أرشيف الوسم: سياسة

سبع فوائد من وجود جغرافيا للشر

الفائدة الأولى، حتى وإن كانت الحدود خلافية مرسومة بعصا نحيلة على الرمل، يمكن محوها بقدمك وأنت تسير عصرا في يوم جميل، فإن وجود الشر جغرافيا على الخريطة يعطي مصداقية لحقيقة وجوده. فتستطيع معاينة حركته الصباحية والمسائية، وطبيعة اللغة التي يستخدمها للتعبير عن نفسه في مؤتمر عالمي لمحاربة الفقر، مثلا.

الفائدة الثانية، أن الشر يمكن أن يكون عملا مؤسسيا من خلال نظام عنصري دموي. فنظام مثل هذا يمكن أن يمارس مهمته بكفاءة عالية، ومن الممكن قياس انضباط أفراده في تنفيذ أهداف المؤسسة أيضا، وما يتحلى به أعضاء هذه المؤسسة من أمانة وإخلاص في تأدية المطلوب منهم بما يحقق الأهداف والرؤية المستقبلية المعلنة للنظام.

الفائدة الثالثة، أن الجمال الظاهري لا يعكس بالضرورة قبحا داخليا يليق بالشر في هيئته المؤسسية والمستقرة على الخريطة. فقد تقضي وقتا جميلا على الساحل في نطاق الشر الجغرافي دون أن تشعر بوجوده من حولك. وقد تخونك فطنتك من أن تراه يمر من جانبك في سوق شعبي مزدحم بعيدا عن نطاقه الجغرافي المعروف.

الفائدة الرابعة، أن للشر اقتصادا عندما ينتقل من صورته المعنوية إلى صورته الجغرافية. ولهذا الاقتصاد ديناميكية لا تختلف كثيرا عن غيره من الاقتصاديات الأخرى سواء ديناميكية الاقتصاد الجزئي منه أو الكلي. لكن لا تعول كثيرا على دور الأخلاق كثيرا في اقتصاد مثل هذا يركب الشر فيه دراجة هوائية صديقة للبيئة في الطريق إلى مفاعل نووي سيفجر العالم.

الفائدة الخامسة، أن الشر حين يحل في الجغرافيا يفرخ أطفالا غير مجازيين، يركضون إذا وجدوا مساحة مفتوحة في سماء يوم أزرق، ويعثرون كما يعثر أي طفل في عامه الثاني في أي مكان آخر. لكن للشر طريقته في إخفاء أنيابه وراء ابتسامة طفل مليء بالعافية، وهو يعرف كيف يجعل من الطفل فاتحة لحديث عابر مع غرباء تائهين في زحمة مدينة كبيرة.

الفائدة السادسة، أن للشر قدرة على الرواية التاريخية ينفذ منها إلى الجغرافيا من ثقوب السياسة. فالشر يستطيع أن يستفيد من آليات الاقناع المتوفرة للجميع كاللغة والمنطق والفن، وربما تفوق في استخدامها. فقد يكون للشر شعراء مَهَرة يجيدون ثني الكلام وتدجين المجاز، وقد تكون له مؤسسات أكاديمية لأعضائها صور فوتوغرافية جذابة توحي لمن يراها بالحضارة والمدنية.

الفائدة السابعة والأخيرة، أن للشر أقنعة كثيرة ووجود جغرافيا له يسهل من رؤية أصحابه وهم يخلعون الأقنعة عند دخولهم إلى أجوائه الإقليمية. فتخلع الأقنعة عند المصافحة والعناق الحار، وتخلع الأقنعة عند تبادل النكات وسماع الضحكات الصادقة، وتخلع الأقنعة عند اقتسام كعكة كبيرة في حفلة خيرية لجمع التبرعات لضحايا حقول الألغام.

الوسوم:

أنف عدونا الكبير

ما زالت غزة تلقي بنفسها من أعلى المقاومة ولا يتلقفها أحد. دمها الذي تنزفه زكاة المقاومة والقضية. القضية التي ترسم خريطة العالم دولة دولة، وحين يقترب قلمها الرصاص الخفيف من القدس تبدأ يدها في الارتعاش، فينكسر القلم الهش ويسيل الدم في عروق المدينة. غزة على الخريطة المنقوصة مرسومة مثل سكين لكنها هي الجرح، وهي المرسومة مثل المسدس لكن الرصاصة الفضية في رئتها. وهي مرآة عدوها تكشف ملامح قبحه المتعددة: أنفه الكبير الذي تتربع عليه قاعدة عسكرية مدججة بالمدافع التي تطل على طفل صغير يبني بيتاً رملياً على الساحل؛ أظافره الطويلة التي تستظل تحتها بوارج رمادية تجرح البحر؛ أنيابه الطويلة المغروزة في لحم الأرض المحتلة منذ ستين سنة. فالأرض المرضوضة ببساطير الجنود محاصرة بالدموع والبنادق، والسماء مسقوفة بالطيور الحديدية وفقاعات الأمل الملونة، والبحر مرصوف بنزيف الشهداء وعلب الكولا الزجاجية التي يأرجحها الموج محشوة برسائل الأطفال إلى العالم. فما زالت غزة تطرق باب الحرية الكبير حتى تقرحت يدها الصغيرة، وما زالت تسير حافية في سكك السياسة الدولية حتى تفطرت قدماها. وعدوها يعرق من لعبة القولف ويشتكي من حرارة الصيف وهو يشرب شاياً مثلجاً ويراقب حركة البورصة. فعدوها قادر على أن يقنع العالم بموقفه الملطخ بالدم لأن ربطة عنقه أنيقة وليست مرتخية أمام الكميرات، ولأن إنجليزيته قادرة على أن تملأ الصورة بالضباب فلا يرى أحد ما خلفه من الخراب والدخان. وهو إضافة إلى كل ذلك يملك مهاراة نادرة في خفة اليد. ففي كل اجتماع دولي يقف ويلبس قفازاته البيضاء ليبدأ عرضه المكرر: يخرج أرنباً ناصع البياض من قبعته السوداء الطويلة فيصفق أعضاء المؤتمر، ثم يعيد الأرنب إلى القبعة من جديد ويخرج منها حمامة، حمامتين، ثلاثاً، فيقاطعه الحضور بالتصفيق الحار والصفير. لكن عندما يعرض لهم عرضه الأخير وهو يقسم جسد الأرض المحتلة بمنشار المستوطنات الطويل، لا يصدق أحد أن ما يراه حقيقيا/واقعيا/تراجيديا/مأساويا. وأنه ليس فيلماً سينمائياً مدهشاً يعرض لأول مرة، أو خدعة فنية أعدت مسبقاً في مختبر لتقنية الألعاب البهلوانية. إلا أن الحضور يصمت لدقائق قليلة ليسترد أنفاسه المحبوسة، ثم يعود للتصفيق والصفير.

الوسوم:

حوار افتراضي مع طاغية غير افتراضي

لماذا تكسر مئذنة نصفين؟ يجيب وهو متكئ على يمينه: لأن أعدائي يستخدمونها رايات، ويستخدمونها رماحاً أحياناً أخرى. ولماذا تثقب قباب المساجد؟ يشعل غليونه وينفخ مرتين، فتمتلئ الغرفة بالدخان: لأن أعدائي يلبسونها قبعات ويمشون بها في الطرقات. في انتظار أن ينقشع ضباب الغليون بيننا، وكلانا ينظر إلى الآخر من وراء الدخان الذي يشف رويدا رويدا: هل دخان المدن المحترقة من هذا الغليون؟ يعتدل في جلسته: إن ما نقوم به تطهير للأحياء من الأوباش، وما تراه من دخان إنما هو غمام أسود يولد من الدكاكين الصغيرة في السكك الضيقة كأسطورة معاصرة. لكن هذه الأحياء مليئة بالموتى-قلتُ له-فهل تقوم بما تستطيع لحماية الأحياء؟ عدوي ذئب في صوف خروف، ولا يستطيع أحد أن يفرق بين قطيع من الذئاب المتخفية في صوف الخراف حين تختلط بقطيع من الخراف المتخفية في جلود الذئاب. عند ذلك، دثرني حزن بعد أن ارتعشت من خوف غامض دب في أطرافي. فبأي ذنب تأخذ حياة صغار الذئاب وصغار الخراف كما وصفتهم، أليست الطفولة واحدة؟ بدت مني ابتسامة ساخرة ولم انتبه حتى انتهيت من سؤالي، وبادلني هو بابتسامة مثلها ولم انتبه حتى قهقه بثلاث كلمات: ليس للخيانة عمر. كان الصمت أول حبل تمسكت به قبل أن يفلت مني صوابي. فوزعت نظراتي على السقف المنقش بالخزف الملون، ومررت بصري على المكتبة عن يميني، حتى استقر نظري على شباك مفتوح وراءه يطل على نافورة في منتصف حديقة مسورة بشجر الصفصاف. يبدو كتاب (الأمير) لنكولا ماكيافيلي قريباً منك-قلت له وأنا أشير إلى الكتاب المجلد الذي يستقر وحيدا على منضدة جانبية قرب مقعده-أتقرؤه باستمرار؟ أخذه من المنضدة ووضعه على فخذه وضرب براحة يده على غلافه المجلد مرتين: أريد أن يدرس هذا الكتاب في كل مدرسة، وأن يدخل كل بيت. أحفظ مقاطع منه وأجعله قريباً مني دائماً وأحمله معي في رحلاتي الخارجية. هل وجدتَ فيه ما يبرر تدمير المنازل بالمدفعية، وتهجير النساء والعجائز من القرى؟ أعاد الكتاب إلى مكانه وأخذ نفساً طويلاً: تطبيق النظرية أمر مختلف حسب ما يقتضيه واقع الحدث، والتجربة تملي أخطاءها، والإصلاح خيار استراتيجي تمليه الإرادة الشعبية. لكن أليست هذه شعارات لم يعد لها علاقة بالواقع الذي يفوح بالمذابح ورائحة البارود والمشانق المعلقة على أبواب المدينة؟ ألا تشعر بالمسئولية تجاه كل ذلك؟ لم يجب على السؤال الأخير، واكتفى بالنظر في ساعة الحائط المعلقة خلفي، بانتظار سؤال آخر ربما. بعد دقيقة صمت، أعدت كتابة السؤال على ورقة كبيرة كانت على طاولة بيننا، وانصرفت.

الوسوم:

سهل الحولة

سهل الحولة. عدسة محمد بدارنة

بين حمص وحماة يولد سهل الحولة من حقول الرمان ومناديل النساء التي غرقت بالدموع. هناك حيث يجلس طفل على فوهة المدفعية ليأكل منقوشة الزعتر ويمرجح قدميه كما يفعل طفل آخر على سور حديقة منزله الخلفية في بلد مجاور، قال عابر عندما مر بالسهل ورأى رمانه: من هنا أخذ الشام حمرة وجنتيه. في الحولة حيث تختبئ طفلة من أمها خلف دبابة لأنها لم تكمل فروضها المدرسية قبل الغروب، يولد الخوف من أشياء صغيرة وعادية: دمية محترقة تحملها شجرة زيتون-محترقة هي أيضا، قطة رمادية لم تكن رمادية قبل رماد البيوت وحريق الحقول، حليب يتدفق ويتقاطع مع دم في منحدر ما في أكثر من اتجاه، غروب ينزع عن النهار وجهه المضيء ليشعل القرية بالنجوم والبرد. هناك يمكن لأي طفل يجلس على حافة الهاوية أن يدل الغريب على الفرق بين سجائر الجنود التي تضيء الليل وضوء عيون الذئاب التي تستدير مثل قناديل زجاجية. وربما أخذ طفل بيد الغريب ليقول له: رغم ما على أكتافك من سفر وحزن، أنا أكبر منك بعدد الطلقات التي حكت شحمة أذني وقصت لـمّتي وأكبر منك بالموتى الذين سلموني مفاتيح بيوتهم وهم ينطقون الشهادة. فيا غريب، لا تزرنا إلا وقد أعددت قلبك جيدا للركض في حريق الكارثة، وإلا كن وحدك ودع قلبك وراءك حيث جئت يلعب في صندوق رمل. إلا أن الطفل سيموت على الأرجح لأن الطريق طويلة وهو كثير الالتفات، ولن يجيء الغريب كذلك، لأن الطريق طويلة والغريب كثير الالتفات. هناك في الحولة حيث تتساقط الأجساد كأشجار الغابات الطويلة، و تعلو الأرواح كالياسمين على أكف الرياح، و ترفرف أسماء الموتى على رؤوس القباب والمآذن مثل رايات السفن؛ هناك شجيرات تتشابك مع غابة من البنادق الطويلة يتخاطف ظلها طابور من الأطفال الذين يلعبون كرة القدم ويموتون واحدا واحدا. في سهل الحولة حيث تفرش سجاجيد الشهداء، بيضاء منقشة بزهور وردية، أو رملية تملؤها رسومات لنوافير ذهبية، أو خضراء يحيط بها بحر أزرق منقش بالزبد؛ تعود السجاجيد حين تطوى بعد الدفن حمراء، تفيض دما وورودا. هناك حيث يخرج الدم إلى القرى وفي يده اليمنى شمعة تضيء له السكك النحيلة، يدق الدم أبواب البيوت بعصاه في الظلام وهو يقول: هاهو قمر الحقل أمسى أكبر، وقد فضت عن حاجة الشهداء، فقد حان أن تخرجوا أيها النائمون من رحم أحلامكم، اخرجوا! يصيح بهم في الساحات وحده: اخرجوا يخرج ذل معكمْ/ يخرج عز معكم فانطلقوا/ اخرجوا ينتثر الثلج على أكتافكم/ أغنية من كل صبح تشرقُ/ أخرجوا تنبت من أطرافكم/ أجنحة في كل أرض تخفقُ/ أخرجوا/ دمكم في قلبكم يختنقُ/ غربوا/ شرقوا/ اجتمعوا/ افترقوا/ اخرجوا! / عصفوركم في عشه يختنقُ.

