الشجر الرطب وتحضنك بالشواطئ. في كل مدينة جديدة تزورها، قوارب شراعية تروح وتذهب فيك. كأن حزناً ما يمشط رملك الداخلي بانتظار أن تنقشه قدما قرية صغيرة تمرك على الطريق بين مدينتين. تذهب بعيداً ليبللك مطر عابر ليس له مظلة. كأن كل ما فيك من صحراء ونخيل بانتظار أن تصبح الصحراء صخورا والنخيل أعشاب بحر بانتظار موجة مشغولة بالزبد. تحتاج أن تمر نافورة واحدة منقشة بالصدف لتتغرغر بماء حزنك حتى يتكدس الورد في دمك. تحتاج لأمل عشوائي يتساقط عليك مع أوراق الخريف لتعرف أن ما ينقصك لتكون آخرك الذي ينتظرك في المستقبل هو أن تكون أنت أناك تماما. فربما تنقصك شمس صغيرة تحمص ما بين وجنتيك من حنطة ليستدير وجهك كالرغيف فتختفي زوايا حزنه المدببة. وربما تحتاج إلى أن تمشي ونفسك طويلاً لتجعل من ماضيك سلماً لتصعد به إلى المستقبل.

تزور مدناً جديدة لأن كوباً واحداً من القهوة لا يكفي لتسرد قصة عمرك، ولأن الطرق الحجرية التي تؤدي إلى مقهى يطل على البحر ليست واحدة، ولأن حقائب حزنك كثيرة. فقد تقف عند أول مقهى تمره كنحلة تبدأ الورد من أول الحقل، وتسند رأسك إلى الخلف لتعد الحمام الذي يشكل غيمة رصاصية تمر من فوقك، وتسأل عامل المقهى: أشاهدت غيماً كهذا قبل ذلك؟ فيرد جارك في الطاولة الأخرى: أرأيت حماماً كذلك قبل هذا؟ فيقول عامل المقهى: هذا موسم السياح الذين يكثرون من الأسئلة ولا يدفعون كثيراً.

تزور مدناً جديدة لتكثر من السير وحدك في حديقة خالية إلا من العشب. فتقيس ظل شجرة في المنتصف بملاعق القهوة: ما ضر الشاعر الإنجليزي لو قاس عمره بملاعق الحساء الطويلة ولو مرة. وبماذا أقيس عمري لو لم أجد غير عينيها الذابلتين؟ ستصل إلى نهر ما حتماً، وتستسلم لصوته الناعم، كأن النهر يمر بين الأحراش على أطراف أصابعه. وربما تغمس قدميك المقرحتين من السير طويلاً في رمضاء الحب في انتظار قارب ملون يدعوك للصعود في رحلة قصيرة إلى حيث يختفي النهر حين ينزوي وراء القلعة.

قد ترى الغيم الذي يشبه الحمام الذي يقلد الغيمة الرصاصية فلا تبلغ قائد القارب لكي لا تخل بتوازنه الهش، وقد يراه وأنت منشغل بمرآة نفسك في سواد النهر. ستقول: الليل مرآة ثقبتها النجوم، ويقول قائد القارب: بل الليل عباءة مخرقة للنهار. سيصل القارب إلى آخر النهر، وتصل أنت إلى نهاية نهرك الشخصي، ثم تعود.

الوسوم:

مرض الحنين وجمهورية البيروقراطية

يتقاطع الحنين والبيروقراطية في نقيض ما يبديان ويخفيان. فالحنين الذي يخفي مخالبه في فرو راحته، يليق اسمه بوردة لا بجزيرة نائية تورث الوحشة، تجاورها في بيوت من طين اللغة معان مليسة كأنما تحيط نفسها بقطعة من الحرير. فالحنين كلمة لها رقة الغروب حين يلون الأمواج التي تتفرق من قارب صغير ينسل من ماء البحيرة إلى اليابسة ببطء. لكن الحنين رغم ذلك، يخفي إبرا تحت مخمل الذكريات. فحاؤه التي تنعقف مثل منقار عصفور، تنكش في غفلة منك ما في ماضيك من ألم. فهو يريك ما يريد من الماضي بمرآته المهشمة: باباً أبيض ترسم دالية بالأصفر والأخضر له إطاراً، لكن لا يريك المظلة المثقوبة فوقك، ويريك ممراً طويلاً معبداً بحجر صغير ناعم كان يعجبك، ولا يريك الهاوية في آخره، يريك وجه الحب ولا يريك نمش الهجر. الحنين هكذا، فخ لذاكرة سقطت منها عدساتها الطبية، فالعالم بالنسبة إليها كلوحات مجلس الشعب للرسام الفرنسي (مونيه)، مشهد واحد بألوان متعددة كلها مكسوة بغبش الفجر. فلا يرى المصاب بالحنين إلا ما لا يناله من الماضي، ويفوته ما يمر من حوله من عربات قادمة من المستقبل. فاسمه المدور يغري من يمر به ليقف عند نافذته الأنيقة وستائره المعطرة طويلاً طويلاً دون جدوى.

