أرشيف الوسم: عمارة

خمسة عشر عنصراً للجمال

عرجت في المقال السابق على ثلاثة عناصر للجمال كما وصفها المعماري ألكساندر في أربعة مجلدات ضخمة الموسومة (طبيعة النظام). ورغم أن هذه المجلدات الأربعة تبحر في شؤون نظام الطبيعة وعلاقتها بالفن والحياة وطبيعة الأشياء إلا أن هذا العمل يرتكز في الأساس على خمسة عشر عنصرا للجمال يدور حولها هذا العمل الضخم. كل عنصر له مظهر جمالي يمكن أن يفهم وآخر وظيفي ما زال مجهولا. والربط بين الجانبين، حسب ألكساندر، قد يكون فاتحا لفهم أعمق لطبيعة الأشياء. ورغم أن الاهتمام بهذه العناصر ينبع من القيمة الجمالية المرتبطة بها، إلا أن الرغبة في البحث عن المدهش تلح علينا في التحقق من وجود عمق وظيفي لهذه العناصر الجمالية لم يكتشف من قبل. وفيما يلي سرد للعناصر الخمسة عشر:

1. المركز القوي: المركز القوي هو العنصر الذي تعمل بقية العناصر الأخرى لتحقيقه وتوثيقه من خلال التجاور الأفقي أو التسلسل العمودي. فحسب هذا المفهوم، فإن إضافة نقطة إلى منتصف دائرة فارغة يمثل إضافة جمالية لا تتحق لو أضيفت هذه النقطة في مساحة هامشية خارج الدائرة، مثلا.

2. ميزان الأحجام: فوجود تنوع في أحجام الأشكال في الفراغ بمقياس منتظم يحقق إيقاعا كليا، يزيد من ترابط الشكل الجمالي. فمثلا، يمكن رسم هلال معقوف بدوائر مرصوفة تبدأ صغيرة من الأطراف لتتسع شيئا فشيئا حتى تعود إلى حجمها الصغير الذي بدأت به أول مرة. تعمل هذه الدوائر سويا بتشكيل صورة الهلال كمنظومة بناء على التباين بين الأحجام.

3.التناظر المحلي: في هذا العنصر تقوم الأشكال بإحياء المركز من خلال التناظر المحدود في المركز دون الامتداد إلى غيره. ونتيجة لصفته المحلية هذه، يحقق التناظر قدرة على الاستجابة لمتطلبات السياق كون التناظر لا يجبر منظومة الأشكال كلها بالانقياد إلى صورة جميلة رسما لكن قبيحة واقعا. وتوجد أمثلة عديدة لهذه التناظر المفتعل في مخططات بعض المدن الحديثة. حيث يؤخذ في الاعتبار الشكل الجمالي على الورق دون النظر إلى الحاجة الواقعية على الأرض.

4. الأطر السميكة: في هذا العنصر يتم تحقيق الترابط بين الأشكال وتعزيز وجودها برسم أطر سميكة حول منظومة من الأشكال أو حول كل شكل على حدة. وقد يكون الإطار نفسه مكونا من مراكز متسلسلة تعمق من قوة الإطار نفسه وتأثيره على ما يحيط به.

5. التكرار التبادلي: في هذا العنصر تقوم عدة أشكال بالتتابع على خط واحد، إما في نظام ثنائي وإما في نظام ثلاثي، بحيث يصنع هذا النظام إيقاعا بين الأشكال سواء كانت هذه الأشكال المتتابعة متماثلة في الحجم أو متباينة.

6. الفراغ الإيجابي: عندما تتكون منظومة من الأشكال المترابطة تتكون فراغات ضمن هذه المنظومة، تتشكل هي نفسها لتكون نظاما خاصا بها بحيث يكون الفراغ مكونا أساسيا. فالفراغ الإيجابي ليس ما يتبقى من منظومة الأشكال، بل هو مركز له مكون ذاتي يكاد يكون مستقلا.

7. الشكل الجميل: سواء كان هذا الشكل مكونا من منظومة من الأشكال المترابطة أو كان وحده، فإن النتيجة أن ينتج شكل كلي يمكن التعرف إليه بأقل جهد بصري.

8. التداخل العميق الغامض: عندما تتداخل الأشكال في منظومة ما يصعب التفريق بين الأشكال إلا بعد النظر بتمعن في مكوناته. هذا التشابك القوي بين الأشكال يعزز من قوة المنظومة بما يشبه النسيج الحيوي الذي لا تنفك عناصره من الترابط مثل خيوط القماش.

9. التباين: مما يعزز الترابط بين منظومة المراكز هو تباينها على مستوى اللون والشكل. هذا التباين يقوم بتفعيل الفراغ ليشارك بناء المنظومة إيجابيا.

10. التدرجات: تقوم منظومة الأشكال بالتدرج في الانتقال على مستوى اللون من الشفافية إلى الدكنة موجهة نحو اتجاه واحد. فإما أن يقوم هذا التدرج وحده بخلق مركزه أو أن يعزز مركزية شكل مكون مسبقا.

11. الخشونة: رغم وجود نظام بين الأشكال يعمل لصناعة شكل كلي قوي، إلا أن كل شكل يتعامل مع السياق المحيط به بإيجابية بحيث يكسر التماثل أو التطابق أو التوازي بالحد الأدنى الذي يضمن الاستجابة لما حوله. من خلال هذا العنصر يتم النظر إلى كل منظومة شكلية ضمن منظومة أكبر تمثل السياق الذي يحيط بها.

12. الفجوة: في قلب النظام الكلي الذي يمثل أعلى درجات التكامل، توجد فجوة فراغية تمثل بعدا يوحي باللانهائية، يشكل تباينا قويا بين ما حوله من مكون مليء بالأشكال وما في هذه الفجوة من عدمية.

13. الصدى: عندما يقوم شكل بالتردد والتكرار في منظومة الأشكال في أكثر من مكان، سواء كان ذلك بالتوالي أو موزعا، يتحقق الترابط بين نظام الأشكال على المستوى الكلي.

14. البساطة والهدوء الداخلي: التبادل بين الفراغ الإيجابي والفجوة في منظومة الأشكال وتوزيع المساحات يخلق روحا من البساطة والليونة التي تكسر جمود الأشكال الغنية بالتفاصيل. فالنظام الكلي يعمل كوحدة مترابطة للمحافظة على هوية كل مركز على حدة مبتعدا به عن التزاحم والتكثيف الذي يفيض عن الحاجة الجمالية.

15. عدم الانفصال: مع الترابط الذي يحدث بين مكونات النظام من خلال الأشكال الجزئية والكلية، يقوم النظام بالمحافظة على الانسيابية والترابط مع أنظمة أخرى سابقة له لا تتطابق مع هويته إلا أنها لا تتنافر معه أيضا.

إن هذه العناصر جميعها تترابط وتعمل لتكون صورة جمالية واحدة ليست موجودة فقط في الأعمال المعمارية أو الفنية. لكن هذه العناصر المذكورة موجودة في أمثلة من الحياة الطبيعية، مثل تشكل سرب من الطيور في ساعة المغيب، أو تبلور ندف الثلج وهي تذوب تحت أشعة الشمس، أو تشقق الأرض عن دلتا نهر يتدفق نحو البحر. في كل هذه العناصر أمثلة من الحياة تمر من حولنا دون أن نقف لنتأملها.

الوسوم:

أنماط الجمال الخالدة

ظل الجمال وكل ما يتعلق به، وإن تعددت أسماؤه ومعانيه، عصيا على القياس، كل ذلك لأنه مشوب بالنفس التي يصعب تأطيرها أو قياسها هي ذاتها. فربما ارتبط الجمال بالعصر الذي ينتمي إليه، فيصبح دالا إلى غيره لا دليلا بحد ذاته، معلقا بخيوط الزمن لا مستقلا يطوف في مداره الخاص مثل كوكب صغير، والحديث عن الجمال فرع عن الحديث عن الجودة. لذا يمكن أن نتكلم عن مفهوم الجودة الشاملة أو (الجودة التي لا اسم لها) لنعالج موضوع الجمال كأحد فروعها. فعند ألكساندر خمس عشرة عنصرا للجمال إذا وجدت في مكان واحد، أو شكل واحد، تحقق لها مستوى من الجمال الخالد الذي لا ينتمي إلى عصر محدد أو موجة فكرية مرحلية. وقد تتبع ألكساندر هذه العناصر في الطبيعة فوجد آلاف الأمثلة التي تشير إلى أن هذه العناصر ربما تتشكل طبقا لقوانين طبيعية لم تفهم بعد. فهذه العناصر تمثل أنماطا تتكرر في الطبيعة الحية أو عبر التاريخ سواء في أعمال معمارية بدائية في القرى القديمة، أو في أعمال معمارية خالدة مثل قصر الحمراء في غرناطة.

العنصر الأول هو (المركز القوي). فقوة المركز تعد أهم عنصر في منظومة العناصر كلها. فمهمة العناصر الأخرى هي خلق منظومة من المراكز القوية في أي شكل فني أو جمالي. والمراكز نفسها تتعاضد وتعمل سويا لتشكل مركزا أكبر هو نفسه بالتالي يدخل ضمن منظومة أخرى من المراكز القوية، وهكذا. فلو أمكننا أن نتخيل حلقة من الدوائر المتصلة، فإننا يمكن أن نلحظ إن كل دائرة تتعاضد لتشكل الحلقة التي تخلق فراغا في المنتصف يمثل مركزا قويا، إضافة إلى الفراغ الذي تكونه كل دائرة على حدة. ولو تكونت مجموعة من الحلقات المتجاورة المكونة من الدوائر المتصلة بشكل أفقي لأمكننا أن نشكل إطارا من الحلقات يمتد أفقيا وعموديا لتشكل هذه الحلقات مجتمعةً مستطيلا، مثلا. بهذه الطريقة يمكن أن نلحظ إن هذه الأشكال تعمل سويا لرسم صورة كلية من خلال أشكال بسيطة تتكرر بشكل منتظم لتكون شكلا أكبر. ويمكن ملاحظة هذا النمط في نقوش السجاد الإسلامي بخاصة، حيث تتكرر الأشكال لتكون من الفراغ شكلا آخر.

العنصر الآخر، هو (ميزان الأحجام). فإضافة إلى المراكز القوية التي تتكون نتيجة لعمل أكثر من شكل لتكوين شكل آخر، فإن أحجام هذه الأشكال إذا تناغمت في هيئة مطردة، كونت منظومة أكثر ترابطا وقوة. فلو إننا تخيلنا – من المثال السابق – مجموعة الدوائر التي تترابط لتشكل حلقة ما، وافترضنا إن هذه الدوائر تضيق وتتسع بشكل منتظم، لأمكننا أن نحقق تعددا يكسر من رتابة التكرار، ويضفي إلى منظومة الدوائر إيقاعا بصريا يجعل الشكل النهائي أكثر حياة. العنصر الآخر، هو (التناظر المحلي). فمع وجود منظومة من الأشكال التي تعمل في نظام شكلي وإيقاعي منتظم، لابد من وجود تناظر ما في هذه المنظومة، لا يسيطر على النظام ككل ويعيد تشكيله، بل يعيش في النظام ليكون تناظرا محليا. فالشباك الذي يتكون من فتحتين محاطتين بإطار خشبي يجمعهما، يمثل تناظرا محليا لا يمتد إلى واجهة البيت كلها، إنما يتكون ضمن الإطار الخشبي للشباك نفسه ويقف عند ذلك. فالتناظر الكلي في المقابل، يملك سلطة دكتاتورية لإخضاع نظام الأشكال كلها للتناظر دون المواءمة بين هذا النظام والأنظمة الأخرى السابقة له.

فلتطبيق العناصر الخمس عشرة – التي أوردت طرفا منها – يجب مراعاة السياق الذي ينمو فيه النظام لتحقيق استمرارية إيقاعية وتناغما لا ينقطع. ومفهوم السياق في هذا الإطار يمثل البيئة التي تسبق النظام الشكلي الجديد. فمثلا، عند إضافة منظومة من المساكن إلى حي قديم، على المساكن الجديدة المحافظة على نسيج كلي يضمن انسيابية شكلية وتكاملا جماليا يجعل من الحي نفسه أكثر حياة. لذا يمكن ملاحظة اهتمام هذه العناصر الجمالية بموضوع الانسيابية والعلاقات بين الأشكال، وكيف يمكن توظيفها وتكرارها لخدمة النظام الكلي. هذه العناصر التي استنبطها ألكساندر، استوحى أهميتها لأول مرة من مجموعة من السجاجيد الإسلامية الأثرية التي يمتلكها وترجع إلى القرن الخامس عشر الميلادي. هذه العناصر الجمالية تمتلك جذورا شرقية عميقة تكونت من رؤية إسلامية لدور الفن وعلاقته بالحياة والإنسان، ولذلك حديث آخر.

الوسوم:

الجودة التي لا اسم لها

أن تكون الجودة التي تبحث عنها بلا اسم يعني اعترافك ضمناً إنك لم تستطع الوصول لحقيقة هذه الجودة التي تريد التعرف إليها، فلا يمكن لك قياسها، أو وصفها، أو إعادة إنتاجها، فيصبح الاسم بذلك وصفاً للمشكلة التي تتعلق بهذه الجودة لا دلالة إليها. ويصبح الاسم من مظاهر هذه المشكلة لا حلا لها. ويكون بذلك عدم اختيار الاسم اتهام للمصطلح نفسه، فقد يشير المصطلح إلى شيء ما، ثم ربما ينقلب المصطلح ليدل على الشيء ونقيضه، فيكون المصطلح خائنا للمعنى. لذا من الأفضل أن يحيد الاسم حتى يعرف المسمى جيداً.

أول من سك مصطلح (الجودة التي لا اسم لها) هو كريستوفر ألكساندر، أستاذ هندسة العمارة في جامعة كاليفورنيا (بيركلي). وألكساندر من الناقدين المتذمرين من مخرجات الحداثة وما بعد الحداثة التي تمثلت في معماريات عصره، واصفاً إياها بالقبح والسذاجة والإفلاس، وغيرها من النقود اللاذعة، محاولاً إعادة العمارة إلى عهد أكثر تناغماً مع الإنسان وسياقه الاجتماعي والروحي. ففي كتابه (الوسيلة الخالدة للبناء) حاول التدليل بأمثلة كثيرة على أوجه هذه الجودة التي لم يسمها. فتكون غالب أمثلته مستمدة من التراث، من البيوت القديمة والمعماريات العتيقة. يبحث في هذه البيوت عن حقيقة هذه الجودة فيجدها حاضرة بقوة بينما تغيب عن البيوت الحديثة وما يحيط بها من معماريات. وفي الأمثلة التي تدلل على هذه الجودة (الغامضة) يجد أنماطاً مشتركة رغم الاختلاف الحضاري عبر الزمان والمكان، ملامح خالدة موجودة في النسيج المعماري للمدن والقرى القديمة، نما هذا النسيج عبر عقود طويلة من التاريخ الإنساني عبر إضافات صغيرة وتداعيات شبه عفوية متواصلة.

يقابل ذلك النسيج المعماري الخالد، ثورة الحداثة المعمارية وما بعدها، بفعل التقانة التي أعطت الإنسان القدرة على النمو السريع والامتداد الأفقي والعمودي في البنيان. قدرة لم يمتلكها الإنسان من قبل. فكان من هذا الإنسان أن مزق هذا النسيج المعماري الخالد، فأصبحت الفردية تنعكس على المعمار، ففي كل مدينة رقع من الأشكال المعمارية المختلفة، تفتقد لهوية المجموعة وخاضعة لخيال الفرد. هذه الصورة التي يصفها ألكساندر لمعماريات عصره تمثل رفضاً للمنهجية التي يعبر بها مجموعة من المعماريين النافذين في مجتمع صناعة المقاولات، داعياً لأن يكون للإنسان المرتبط بهذه المعماريات دور أكبر في اتخاذ القرار في نوع العمارة التي يسكنها أو يعمل بها، لما لها من الأثر الروحي والاجتماعي على جودة حياته.

لا يحد ألكساندر مفهومه للجودة بمجال معرفي دون غيره، فليست هذه الجودة متعلقة بالعمارة فقط، بل ستجدها في نظام الأشياء: حركة الأنهار، غصن مثقل بالفاكهة، شمس تصبغ البيوت بلون الغروب. لكن هل يمكن مقاربة مفهوم (الجودة التي لا اسم لها) بكثير من مظاهر الإبداع الشعري القديم ومقارنتها بمنتجات الشعر الحديث؟ فالشعر العربي يملك مخزوناً معرفياً عميقاً يمتد من مئات السنين لتراث كرسه مبدعون ما زالت أعمالهم حية بعد رحيلهم، يشبه في ذلك التراث المعماري. يبدو لي إن في الشعر العربي قديمه وحديثه خصائص جمالية تستعصي على الوصف، فيحق فيها أن تسمى (الجودة التي لا اسم لها). ولعل ذلك يكون مبحثاً آخر.

الوسوم:

البيوت

البيوت على وجهها حزن المسافر حتى يعود ومسحة الظل الصموت. ربما تؤنسها نخلة طويلة لا تفكر في غير انحناءة الوادي والحنين الذي يشدها إليه مذ كانت فسيلة بانتظار المطر. تطوف البيوت ببطء مثل السحابة دون أن يحس بها سكانها وهي تشد الطريق كحبل لعل تائها يمسكها في الليل فتدله.

للبيوت دكنة مسحتها السنين على ملامحها المجعدة بالطين والحجر. قد يحسن المعماري استدارة زواياها، ويجنبها حدبة في السقوف، وعطلا من النقوش، فإن لم يحسن ذلك كله، أو أي منه، فستبرد البيوت أطرافها بالقمر، وتفتح للريح نوافذها لتستدير الزوايا المدببة رويدا رويدا. والبيوت تعجن سكانها باستدارة التجربة حول وتر الشوق. نوافذها عيون زرقاء تطل على بهو الروح. فهي تتكور حول نفسها في الليل من قلة الزائرين وبرد المسافة. فقد يضع عابر وردة على جدار البيت تذكره بحديقة ما، فيفوح البيت بالذكرى، فيضع البيت عنوانه في جيب ذاكرته لعله يعود مرة أخرى.

والطفولة تعلق أسماءها على مزاريب البيوت، وتترك ألعابها على عتباتها فقد تفتح الباب أم حنون تلقف ما تبقى من شقاوتها وتكنسه تحت سجادة دفء الأمومة. والبيوت الصغيرة تجلس القرفصاء وهي تسند بظهرها دراجة حمراء لشاب لا يجيد قيادة السيارة، لكنه يجيد فك الرسائل المشفرة. على التلال تبدو البيوت طيورا محنطة توشك أن تطير، تسربلها الشمس بالذهب الأحمر. عجائز يجلسن لنشز شرشف الغروب تقية من ليل بارد يوشك أن يلقي سلاسله عليهن. وحين يوشك الفجر أن يسل خيوط الليل من أنامل الأمس، تصحو البيوت لتصقل نوافذها بزبد البحر، بانتظار غروب جديد.

الوسوم: ,

الأمير سلمان وجائزة التراث العمراني

توافق طرح موضوع التلوث المعماري لمدينة الرياض في المقالة السابقة مع منح الأمير سلمان بن عبدالعزيز جائزة الإنجاز مدى الحياة في مجال التراث العمراني التي نالها نظيراً لجهوده في المحافظة على التراث العمراني وإثرائه. وكان الحديث عن ملامح هذا المصطلح المجازي، ولم أذكر ما خالف هذا النمط من النماذج العمرانية التي تستوحي جمالياتها من التراث والسياق المحلي. وعند استعراض هذه الأمثلة في مدينة الرياض تحديداً تتشكل لدينا أنماط عمرانية متقاربة تمتد عروقها من جذور تاريخية راسخة وجماليات أصيلة، كلها ترتبط بالأمير سلمان بأكثر من وجه.

فإضافة إلى الوجه الإداري الهيكلي المتمثل في مؤسسة مثل الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، يظهر لنا وجه آخر يعرفه من عمل مع الأمير سلمان عن قرب، وهو رؤيته للسمة التراثية التي على العمران الحديث أن يكتسي بها. سيجد كل زائر للرياض هذا الوجه العمراني جلياً في مشاريع كبرى مثل حي السفارات ومركز الملك عبدالعزيز التاريخي ومنطقة قصر الحكم. هذا النسيج العمراني المتين، غير المتصل مكانياً أحياناً، المتصل فكرياً، يمثل رؤية جمالية لعمران مدينة الرياض الحديث تقف معترضة لأنماط عمرانية أخرى تمثل التلوث المعماري الذي أشرت إليه سابقاً.

فعند النظر إلى اللون الأديمي الذي يكسو هذه المعماريات، يتضح لنا الانسياب الجمالي الذي يحدثه اللون مع التربة والأفق. يقابل ذلك المعماريات الزجاجية التي تشكل ما يشبه المرايا الحرارية في مدينة معبأة بالشموس. فمن أهم ملامح النمط المعماري لمشاريع مثل قصر الحكم، هو إعادة انتاج التراث من خلال وسائل البناء الحديث. فمن ينظر إلى مدينة الرياض القديمة، وأنماط البناء التي ما يزال بعضها قائماً، يرى أن المعمار الطيني أنتج نمطا من الانحناء العفوي غير المنتظم في الزوايا والمنائر نتيجة للتقنية البسيطة التي كان يستخدمها البنَّاء. هذه الانحناءات العفوية أصبحت سمة معمارية تراثية توحي بعفوية أقرب إلى طبيعة الإنسان القديم من الأشكال الهندسية المنضبطة التي جاءت نتيجة للتطور الهندسي الحديث. فمع بقاء هذه العفوية في أمثلة عمرانية متفرقة، إلا أن إعادة انتاج التراث لم تمنع من تمثل العصر الذي انتجت فيه هذه العمارة. فقد حافظت هذه الدقة الهندسية الحديثة ما للعمارة التراثية من بساطة، تتمثل في الأشكال الهندسية المنقوشة على الواجهات، والمثلثات التي تزين المنائر. ومع إعادة انتاج التراث المعماري في سياق التطور الهندسي نتجت عمارة تقترب في كثير من سماتها بالعمارة الإسلامية التاريخية في أوج تطورها، كالعمارة الأندلسية مثلاً.

إن منح جائزة مدى الحياة في مجال التراث العمراني يعد تتويجاً للرؤية الجمالية التي يمثلها الأمير سلمان من خلال المشاريع الكبرى التي تعيد تشكيل مشهد الرياض الفسيفسائي بعمارة أكثر نقاء وعذوبة، تقابلها أشكال عمرانية كدرة تمتد بطول الرياض وعرضها. فهذه الجائزة فرصة لإعادة النظر في الأساسيات الجمالية التي تقوم عليها عمارة مدينة الرياض، انطلاقاً من مقارنة ما تمتلكه عمارة الرياض الحديثة من قيم جمالية تراثية، مع ما تسرب إليها من قيم جمالية مجلوبة تسربت إلى مشهدنا المعاصر من مسام الحداثة.

الوسوم:

التلوث المعماري لمدينة الرياض

الرياض مدينة تنمو بسرعة سواء سكانياً أو عمرانياً. وهذا النمو السريع يأتي على حساب أمور كثيرة منها ما يمكن أن يسمى بالتلوث المعماري. فنحن نعرف أن الطرق المزدحمة قد تؤدي إلى تلوث صوتي، يسهم في تلوث البيئة كتلوث الماء والتربة والهواء. ودور العمارة في الحد من التلوث البيئي مطروح من خلال الترشيد في استخدام الطاقة والمساهمة في الحد من مخرجات العمران من النفايات وما إلى ذلك، كله يندرج تحت مفهوم العمارة الخضراء. إلا إنني لا أعني بالتلوث المعماري ما يخرج من هذه العمارة، بل ما ينتج من نظام العمارة نفسه بكل تحولاته وأثر ذلك في النسيج العمراني للمدينة منذ إنشائه حتى هدمه عند نهاية عمره الافتراضي.

ففي مدينة الرياض يمكن تلمس قماشة المدينة العمرانية بالنظر إلى الصورة الناشئة من تجاور البنيان على امتداده في كل اتجاه. فالعمران، مثلا، على جانبي طريق التخصصي الممتد من الجنوب إلى الشمال، يولد شريطاً عمرانياً متصلا يتكون ويتحول تدريجياً يوما بعد يوم: بناية بناية، رصيفا رصيفا، شباكا شباكا. وعند تفحص هذا النسيج، ستجد أن لملمسه خشونة تتناقض مع نعومة بيئته المحيطة به: تضاريس البادية الخالية من الزوايا الحادة تقريبا، وليل كعباءة البدوي مثقبة بالنجوم، ومشهد صحراوي خال من الكثافة. ستجد بالمقارنة على امتداد مدينة الرياض: زوايا حادة للهياكل العمرانية المكعبة، بياض مفرط في التفاؤل لا يبقى طويلا، كثافة ممتدة لا تنقطع إلا ببقع معزولة مليئة بالنفايات. هذا التناقض بين البيئة الهادئة المحيطة وهذه الواحة الإسمنتية يوحي أن تجربة التنمية العمرانية حتى الآن لا تقوم على مبادئ مشتركة مستمدة من التراث.

فبمقارنة مدينة الرياض القديمة والرياض الحديثة على مستوى الشخصية المعمارية سنجد إن البيوت توحي لمن يراها أنها طالت مع النخيل ونبتت من الأرض كما نبتت من الأكف الأنامل. فعمران الرياض القديم يشكل نسيجاً متكاملا من الأنماط المعمارية نتيجة لما له من بساطة وعفوية. البيوت أكثر التفافا، والطرقات أقل صرامة وأكثر استجابة للسياق الذي يحيط بها. يقابل ذلك ما للرياض الحديثة من صرامة معمارية تستجيب للمسطرة والفرجار على الورق ولا تستجيب للتلال والأودية على الأرض. الصورة الفسيفسائية المكونة من أنماط معمارية متباعدة روحا المتلاصقة مكانا هي ما يمكن أن نعرف به التلوث المعماري. هذا التلوث المعماري الذي لا يستجيب للنسيج السياقي المحلي المتنوع، إنما يستجيب لسياق خارجي يعيش غريباً بيننا.

الوسوم: ,

المئذنة

المئذنة عنق المدينة الطويل. فالمآذن في سماء المدينة نقاط على شبكة ثنائية الأبعاد لا يراها سوى الحمام الزاجل. والمآذن رايات ركزها الفاتحون وبنوا مسجدا بجوارها لتؤنسها. وهي مسلة لجمع النجوم الصغيرة التي تسيل من عباءة الليل. نزُلٌ للطيور المهاجرة، ترى الطيور من بعيد تحط على رؤوس المآذن المدببة كندف الثلج. تنقش هوية المدينة بصوت الأذان، وتطول لترفع سقف قبول الآخر في سماء ملبدة بالتيارات اليمينية المتطرفة. تضيء أحيانا وحدها شمعة في الليل، تمد يدا بانتظار قادم من الصحراء يسير على قدميه النحيلتين ويتعثر. وقد تتوارى بين نخلتين تتعانقان كسيفين، وساقية تنساب كحية بين العشب، تحك أحجارها وهي تختفي في عتمة النخيل الكثيف. وفي الليل، بعد أن تطفئ المدينة قناديل السكك الضيقة بين البيوت، وتمر العصافير في أعشاشها بين فروع الشجر وسقوف المنازل؛ تسند المدينة ظهرها إلى مئذنة عتيقة بانتظار ما لا يجيء. وفي المكان نفسه يجلس شاب ويسند ظهره ليكمل شرب شايه وهو يرى كيف يصنع السحاب من أنامله مغزلا ينشز من الشمس خيوطا ذهبية ينثرها كسنابل قمح على الدكاكين والبيوت الخضراء. فالمآذن تخبز الظل على القباب حتى إذا حان العصر ألقت به على الميادين كخبز التنور، تلعب فيه الأطفال وتثقبه النوافير. فالمئذنة استعارة معمارية لنخيل البادية. والبدوي الذي استودع نخيله في المآذن، بنى بساتينه من عقود المساجد. فكلما خرج المصلون من بساتينهم المجازية، ركض طفل يتخطى الجموع ليضع إذنه على حجر المئذنة وينصت: أكاد أسمع تسبيحها. سيضحك شيخ حين يسمع هذا الكلام: يا بني، صوت المأذن دم في عروق المئذنة. لكن الطفل سيركب دراجته مثل كل مرة، ليقنع أصحابه بالحقيقة: المآذن تصافح الغيم قبل المطر، وهي التي تضع فلفلا إيقاعيا في صوت المؤذن، والمآذن تطعم الشعراء لغة ليتغزلوا بها في النخيل ويمدحوا مدينتهم حين توشك أن تفلت منهم. فالمآذن أول الخاسرين في خراب الحروب، فهي أول من يتلقى طعون الغزاة، وهي التي تلوي على أصابعها عباءة التاريخ كلما حاول أن ينصرف هاربا من وحشية الإنسان. فليس أكثر عزة من مدينة محطمة تقف في منتصفها منارة مثقبة، وليس أكثر حزنا من مئذنة مكسورة نصفين.

الوسوم: