أرشيف الوسم: قصة

على الجسر الذي لا ينتهي

في رؤياي أسير وحيداً سوى من الإيقاع على هذا الجسر الذي لا ينتهي. أحرك قهوتي بيدي في كوبها الورقي بحركة نصف دائرية وأطيل التأمل في المدى. كأن هذا المدى سيف محدب، على فضته نقشَ الغروب قصة قومي بذهب الحزن العتيق. أعد بأصابعي زفراتي التي تتكثف في هذا البرد الخفيف وأخطئ. هل الجسر هذا معنويّ كما أظن، مثل جسر جويّ بين دولتين، واحدة سماؤها صافية ومشغولة بالنجوم وأخرى دخانية مليئة بالنسور؟ ففي الحلم يلتبس المعنوي بالمادي، وتصير المسافة وهمية، والوقت دائرياً وليس له عمل واضح. أمشي وأسأل: ما اسم هذا الجسر؟ لعله الجسر الذي يمتد بين اللفظ والمعنى. فبينهما -في كثير من الأحيان- منطقة حرة لقياس النوايا وسوء الفهم، ومن عادتي أن أسافر بينهما في الطريق إلى القصيدة. لكنني لا أرى معجماً واحداً على هذا الجسر يدلني على حقيقة الأشياء في لغتي. فلو كان هذا الجسر ما أظنه لوجدت ابن منظور يدق نحاس الكلام بلسان العرب. ولرأيت بوقاً للمفردات القديمة ينفخ فيه الشعراء معاني جديدة. فالمفردات القديمة تتكور في المعاجم لتبدو من بعيد مثل بيوت الطين بين النخيل. وقد يزورها مستشرق فيسل منها خيوطاً تعلق الواقع من رجليه، لتبدو الحقائق مقلوبة. وقد يكون للجسر عمل آخر أقل غموضاً فلا يشير إلى شيء محدد، كأن يكون جسراً مادياً، تفوح منه رائحة الملح والصدأ، بناه مهاجرون جدد هدموا ما فيهم من ماضٍ بكل مطرقة ضربوا بها مسامير هذا الحديد. لكنني لم أنتبه لواقعية الجسر في الحلم: فكل شيء رمادي وداكن لأن الضباب البعيد يلوّن المشهد، وظلال الطيور المرسومة على الماء تكبر حتى تختفي كلما ارتفعت في السماء لأن الشمس شبه عمودية، وصوت الخطوات يعلو ويهبط حسب رطوبة أحذية العابرين. فقد يكون الحلم أصدق من حقيقته رغم فرط هشاشته، فالحقيقة مليئة بالإبر. وكلما سألت على الجسر عن الفرق بين الحقيقة والحلم صاح بي عابر: الرائحة!

الوسوم: ,

محطة الباص

يلقي الغيم ما على جيده من سلاسل تفرقع مطرا على الرصيف والناس تحت مظلة محطة الباص واقفون. هو مجبر أن يقف هنا لأن سيارته خلف كلية الهندسة التي تطل من أعلى التل مثل صقر محنط مغمض العينين. يقول: لو كانت كلية الهندسة كلية العلوم السياسية لكانت على شكل سحابة، كل يراها كما يريد: مرة في شكل أرنب كبير، ومرة في شكل قطة تلاعب كرة من الصوف، ومرة أخرى في شكل سلة فاكهة صيفية؛ فالسياسة كالنبع مرآة لكل العابرين تدلل قمرا بين الضلوع وتجرحه بالوعود. نظرت إليه امرأة وهي تصعد الباص وقالت: السياسة كهذا الباص، إما أن تركب، وإما أن يسير ويتركك. كانت المرأة مشغولة بقراءة كتاب في اللسانيات، لكنها ملت من انتظار الباص رقم ثمانية وأحست بالحنين إلى الصحو، وحدثت نفسها: سأركب أول باص يمر، لقد ضاع ما ضاع من عمري في انتظار الحقيقة والحب وعودة الماضي. قال آخر وهو يشعل غليونه: السياسة دم تلونه الخطابة بالكناية والحكاية والمجاز، حلوى تقدمها الشعوب هدية للشعوب. لذلك لست ضد الربيع العربي ولا معه، ولا ضد من هم معه أو مع الذين هم ضده، لكنني ضد أن يضع الأجنبي يده في جرة البسكويت الزجاجية فإنه عبثا سيحاول إخراجها. إلا أن شابا يمرجح دراجته الهوائية بين قدميه وهو واقف قال: السياسة قدرة الفرد أن يصف المستحيل للجماعة بلا لغة ويقنعهم بلا سكاكين أو ابتسامة ساحرة، لذلك أحب الاقتصاد والألعاب الأولمبية. توقف الكلام قليلا لأن عصا التجربة أوقفت عجلة الفكر عن الدوران، ولأن السياسة ملأى بالدبابيس، فالحديث فيها نوع من الألم الناعم. انقطع المطر فجأة وقد توقف الباص رقم ثمانية ونزل منه رجل خمسيني يحمل في يده مجلة فورن بوليسي ثم قال: كيف أصل إلى كلية العلوم السياسية؟ ابتسم له الأول ثم مشى دون أن يقول شيئا إلى سيارته خلف مبنى كلية الهندسة. صاحب الغليون رفع قبعته للتحية ومشى على الرصيف شمالا متكئا على مظلته الملونة. أما الشاب فتوجه إلى الباص ودراجته النحيلة على كتفه وهو يعد نقوده المعدنية. أما أنا فعدت لكتابة هذا المقال في انتظار الباص الذي لا رقم له.

الوسوم: ,