أما البيروقراطية، فتخفي خلف وجهها المتجهم جمهورية النظام وهندسة لغوية دقيقة لا ترى للأشياء غير المحسوسة كالسلطة والمعرفة والقوة. إلا أن البيروقراطية اتخذت لنفسها صورة خارجية لا تمتلكها ولا تستطيع أن تفكها. فأصبحت البيروقراطية أيقونة لعدم الكفاءة واسم لمرض النظام الذي يقتل العشب الذي يخرج من شقوق التجربة. تبدو البيروقراطية من بعيد فوضى تشوك كل فكر جديد يقترب منها، محاطة بسور مرتفع من العادات والتقاليد. تطول صيانة ماكينة البيروقراطية من الداخل، فيكثر العمل الجماعي حول المشكلة فيكون العمل الجماعي نفسه مشكلة. لا يغفر أحد لهذه الفوضى الخارجية ما في الداخل من نوايا حسنة للانضباط والسيطرة على أفراد على وشك الانفراط كالسبحة لولا قوة سلك الجماعة. فلا يبدو أن ما يُصنع في الداخل من حلول هندسية للإسراع من حركة ترس المؤسسة سيعيد للبيروقراطية واجهتها المعمارية المليئة بالأقواس والقبب الملونة.

لذا، ربما وقف عابر بالحنين والبيروقراطية ليستبدل الأقنعة في تجربة فكرية. للحنين شوكة البيروقراطية وفوضاها المستمرة. وللبيروقراطية ماء وجه الحنين العذب وغبش الفجر. عندها قد يصلح الحنين من خراب نفسه الداخلي فيصير بيروقراطية العاطفة. وقد تفسد البيروقراطية ما في داخلها من لغة لضبط ميزان العمل والقوة، فتصاب البيروقراطية بمرض الحنين.

الوسوم:

الدراجة الهوائية

دراجة

الدراجة الهوائية بنت الحقل. وهي وحدها من تخصر القرى والمدينة بحزمة قمح لا تُرى. عجلاتها مراوح تدور في رئة المدينة المتعبة بالكربون وقلة الضباب. رشيقة مثل غزال معدني يلاعب ظله في غابة من الأسمنت المسلح. تسير على حبل مشدود بين الحقيقة والمجاز، نحيلة كسكين تشق حرير النسيم الذي يجره الغيم على صخور الرابية. تمر بين البيوت كغيمة رصاصية في حلم واقعي أبيض، فتخيط جرح البيئة المفتوح، وتزيد من نسبة الأكسجين في دم المدن الصناعية. لذلك تحملها القرى على ظهرها لتصعد سلم المدنية الطويل. خفيفة الظل على الرصيف المطرز بالعشب الذي يقاوم سلطة البلدية في حربها على العشوائية. لذلك يسند طفل دراجته بزاوية مائلة على جدار دهن حديثاً ويجري إلى البقالة دون أن يلتفت إلى الدراجة وهي تغير شكل المكان. وقد يمر مصور أجنبي فيطلب من سائق الأجرة أن ينزله فجأة: قف هنا، ها قد وجدت نفسي مرة أخرى. تتحرك الذاكرة كشريط سينمائي مشدود بين عجلتين صغيرتين تديرها ساقين نحيلتين لطفل لم ينتبه أن رجلاً بنظارته السميكة ينظر إليه سارحاً وقد تدلت من رقبته آلة تصوير كبيرة واغرورقت عيناه بالدموع. ففي قلب كل رجل في الخمسين دراجة بيضاء يحوم بها كنحلة حول حديقة قلبه الدائرية كلما مر بمشكلة لم يستطع حلها، كأن يمد يده في كيس أمسه فيجده خاليا. فالدراجة صندوق ذاكرة متحرك مفتوح على طرق ترابية تؤدي إلى الحنين. وهي فراشة الحداثة، ترفرف بالعجلات على وردة التكنولوجيا. تقشر الحضارة كبرتقالة تتساقط منها قشرة الكربون على مائدة التاريخ. فالدراجة سبط طاحونة الهواء، وهي خدن الفيزياء النظرية. فكيف لسرب من الدراجات الهوائية أن يعيد إلى المدينة الكبيرة إيقاع القرية الصغيرة؟ فربما ركب السياسي دراجة في صباح يوم ما من عطلة نهاية الأسبوع ليستعيد توازنه، فلا يميل إلى اليمين ولا يميل إلى اليسار، ولا يتقدم أكثر كي لا يكذبه من تأخر، ولا يتقهقر أكثر كي لا يكذب هو من تقدم. وربما أجاب عن السؤال المبرح: كيف أدحرج ثمر الفلسفة على سيف التجربة الواقعية دون أن تشطره نصفين؟ وربما في مكان ما في الريف، سيمضي بالدراجة شاب مغامر إلى المنحدر في يوم شديد الحرارة ليطلق يديه مستسلماً للجاذبية وهي تركل الدراجة إلى أن تقع به في الغدير. سيخرج من الماء وهو يضحك: حياتي دراجة هوائية في منحدر العاطفة. سيسند دراجته إلى طاحونة هوائية زرقاء ويأخذ قيلولة تحت شجرة تفاح نائية. سيمر المصور الأجنبي نفسه بالدراجة عند الطاحونة الهوائية ويقول لسائق الأجرة: قف هنا، ها قد وجدت نفسي مرة أخرى.

الوسوم:

الحنين

الحنين مكان آخر في الذاكرة لا يدل إليه درج أو حديقة. سير إلى الوراء بلا نهاية بحثا عن وجه يشبه ملامح أطفالنا. وهو واقع لم يعد لنا فيه أنامل لنعزف بها على أوتار الأمل. والحنين نفسك بالأمس، تراها من خلف زجاج ملون تخطه قطرات المطر المنسابة من أعلى. وتلة عن يمين طريقنا في الحياة أينما اتجهنا، ترفع باقة من الورد إلى السماء تظللها شجرتنا المفضلة. وهو حياتنا في اتجاه آخر، في طريق ممهدة بحجر مربع بحجم قبضة يد طفل صغير. وقطعة منا سقطت، لتظل في يدنا إذ لم يعد لها مكان فينا. ملاءات مجعدة نفرشها على أرائك جداتنا. طيور مهاجرة بين القلوب التي تفرقت بالسفر. موائد خالية من رائحة القرية والسنابل. ومطر لا يسير فيه أحد. هو فسيفساء الماضي في محراب مستقبلنا الذي أخطأنا الطريق إليه. مرج بين جوانحنا تطير في سمائه مناطيد ملونة. ظلال أعمارنا تطويه زفرة على ما فات. مرض طفيف يزيد مساحة الكلف الذي نطويه بين جوانحنا فلا يُرى إلا في مرايا الحب. طاق من الآجر الأبيض في جدار أحزاننا الأزرق. طوق من الرياحين على جيد حاضرنا الغض لا يراه أحد سوانا. ماء نافورة تمحو من ملامحنا التجاعيد التي رسمتها ريشة التجربة. بحة دمنا بعد أن نغص بالذكرى ونبحث عن صوتنا في جرار العاطفة. ياسمينة تطل من بين عشب الماضي ونحن نصعد هضبة يومنا العادي على دراجة العمل النحاسية. محطة تمر بها ذاكرتنا المدربة على النسيان ولا تقف عندها. هرة تنسل من بين سياج الضلوع وتحك نبضنا المتعب من وجع الحياة بفروة ذيلها وتمضي. أسطورة صغيرة مكتوبة على جدار القلب بماء العين. ميناء قديم يختفي خلف ضباب رمادي هجرته القوارب. وللحنين عمل خاص في متحف عمرك الصغير بين لفيف من شجيرات همومك اليومية، فهو يجلس في ركن شحيح الضوء مثل حداد ماهر ينقش اسمك على سيف الوقت بكل ما تعلق باسمك من جغرافيا: أسماء القرى، تعرجات الساحل الحجري، دكنة القلاع المطلة على البحر، أقواس الرمال الهلالية في صحراء يقسمها نهر إلى نصفين. وفي وقت فراغه يعد قهوته فيك بكل هدوء في غمرة انشغالك بقراءة الجريدة، أو وأنت تشاهد مباراة لكرة القدم. وحين تخلو بنفسك يضيء لك قناديل السكك القديمة في مدن الذاكرة، لتسير وحدك إلى أن تقف عند عربة تفاح بدأك بالسلام صاحبها، وتسأل وأنت تقضم تفاحة: أين الطريق إلى نفسي؟

الوسوم:

