أرشيف الوسم: رثاء

تذكرت سعود

image
تذكرته، غيما يمر، ظلالُه
ظباءٌ وماءٌ في الحجاز وفي نجدِ
وكنتُ إذا شاهدته أو لقيته
كأني أرى في راحتيه حمائما
وفي قلبه صقر من النور والوردِ
مضى وكأن العالم العربي قد
مضى معه والعالم العربي في
مهب الشجى ومهمه الريح والبردِ
تذكرته في مجلس الأمن جالسا
يدوِّي صداه المر بين حروفه:
(دمٌ واضح يُهْريقه الخوف من غد
دمٌ حيثما تمشون يا سادتي دم)
يقول لهم إن السلام حقيقة
يزيفها مكر السياسي عندما
يريد، يرى التاريخ من ثقب إبرة
ويخفي الذي يخفيه في فضة السردِ

على كل معنى للعروبة خالص
عباءته خفاقة، وكلامه
كنهر صغير في الهوية أزرقٍ،
جرى. قمر يعلو بوادي حنيفةٍ
وينزل. معنى أو مجاز مقنَّعٌ
معلقةٌ همزية جاهلية..

تذكرته، والليل يطوي جناحه
على أمسِ فينا، والدروب تكوَّرتْ
إلى غدنا. ماذا رأى غير ما نرى:

شياطين ينسلُّون من فلقة الدجى
يزفون للموت المدائن والحجى

مدى للمدى أو سكة دونما مدى
طريق طويل ليس يفضي إلى هدى

مضى والصدى ما زال يصدح وحده
ويطرق سندان السياسة وحده
إذا لم تجيبونا أدرنا ظهورنا
لكم، وغدا تدرون من سيفه يجدي

الوسوم: ,

يا راحلا ما رحلا

image

لا الدمع جفَّ ولا جفنٌ لديكَ سلا
يا راحلاً من قلوب الناسِ ما رحلا

الحزن بعدك جزءٌ من هويتنا
يا من زرعتَ على أجفاننا الأملا

كل البكاء له دمعٌ نكفكفه
إلا بكاءَك والدمعَ الذي نزلا

يطول فيكَ رثائي وهو من حُرقٍ
فكلُّ حرف جرى في مهجتي اشتعلا

حتى يقال أحزنٌ ما يمرُّ بنا؟
والنفس لا تشتكي مما بها وجلا

وقيل: ما مات مَن هذي بطولته
تُجيب في ساحة التاريخِ من سألا

وما يموت الذي راياته رسمتْ
لكلِّ من تاه عن درب الهدى سُبُلا

وقيل: هذا هو الحبُّ الذي بحثتْ
عنه القلوب ولم تعرفْ له بدلا

موشحاً راية التوحيد ودَّعنا
والسيف من كفِّه في (عَرضةٍ) هطلا

مضى وقد سهرتْ من أجله مدنٌ
تدعو. فلله هذا الحب ما فعلا

الوسوم: ,

أسئلة الشهيد التي لا تموت

image
لكل شاعر كبير، وناثر كبير، اطَّرِحْ لغتك التي تشحذك كسيف طويل، فللشهيد لغة أخرى كاملة غير ما تعرف، وأنت تطيل الوقوف على الأطلال بمجاز جديد، وحزن جديد، اسأل أسئلة الشهيد التي لا تموت:

أين يتجه الحزن عندما تخفق رياح الشمال معلنة رحيل المراكب؟

كان يقف على سفح يودع الراحلين ويلوح لهم بيديه حتى تنسل مراكبهم تحت عباءة الغروب.

لماذا تجلس المعاني كالعصافير في أعشاشها إلى أن يهش عليها شاعر عصا التجربة؟

كان ينظم الشعر لكنه لا يجيده كأي شاعر متمرس، ويعجب من تسلسل القوافي في المعلقات كأنهن ظباء تحلقن حول ماء ونخيل.

لماذا لا ينصت سوى الضحية حين تتكلم الذخيرة الحية؟

كان يشاهد الضحية تولد من فم السياسيِّ، ولا أحد يرْكز بارودته في وجه الحقيقة ويعسْكر عندها. يقول في نفسه: ربما كانت (الضحية) محاولة يائسة في الدفاع عن غد لا يؤمن أحد بقدومه، أو محاولة طائشة لاختبار عزم العدو على رسم خريطته من طرف واحد. مهما يكن، تبقى (الضحية) مجهولة والحقيقة عَلَم على خط النار يحترق.

كيف يقول الشهيد عند الوداع الأخير لوطنه الذي يحبه: شكرا؟

كان يبحث عن فيلسوف يشرِّح مفهوم (الحب) و(الوطن) و(الوداع الأخير) معاً، لعله يجد كلمات مناسبة ليسرَّ بها في نفسه أو يبوح بها لأقرب جريح قبل نطق الشهادة. هل الروح كافية؟ يقول، وهل هي سدرة منتهى العشاق؟

كيف يستدير اسم الشهيد حين يمر في الذاكرة: مثل قمر أو قصيدة؟

كان يتذكر زملاءه الذين استشهدوا ويعلق أسماءهم مرة على عينينة أبي ذؤيب الهذلي، ومرة يعلق أسماءهم على مراثي متمم بن نويرة، وكان بعضهم يشع في قلبه قمرا فيستدير وجهه ألقا قبل أن يجهش بالبكاء.

هل الحب وردة تفترُّ من القلب، أم سكين يولد في الخاصرة؟

كان يعرف من الحب ما يسل من فمه ابتسامة دون أن يشعر، ويعرف من الحب ما يجعل عينيه تفيض مثل نافورة من الدموع. لكنه لا يعرف كيف للحب أن يستل سكينا ويقتله، ولا يعرف كيف يصبح قلبه علبة حلوى لطفل بكى من شدة الشوق، ولا يعرف كيف يصبح الحب قنديلا يطل من عينيه فيضيء طريقه في ظلمة المجهول.

ماذا حل برصاصتي التي أطلقتها قبل أن أموت؟

كان يراجع عمره كأي طالب نجيب يستعد لامتحانه النهائي. وكان يجيب على الأسئلة كلها:

أين ما ضاع من عمري؟

كيف نجوتُ من حزن كاد يعصف بي ويقتلني؟

إلى متى أحوم كالنحلة حول أحلامي، لا أنا أصيبها ولا هي تصيبني؟

لكن سؤالا واحدا أعياه ولم يجد طريقا للإجابة عنه: ما الذي حل بقاتلي؟

الوسوم:

صيب البكى

كغيم يمر العمر مرا ببالكا
وذكراه ظبي أبيض في رمالكا

سلوت كأن الحزن سرب من القطا
يطير إذا ما زرته في خيالكا

وضقت كأن الحزن يبني بيوته
بقلبك حتى صار بعض ظلالكا

فإن طال حزن فالحياة قصيرة
وإن الردى هذا قريب كآلكا

فهل للربى والأرض صوت تعيده
تداوي به نفسا شقتْ من سؤالكا

أما لك من دمع تبل به اللحى؟
فتطفئ قلبا ما بكاه بذلكا

تمر على نجد ترى صيب البكى
وأم القرى والطائفين هنالكا

وسيل قوافي الحزن بين جفونها
نجوم من المعنى تسد المسالكا

على نايف في أي دار نزلتها
ستلقى دموعا كالندى في رحالكا

حمت كفه خدَ الجزيرة إذ صلت
لهيبا وغدرا أسود الليل حالكا

فسيج بالبارود والورد نخلها
ودافع بالسيفين عنها المهالكا

ووطأ فيها سنة المصطفى التي
أنارت قرى من هديها وممالكا

لذلك فاسكبْ من دموع دموعها
وما كان من نزف القلوب كذلكا

فإن كان من حزن لبست بروده
ستلبسك الأيام ما لست مالكا

الوسوم:

بذلت فرات جودك

ها قد تركتَ وما تركتَ  قليلا
في كل دمعة خافق قنديلا

يا من بذلتَ فرات جودك كله
حتى تفرق في المدائن نيلا

ها نحن نبحث فيك عن بسماتنا
ونعود دون نوالك المأمولا

وجه من الإصباح ومض شروقه
يدني لنا بسماته فننولا

يطوي لنا أحزاننا كعباءة
فنسل منها الصارم المسلولا

ها قد رحلت وكل جفن واقف
يروي المحبة في القلوب طلولا

والآن نفتح كل تاريخ لنا
ونراك فيه دعاءنا المقبولا

وكناية الكرم المذهب بالهدى
في واحد وربيعنا الموصولا

قصَّرتَ درب الراحلين إلى الندى
وتركته للعائدين طويلا

وجلا الهموم بنا نوافح بسمة
جرَّت على وعر النفوس ذيولا

وبنيت من هدب العيون مغانيا
عرضاً على عوج الضلوع وطولا

وأخذتَ من صفو الزمان سماحة
ولبستَ من حلل النفوس قبولا

***

ماذا أقول وكل ما قد قلتُه
رغم المجاز وحسنه قد قيلا

لمْعُ السراب يظَلُ بين حروفه
لا يطفئ الحُرَق الشواظِ فتيلا

كم كذَّب الدمع الجفونَ لفقده
مهما تحدر زفرة وهطولا

فقْد الغريب مطيَّه بمفازة
قصد السراب فلا يريد دليلا

أجفانُه معقودة بخيوطه
لا يبتغي ثمر الغمام بديلا

حتى إذا شرقتْ به أحلامه
وتقطَّعت أسبابه وأعيلا

وجد الدعاء براحتيه حمامة
فأطارها وسقى الكثيب عويلا

حزن يعلِّم في الشغاف بمخْلب
وقوادمٌ وسمتْ عليه ذبولا

وكأن خفق جناحه ريح جرَت
تحثو على وجه الغريب مهيلا

لكنما أمل ينقر قلبه
عُقَدٌ تفتَّح كالورود حلولا

أمل يفرِّخ في يديك حمائما
ويسلُّ من وجع الحياة هديلا

***

يا من سقى أجفاننا بفراقه
وأسال من هدب العيون مسيلا

نجد تكفكف دمعها بقصيدة
وتضفِّر الحزن الطويل جديلا

وقرى الحجاز تحزَّمت ببكائها
تدعو بمكة بكرة وأصيلا

وكأنَّ غيما حلَّ في شرفاتنا
يسقي تراب نباتها الممحولا

غيماً تطوِّفُ في المدى أجراسُهُ
ويظل في سُقُف البيوت نزيلا

متربعاً يرفو الربيع بمائه
ويخيط من قفر الحزون حقولا

طابت بنفح هبوبه وصبوبه
وجرتْ رباه صَباً فطاب مقيلا

طابت كنفس محبِّه، وكأنه
ظُلل فُرشنَ على الرمال نخيلا

***

دارت نواعير الجوى للقائه
فحملنَ من شوك الفراق حمولا

وجرينَ في مهجٍ على ظمأ له
يُسقَين من قلل اللقاء رحيلا

سُبل الكرام ورحْلهم مربوطة
يرجون لله الكريم سبيلا

يمشون وعرا إن توعَّر دربهم
متبطنين دماثة وسهولا

رحلوا ولا يرجون غير الله من
وصْلٍ وليس سوى الجنان وصولا

رحلوا وهم يرجون مغفرة بأن
يجزي برحمته الجميل جميلا

الرياض، ٢٦ ذو القعدة ١٤٣٢هـ

الوسوم: ,

أين أينك الآن؟

إلى محمود درويش

أ

امرؤ قيسنا الجديد،

هكذا كنا نراه دائماً، خصما شعرياً،

صورة للشاعر محمود درويش

الشاعر محمود درويش

الضاغط الجمالي على المعنى وهو يتفتح على راحة كفك وردةً، تجعلها في جيبك خشية أن يراها أحد فيقلد تدلي تويجها وحمرة خدها، وتخشى أن تسقط من جيبك وتدوس عليها دون أن تنتبه من فرط الزحام في الكافيتريا، يحدث كل ذلك حتى تمر وأنت منشغل بالساعة تقيس نبض الوقت، لترى الوردة معروضة في محل درويش للزهور.
(المزيد…)

الوسوم:

راحل مركبه مناه

إلى إبن خالي عبدالله بن عبدالعزيز آل الشيخ رحمه الله الذي توفي في العشرين من عمره في حادث سير

حكت لي حين نامت مقلتاهُ
حكت لي ما نراه ولا نراهُ

حكت لي أن قلبي صار ناياً
مذ ارتعشتْ لميتته الشفاهُ
(المزيد…)

الوسوم: ,

نزف الصورة/عزف الطلقة

إلى طارق أيوب

شقوا ربابة حزني عندما عرفوا
أني الذي سيعريهم لينكشفوا

إني لأعزف من آلاتهم صوري
وأفتح الجرح فِلماً كلما قصفوا

إني لأعزف من آلاتهم صوري
وأفتح الجرح فِلماً كلما قصفوا

وكلما شُج َّ رأسي من قذائفهم
نزفت ُ حتى يسيل الحبر و الصحفُ

دمي سيعرفهم هذا الذي سفكوا
ويعرفوني من الحبر الذي نزفوا

نيرانهم حرقتْ حرفي ويحرقهم
حرفي بنيرانهم تلك التي حذفوا

في لقطة ٍ ألف معنى من قنابلهم
العين تنكر والأصوات تعترفُ

أطلقتُ قبل ولكن لقطتي رسمتْ
وأطلقوا بعد إلا أنهم نسفوا

رسمت فيها سحابا كالحليب جرى .
بيتاً تلوَّن في شباكه الصدفُ

لكنهم لطخوا شباكه بدم ٍ
ومزقوا بفم أنيابه رعفُ

في خوذتي عشر أفلام وكاميرتي
فلم يسيل دما من بعض ما اقترفوا

ما طلقة فتكتْ روحاً ولا جسدا ً
إلا لتفتك فيهم صورة تصف ُ

بنادق رصفت فيها الرصاص وفي
كفيَّ كاميرتي والناس ترتصفُ

كلي لهم عدسات سوف تفضحهم
مع كل قاذفة صيحات من قذفوا

هذي عيونٌ ،دم الأشراف كحَّلها.
تصيد من لا لهم عز ولا شرفُ

وقد رأت ما رأت عين ٌ وقد عرفتْ
وقد رأوا ما رأوا منا وقد عرفوا

لا خوذة نفذت من لقطة أبدا ً
فلا خيام ستحميهم ولا غرف ُ

ولا سماء ولا أرض ستحملهم
ولا غمام ولا نهر ولا سعفُ

ولا القذائف تعمي أي كاميرة
ولا الغبار سيخفي أينما زحفوا

باق ٍ سأغرس نفسي نخلة بهمُ
أمشي ولكن على أهدابهم أقفُ

ربابتي ستغني كلما عبروا
وتشبك الورد في الريح التي عزفوا

الوسوم: ,