الوسوم:

البيروقراطية

البيروقراطية تخنق العالم العربي بيديها. وعندما تفتَّح ورد الربيع العربي، اتخذت البيروقراطية ركناً قصياً من مقهى قريب من ميدان التحرير. وجلست واضعة قدماً على الأخرى، تشرب الكوكاكولا وتأكل الفشار المملح بالزبدة وهي تشاهد عجلة الثورة تدور. ستبقى البيروقراطية بلا عمل حقيقي بانتظار أن ينتهي الشباب من صيحاتهم. لكنها ستعود إلى العمل ريثما تنتهي الصحافة من قياس المسافة بين السياسة والإقتصاد، وحتى ينتهي أستاذ الاجتماع من تفكيك الثورة نظرياً في مقابلة صحفية قصيرة-اختاره الصحفي لأن في صوته أمل مبحوح أعجبه لسبب غير مهني؛ وريثما يبدأ الجيش في حك تاريخه المذهب بمخلب السبابة ليرى نور المستقبل الذي يجيء من بعيد. ستقوم فجرا كعادتها كل يوم، لتبحث عن نفسها في مرايا المدن العربية قبل الخروج، ثم تراجع سجل المواليد، فربما فاتها ولادة مؤسسة في منتصف الليل وهي مشغولة، تنقح معجمها في أصول الإدارة بقلم الرصاص وهي تنعس. تجلس البيروقراطية خلف مكتبها الكبير لتعد اللجان التي تتشكل من لاشيء لتحكم في اللاشيء تقريبا. وتربت على رؤوس البيروقراطيين الصغار كالسناجب وهي تطعمهم فستقا مقشرا، قبل أن تطلقهم إلى الحديقة الوطنية في يوم يفرق سحابه صحو مؤقت. البيروقراطية تربي شجيرات الفساد الصغيرة في أصص من الفخار، وتنشرها في زوايا المدينة، ثم توهم أنها نبتت هكذا، كعشب يطل على العابرين من شقوق الرصيف. وهي وإن كانت مدربة في الانضباط العسكري فإنها قادرة أيضا على التنكر والتمويه بين حشائش الماضي والتدفق من ثقوب أحلامنا إلى المستقبل. فتستطيع البيروقراطية أن تتنكر في زي علم الأحياء الدقيقة-إذا لزم الأمر-لتمر من نقطة تفتيش تحول بينها وبين مؤسسة حديثة تطل من شبابيك مبادئها ورود الحرية الفردية. وهي قادرة على إعادة هندسة الأنظمة، فكلما أرخى مفكر مِـرْود النظام بأنامله المجعدة بالطباشير، شدته البيروقراطية بمفك الخصوصية والمصلحة العامة. فهي تدق في مفاصل المؤسسة مساميرها الذهبية، وتجلس على كرسي من الخوص لتطل من ربوة على كلابها وهي تطارد غزال الإبداع الرشيق. وحين تطوف البيروقراطية في البلاد تهدي أكثر طلابها إخلاصاً وحماساً كتيباً لمقولاتها الشائعة: الفرد ترس في ماكينة الجماعة؛ الحب حرية العاطفة المدنية في قوالب الانضباط العسكري؛ يُـحفظ الصالح العام بكرب قيد الرقابة جيداً حول عنق التنمية؛ اللامركزية هندسة فراغية في مكان غير موجود لعمارة لا تُرى. وحين تدون إهداءها على الصفحة الأولى من كتيبها الصغير تقول: عزيزي البيروقراطي، ستجد في هذا الكتاب أكثر مقولاتي أهمية، فاتخذها بردعة لحمار التقنية في طريقك الطويل إلى السلطة.

الوسوم:

زوجة الدكتاتور

ربما تقف خمس دقائق أمام الشرفة لتطعم العصافير حبيبات البارود من يدها المليئة بالخواتم. ويمر أطفال إلى الموت في طابور يبدو من الشرفة كسلم خشبي بلا عتبات. تحييهم بيدها النحيلة وتبتسم ثم تسأل: إلى أين هم ذاهبون؟ لا يجيب أحد، فالحقيقة هنا تعدم في يوم ولادتها، فتولد من جديد مرة أخرى، هكذا إلى ما لا نهاية. ستجلس بعد ذلك على كرسي صغير لتعد الأحجار الكريمة التي تملأ صندوقا مطرزا بالصدف الأبيض، والناس في الخارج يعدون موتاهم، وحين يخطئون يطيلون البكاء وهم يكتبون أسماء الموتى بخط تعرجه رعشة في اليدين. ستخط ثلاث رسائل الكترونية من جهاز التفاحة الشخصي الخاص بها، في كل رسالة وصف هندسي دقيق لحجر نفيس، يبرق في القلب مثل الموشح. في مكان آخر طفلة تصف في رسالة قصيرة من هاتفها الخليوي كيف مات أبوها، وصف تنقصه دقة ما، لأن غصة في الحلق تملأ صدرها بالحشرجة من عبرة تصيب لغتها بمرض غامض، فتخطئ. ستطيل السيدة الأولى التفكر في أظافرها المصقولة كالماء وتقارنها بصفاء الياسمين، وفي الوقت نفسه تحك امرأة أربعينية الطين من أظافرها بعد أن أخرجت أخاها من تحت ركام بيت تهدم. ستجلس السيدة الأولى في مكان خال من الدخان، كثير السحاب، غيمة بيضاء تعلو غيمة أخرى، كأن كريات من القطن مركبة فوق بعض في قناة شفافة تمتد بين السماء والأرض. أما في مكان آخر فتجلس عجوز أمام خراب مدينة: بيوت بلا سقوف، طوابق بلا جدران، دخان يمتد من الأرض إلى السماء كنخلة محترقة. ستجلس السيدة الأولى في مكان ما في الحديقة على كرسيها الهزاز لتستمع إلى المفرقعات النارية التي تضيء السماء الخالية من القمر. وفي الوقت نفسه في مكان آخر تجلس سيدة في ركن مظلم من البيت لتنظر إلى القنابل-ربما نفسها التي تشاهدها السيدة الأولى من بعيد-وهي تطرز الليل المهجور بدوي يهشم زجاج الروح. ستسير السيدة الأولى في نزهة برية مسافة ثلاثة أميال أو أكثر قليلا ذهابا إيابا، وهي تتوكأ عصا من الألياف الزجاجية. في قرية بعيدة تبدأ امرأة وأطفالها الخمسة مسيرة مئتي ميل في الهجرة من بلدتها المحطمة إلى الحدود عبر الشعاب وهي تتوكأ على غصن أصفر وجدته في أول الطريق. ربما تصحو السيدة الأولى فَزِعةً من كابوس يكون حقيقة لا يمكن أن تصحو منه امرأة أخرى. وربما تدلف امرأة إلى مرمر جنةٍ حين تغفو هاربة من كابوسها الواقعي، فلا تصحو من غفوتها لأن قذيفة أصابت غرفة نومها فغيرت شكل المكان، لتبقى محبوسة في غفوتها إلى الأبد. زوجة الدكتاتور تعد حياتها كحفلة عرس على مهل وما حولها يحترق.

الوسوم:

عجز الكلمات

أحس بعجز الكلمات البيضاء من أن تكوم نفسها بما يكفي لتحشو جرح طفل يبكي من الألم في ضاحية من ضواحي مدينة محترقة. يعجز الفعل المضارع أن يبني جسراً يكفي لنقل الطعام والمعونات الإنسانية للمحاصرين في غرفة معزولة في بلد تتفجر فيه البراكين كل صباح. فالجملة الاسمية التي يفرش بها الشعراء أول كلامهم كحبيبات الحصى، لا تستطيع أن تنبت من جراح الضحايا شقائق النعمان. والجملة الفعلية التي تجر بغلة المعنى من أول النهار إلى آخره، ستفشل من أول يوم في إدارة شئون قلب صغير وقع في أزمة دبلوماسية. والأبجدية التي نفتح بها نوافذ زجاجية تطل على البحر، لا تصلح أن تفتح قلب الدكتاتور النحاسي المصفح بطبقة سميكة من الرصاص. قد تصلح حروف اللين مراوح أنيقة في الصيف، وقد تصلح أيضاً سواراً على معصم غض، لكنها لا تصلح أن تكون سكيناً يقطع بها سياسي حبلاً يلتف حول رقبة شعب يشنق في غبش الفجر، قرب شجرة زيتون على تلة بين قريتين. وإن حركتَ بحرف الألف النحيل كوب قهوتك الساخن حتى تذوِّب مكعبين من السكر النباتي وأنت تشاهد موجز الأنباء على شاشة التلفزيون، التي يكاد ينساب منها دخان دبابة محترقة إلى غرفة الجلوس؛ فإنك في الغالب لن تتخذ الألف عصا تتوكأ عليها في الطريق الطويل إلى نفسك، أو تصنع منها مكنسة لتخفي بها غبار الماضي تحت سجادة روحك المجعدة، أو تطارد بها شبح الحنين حين تقف أمام المرآة. ولو أجهشتْ لغتنا المهشمة هذه بالبكاء، هل سينبت من تحت أجفانها نخلة تظلل أحزاننا في هذا الهجير العربي الكبير؟ كأن الكلمات حقيقة تبتعد كلما اقتربنا منها، كظباء تجري من بعيد خلف مشهد تراجيدي، فمن يشاهد لا يملك بندقية أو سهاماً لصيدها، وليس للظباء حكمة رياحين غرناطة حين تسلم نفسها لمستشرق يعكر تاريخ المكان بصفو اللغة. فإن كان الشاعر الجاهلي وحده يمسك بتلابيب لغته، فيفرش معلقته مثل العباءة على الرمل، ليرى نفسه في ماء كلماتها قمراً، ويرى حركة الكواكب تسيل من أفق المعاني، ويرى مواقع النجوم التي تدله على الطريق من نجد إلى مكة. فلماذا إذن حين ينظر شاعر اليوم في قصيدته لا يرى فيها سوى طبلة للأيدولوجيا. ولماذا يظل ينظر في قصيدته ولا يرى طريقاً واحدة إلى القدس؟

الوسوم:

مجلس الأمن

في مجلس الأمن ربطات عنق معقودة بمهارة، وعيون بألوان مختلفة، وأناس يروحون ويجيئون فرادى ومجتمعين مثل عمال حقول الشاي وأياديهم مليئة بأوراق يابسة كأوراق الخريف. طاولة دائرية في منتصف القاعة كأنها أعدت حلبة لمعركة بين ديكين، سوى أن التدخين ممنوع، وأن لكل فرد في القاعة مكاناً محدداً سلفاً. سقف القاعة عال بما يكفي لإطلاق طائرتين ورقيتين لطفلين، ولكن لا يمكن الركض بالطائرتين بحرية سوى في اتجاه واحد لكثرة المقاعد الثابتة وقلة المساحات المفتوحة. المقاعد إما رمادية كغمامة توشك أن تمطر، وإما سماوية كسماء فاجأها الصحو وهي تلملم أجراسها بعد مطر خفيف، وإما حمراء كوردة. وسجادة القاعة ذات اللون الرملي قد توحي لأول وهلة لطفل عابر أن هذه القاعة صندوق رمل واسع يلعب فيه الكبار من كل مكان. وأمام مهرجان الألوان هذا، لا يسمح لبائع بالونات مثلا في الدخول إلى القاعة حتى وإن كان الطقس في الخارج مشمساً وجميلا. ففي القاعة قناصون لمعالم الفرح الموشح بالطفولة والبراءة. فعندما يدخل أعضاء المجلس تقف العصافير عن التغريد بانتظار طلقة رصاص-تفلت من هنا أو من هناك-من مسدس الفيتو. فأعضاء المجلس عشرة، خمسة طواويس تفرد ريشها الملون فلا تطير ولا تتحرك من مكانها على مدار العام وهي على هذه الحال منذ أكثر من ستين سنة، أما الخمسة الآخرون فطيور من أجناس مختلفة لها هجرة واحدة في السنة، وحين تترك المجلس لا أحد يعرف متى تعود. وكل طاووس من الطواويس يتحسس مسدس الفيتو الخاص به مع كل قرار يعرض على طاولة النقاش. فهو غالبا ما يخفيه تحت ريشه البراق، لكن ربما فرد ريشه ليرى الآخرون مسدسه المذهب على الخاصرة، وربما وضعه على الطاولة بجانب قلم الرصاص والدباسة، وربما أطلق طلقة واحدة من مسدسه متى أحس بالسأم من نقاش طويل. فكل مسودة قرار، وإن كانت ورقة بيضاء خالية من الصور والحروف الأبجدية، مهددة بأن تثقب برصاصة في أي وقت. فلغة المجلس عاطلة من البلاغة، معانيها باردة كسمكة مثلجة، وحروفها من البلاستيك مطاطية وبلا عافية. لذلك ربما أوقد المترجمون رءوس الفواصل شموعاً لتذيب الجليد بين الفواصل وتنير نواحي الكلام. وكثيرا ما أقول لنفسي كلما نظرت إلى قاعة مجلس الأمن: بماذا فكر النرويجي الذي صمم القاعة حين جعلها مربعة والطاولة مستديرة؟ هل أراد لمجلس الأمن أن يكون ناعورة العلاقات الدولية؟ وحين رسم أيقونات القمح على الجدران، هل فكر أن قرارات المجلس ستكون أقل مرارة لأن ما ينقص الأمن العالمي حفنة من الحنطة؟ لابد أن أحداً مثلي جلس قبالة اللوحة الرمزية الكبيرة المنصوبة في قلب القاعة لينظر إلى طائر العنقاء الذي يتوسط شخوص اللوحة ليقول: هل هذا الطائر أقل احتراقاً اليوم من أي وقت مضى؟ لكن سؤالاً مثل هذا سيضيع في زحمة الحاضرين، وتبقى حقيقة واحدة: مجلس الأمن ربطة عنق أنيقة تخنق العالم.

الوسوم:

في وصف الحالة السورية

عند وصف الحالة السورية ستمتلئ الكلمات وهي تمر في عرباتها بالدموع. وستذوب كالملح في ماء الحزن فهي لا تجيد السباحة. فإن قلتُ إن المآذن في حمص مذبوحة وتنزف بالأذان، ستفيض نافورة الدمع من العيون وتغرق الكلمات. عندها سيدلني قارئ جديد لا يعرفني جيدا إلى حل: غط كلماتك بقماشة من المجاز الكثيف لتمر الكلمات دون بلل. وابتعد عما يوجع من وصفك الجريء مثل: يثقب مراقب عربي-بطريقة غير مباشرة طبعا-قلب طفل يركض خائفا في سكة ضيقة في الحي القديم، لأن المراقب تلكأ في الانسحاب من بعثة المراقبين العرب. لكن قل ساخرا: إن الطفل تعثر في حجر ومات، فقد كان يشكو من هشاشة العظام لأنه لا يشرب الحليب كل صباح. وإن قلتُ: إن الحياة مشنوقة في حماة بالدخان على باب المدينة. قد يمر بي قارئ آخر لينصحني بترك المجاز: ابرد كلماتك المربعة ذات الزوايا الحادة بالدبلوماسية لتصير دائرية إلى حد ما، فالحياة مصالح والكل يخطئ والصلح خير. سأشكره طبعا لأن النصيحة بنت التجربة، لكنني سوف أمضي على مهل إلى مقهى قريب لأنظم خرز الكلمات من جديد. وقد يمر بي مزارع بعربة مليئة بالبرتقال تصرصر عجلاتها وأنا أقول: إن الذي تبقى من الياسمين في البلاد تحشو به الأمهات جراح الصغار المفتوحة كفم السمكة. سيقول المزارع: سمعتُ ما قلتَ، لكنني أمر بعربتي هذه وأنا أبكي على ما أراه من قتل كل يوم في الصحافة والتلفزيون؛ والبرتقال في عربتي لا يذوب، لذلك لا أستطيع فهم مشكلتك. فإن تركني وشأني بدأت في سن كلماتي بالتفاعيل حتى تصير مدببة كالسكاكين وطويلة كرمح إفريقي، استعدادا لوصف آخر. لكن قد يمر بي رقيب نحيل-على الأرجح هو يقرأ هذه الكلمات الآن-ليقول لي: غير العربة، فأنت محتاج إلى مدرعة. فالحالة السورية مليئة بمدافع الهاون والقناصة، فإن مرت كلماتك من مقصي فهل ستمر من الآلة العسكرية؟ لكنني غالبا سأمضي لأعبئ كلماتي بالقوافي هكذا: يمر الكلام على موت طفل كبسملة الأم والفاتحةْ/يمر كرمح طويل تسدده دعوة صالحةْ/ وينزل بين العيون دموعا ولا لون فيه ولا رائحةْ. عندها سيطوي هذه الصحيفة ناقد متوسط الحجم، ويقول: سأسأله إن التقيته، من أين لشعرك كل هذا النمش؟

الوسوم:

محطة الباص

يلقي الغيم ما على جيده من سلاسل تفرقع مطرا على الرصيف والناس تحت مظلة محطة الباص واقفون. هو مجبر أن يقف هنا لأن سيارته خلف كلية الهندسة التي تطل من أعلى التل مثل صقر محنط مغمض العينين. يقول: لو كانت كلية الهندسة كلية العلوم السياسية لكانت على شكل سحابة، كل يراها كما يريد: مرة في شكل أرنب كبير، ومرة في شكل قطة تلاعب كرة من الصوف، ومرة أخرى في شكل سلة فاكهة صيفية؛ فالسياسة كالنبع مرآة لكل العابرين تدلل قمرا بين الضلوع وتجرحه بالوعود. نظرت إليه امرأة وهي تصعد الباص وقالت: السياسة كهذا الباص، إما أن تركب، وإما أن يسير ويتركك. كانت المرأة مشغولة بقراءة كتاب في اللسانيات، لكنها ملت من انتظار الباص رقم ثمانية وأحست بالحنين إلى الصحو، وحدثت نفسها: سأركب أول باص يمر، لقد ضاع ما ضاع من عمري في انتظار الحقيقة والحب وعودة الماضي. قال آخر وهو يشعل غليونه: السياسة دم تلونه الخطابة بالكناية والحكاية والمجاز، حلوى تقدمها الشعوب هدية للشعوب. لذلك لست ضد الربيع العربي ولا معه، ولا ضد من هم معه أو مع الذين هم ضده، لكنني ضد أن يضع الأجنبي يده في جرة البسكويت الزجاجية فإنه عبثا سيحاول إخراجها. إلا أن شابا يمرجح دراجته الهوائية بين قدميه وهو واقف قال: السياسة قدرة الفرد أن يصف المستحيل للجماعة بلا لغة ويقنعهم بلا سكاكين أو ابتسامة ساحرة، لذلك أحب الاقتصاد والألعاب الأولمبية. توقف الكلام قليلا لأن عصا التجربة أوقفت عجلة الفكر عن الدوران، ولأن السياسة ملأى بالدبابيس، فالحديث فيها نوع من الألم الناعم. انقطع المطر فجأة وقد توقف الباص رقم ثمانية ونزل منه رجل خمسيني يحمل في يده مجلة فورن بوليسي ثم قال: كيف أصل إلى كلية العلوم السياسية؟ ابتسم له الأول ثم مشى دون أن يقول شيئا إلى سيارته خلف مبنى كلية الهندسة. صاحب الغليون رفع قبعته للتحية ومشى على الرصيف شمالا متكئا على مظلته الملونة. أما الشاب فتوجه إلى الباص ودراجته النحيلة على كتفه وهو يعد نقوده المعدنية. أما أنا فعدت لكتابة هذا المقال في انتظار الباص الذي لا رقم له.

الوسوم: ,