نيويورك

في أمريكا حيث يجر الول ستريت الحرية من جديلتها وهي تلوح جاهدة بشعلتها في شوارع نيويورك، يخرج الدولار كل صباح ليركب المترو إلى العمل بقبعته المثقوبة بسهم الهندي الأحمر وربطة عنقه المرتخية. أسأل خليليَّ: هل الطريق من الرأسمالية إلى الديموقراطية تمر من الماستر كارد ومكدونلدز؟ وهل الديموقراطية هنا فسيفساء من اشتراكية الرأي ودكتاتورية رأس المال الذي يغذي وريد السياسة؟ حديقة منهاتن المركزية شامة خضراء في وجه نيويورك المتعب بالعابرين، والدكاكين في (سوهو) نمش يكدسه رصيف لا يبالي بحنين زواره لما مضى من حياتهم في مدن أخرى بعيدة. في نيويورك سحاب تفرقه الناطحات وتملؤه بالندوب، كأنها قوائم خيل حوافرها ترقش سماء المدينة في الليل بنجوم جديدة وقمر أكبر. هاهي نيويورك تغمس سيقانها في المحيط الأطلنطي وهي تأكل كعكة (البيقل) بالتوت البري الأزرق، وتلقي سنارتها لتصيد قرى بين الجبال ليس لها اسم في القواميس، وتصيد مصارف تسبح في بركة العولمة الكبيرة مثل قوارب من ورق الدفاتر الملونة. أمشي في شوارعها الطويلة وبالكاد أجد بقع المارينز على فروها الرمادي، والحداثة وما بعدها تمسدها بالتكنولوجيا. الرأسمالية تقضم تفاحة أمريكا الكبيرة، وسكانها يتفرجون ولا يصنعون شيئا، سوى قهوة في الصباح المبكر، وحديثا سطحيا على هامش لعبة التنس الأرضي يوم الأحد. يسأل عابر: لماذا يضيع صوتي المسجل برقم واضح وطويل في دفاتر الانتخاب؟ لماذا يضيع أمام هدير محركات الفكر في جامعة كولومبيا؟ حيث تمسك معادلة رياضية الاقتصاد الوطني من ذيله مثل سنجاب يائس من الوصول إلى أعلى شجرة الرفاه الاجتماعي. ويسأل آخر: من يصنع من السندات أشرعة لهذه السفينة، حين ترقصها الريح فوق موج الأمل الذي ينحسر شيئا فشيئا؟ . سيارات الأجرة الصفراء تطن كالنحل في رئة المدينة المثقوبة بالوعود الكاذبة. ثقوب يرقعها كل يوم عدد جديد من الفاينانشيال تايمز. الثقوب بيوت في الضواحي معروضة للبيع. والضواحي أقراط كبيرة تعلقها المدينة وهي تنظر في مرآة مستقبلها الغامض وحاضرها المر. والديون التي يسكها مضارب مالي كالخطاطيف، تجر المدينة من أقراطها الكبيرة إلى الهاوية. غابة الإسمنت، نيويورك التي تفتح يديها للقادمين من الشرق بخيولهم المجهدة وفوانيسهم الخضراء، مكبلة. فلا تستطيع أن ترفع سماءها سنتميترا واحدا، ولا أن تهاجر. فالمدينة المسهدة التي لا تنام، تلتحف بالرسوم البيانية لحركة أسهم بورصة الداوجونز والنازداك، وتشبك مبنى الأمم المتحدة عروة في قميصها، وتجلس بانتظار من يخرجها من حطام نظامها المالي.

الوسوم:

شباك القرية

 

 

يعلو من القرميد شباك صغير وحدهُ

في الظل ينبت. أخضرٌ، ومبهرٌ

بالبرتقال وقرفة التفاحِ وهو

يطل من سهل يربي النحلَ

و التوت المنقش بالنمشْ

 

ويثقب الشجر الممدد في المدى

كالمشربيات القديمة، حوله ُ

أصص من الطين الملون بالحنين ِ

وبالقناديل الصغيرة، وحده ُ

يحنو على قمر من الحلوى يلاحقه ُ

الصغار، ووحده يرفو عباءة ظله ِ

للقادمين من الحقول إلى بساتين الغمام ِ،

تراه يفتل خيط ثرثرة الغديرِ، وربما

أدمى أناملهُ ليخصفَ عشَ  قبّرة ٍ تنقر نايهُ

حتى إذا كبرت طفولة قرية في حضنهُ

وقفتْ  فتاةٌ ـــ تمتطي دراجةً ورديةً مثلاً،

لتأخذ صورة المعنى المقشرِ

فوق أخبية البيوتِ ـــ ولم تلاحظْ

نجمة في خده لمعتْ على

عسلٍ بعينيها تقطره الفصولُ

ولم تقلْ: لمَ لا أرى إلايَ في إيايَ؟

أو هذي الظلال على السلالمِ

كالعناقيد الصغيرة من يعلقها؟

ومن سكب الأصيل على الأزقة في الظهيرةِ

كالمربى المشمشي إذا يسافر في دمي؟

 

يبقى يضفر روحهُ

ويظل يغزل مشهداً في جيدها

وتظل تنكثه بأنفاس مزعفرة ٍ

ويبقى الفجرَ يفتح ورده كهدية ٍ

وتظل تنكره بأجفان مخفرةٍ

ويبقى ظلَ رسام الغمام على كراسي القشِِ

وهو يقرمد الأطيانَ

وهي َ

تظل تعبرُ

لا تراهْ

الوسوم:

رحيل بين قافيتين

١
أسافر من راحتيها بدون جناحينِ من نسْجِها،
و حرير يديها و لكن على فزةِ الشوقِ في مقْلتيها
أسافرُ في لغتي المرمريَّةْ

أسافرُ عكْسَ اتجاهِ السنابلِ، ضدَّ انشغالِ الحقولِ
إلى حيث أفقدُ تفَّاح وقتي و بوصلتي الذهبيَّةْ

إلى عالمٍ لا يراهُ سوايَ إلى حيثُ ينبتُ قلبُ
الغريبِ وروداً و تعشبُ كفُّ العطايا
مرايا على رعشاتِ الغديرِ كجيدِ صبيَّةْ

لأسقي البلاد كلاما
فتمطر حولي سلاماً
سلاماً
سلاما

٢
وحيداً أعدُّ رذاذَ المطرْ
وكلٌّ يداري حبيبتَهُ عن رشاشِ الوحولْ
وخلفَ زجاجِ محلٍّ تجاري
تناظرُ عينايَ عينا فتاةٍ تسيرُ
كأني أراها على هَوْدَجٍ تتهادى كغصنٍ رطيبْ
وقافلتي في جوار القليبْ
في انتظار السقايةْ

٣
على الشانزِ اجلسُ وحدي بطاولةٍ
ليس فيها سوى شبحٍ لرفاقِ الرياضِ
فاطلبُ قهوتي العربيةْ
يُسرُّ ليَ النادل المغربيّ
باني طلبتُ الذي يهربُ الناسُ منهُ
فقلتُ المماتَ أم الذكرياتْ
فيضحكُ ثمَّ يشيرُ بفنجالِيَ العربيّ !

٤
وفي الهَيدِبَاركَ أسرِّحُ قلبي ليلعبَ عند البحيرةِ
أرقدُ تحت سماءٍ تنشفُ خدِّي البليلْ
كأني أنختُ المطايا بظل النخيلْ
بمقربةٍ من دمشقْ

٥
على لغتي في برادْوي كأني على إبلي أتوشحُ بُرْدتيَ القرشيَّةْ
وجفني المسهَّد في حبِّ ليلى يفسِّرُ قافيتي
ففي مقلتيَّ ليالي الرياضِ
تراثُ أبي الأسود الدؤليِّ براحلتي
وصوتُ أبي الطيب المتنبي تسلَّقَ حنجرتي كحشيشةِ بحرٍ
وصوتي مع الآه يصعد من رئتي
كلَّ ستين ثانيةٍ كَحمامةْ

٦
بقرطبةٍ فوق تلٍّ فسيحْ
يخيَّلُ لي أنَّ مئذنةً أو فتاةً تصيحْ
يمرُّ البكاءُ بسمعي كدفقةِ ماءٍ وهبَّةِ ريحْ
فتأخذُني لفتةٌ في الفؤادِ و تغلبُني دمعةٌ في الوريدْ
و يمسكني حجرٌ من يدي
ويركضُ بي نحو سهلٍ بعيدْ
” ألستَ ابن زيدونَ يا سيدي
فهاهيَ ولادةٌ من جديدْ
هنا في انتظاركَ تحت الحديقةْ ”

٧
رحيلٌ طويلْ
تعاني يدي في الكتابةِ ذاك الرحيلْ
مذهبةٌ كلُّ أغنيةٍ من أغاني رحيلي
بنرجسةٍ وصهيلْ
أعود إليها على حجلٍ بين قافيتينِ
ولي دجلةٌ من فراتٍ و نيلْ
أعودُ لها موجةً ترتمي في يديها
معللةً بخضابِ الأماني
مضرجةً بدماءِ الأصيلْ
كأن الحياةَ تضيقُ و هذا الزمانُ بخيلْ

الوسوم: