أرشيف الوسم: ثقافة

ما زال في الدرب درب

image

الى سعد الحميدين

“ما زال في الدرب درب” قال لي ومضى

كأن حلما شفيفا مر في لغتي

أضاء ليليَ إذ أرفوه من هدبي

وكلما قلتُ: “هل يبقى الحنين على

أسماله رغم ما في العمر من ذهبِ؟”

قال: الحنين قليب لا حبال له

وليس أمس سوى ماء بلا قِرَبِ

فقلتُ: أشرب من أمسي ويشربني

يبقى عبوري إلى ما لستُ أفهمه

وسيرتي هي نقش الروح في أدبي

“هل للحنين حنين؟” قال. قلتُ: “إلى

حس الفكاهة في يوم يمر بلا

حزن على غده.” لولا الوقوف على

ليل الحكايات ما شاهدتٓ أغنيتي

تمشي الهوينى على ما كان يصنعه

مؤرخ من سكاكين مضرجة

دماً – يقولُ – فسرْ، لا تلتفت أبدا

ما زال في الدرب درب فيك فامض به

على الخريطة رسامون ليس لهم

لون يلائم أحزان المدينة أو

شكلٌ، فلاسفة لا يؤمنون بما

قال السياسي في وصف الفجيعة في

مقالة، شعراءٌ يكتبون لمن

لم يولدوا بعدُ، فاكتب فالحياة هي

الحياة لا حاضر يبقى ولا أحدُ

الوسوم:

النقد الكلي والجزئي

طرحت في مقالة سابقة مصطلح (الجودة التي لا اسم لها) وبينت أن هذا المصطلح يشير إلى غموض يصاحب فهمنا لجودة كلية شاملة لا يمكن تقسيمها إلى أجزاء، لذلك يستعصي وصفها. ومن عادة الباحثين على المنهج العلمي الذي وصفه ديكارت تقسيم الأشياء إلى أجزاء وعزل كل جزء ودراسته على حدة لفهم خصائصه. هذا هو المنهج العلمي المتبع عبر قرون، لكن يعيب هذا المنهج أنه يفقد فهم خصائص الكل الذي لا يمكن استنتاجها من الجزء.

وعند النظر إلى الشعر العربي، يمكن تتبع ملامح ما يمكن أن نطلق عليه (الجودة التي لا اسم لها) في كثير من النماذج الشعرية والمقولات النقدية المعتبرة من خلال العلاقة بين الجزء والكل. وكمدخل إلى مفهوم الجودة الجديد هذا نحتاج إلى النظر في الخصائص الكلية للأشياء في مقابل الخصائص الجزئية لها-باعتبار ذلك من سمات التعرف إلى هذه الجودة. وذلك لأن التعرف إلى (الجودة التي لا اسم لها) لا يأتي من دراسة الخصائص الجزئية بل من دراسة الخصائص الكلية أيضا. وعند مراجعة النقد القديم للشعر الكلاسيكي نجد أن المفاضلة بين الشعراء تأتي بالحكم في البيت والبيتين وبأحكام عامة ليست مجال مقارنة. فتجد عمرو بن العلاء مثلا، يصف الأعشى بالبازي الذي يضرب كبير الطير وصغيره، ثم يشبه جريرا بالأعشى، ويوزع الأمثال فيربط بين شعراء الجاهلية والإسلام، فنظير النابغة عنده الأخطل، ونظير زهير الفرزدق. والأمثلة لهذه الأحكام النقدية كثيرة في العصر الأول، وهي في الغالب نقولات شفوية وأحكام في سياق الإجابة عن سؤال عابر.

ظلت هذه النظرة تجري في ثنايا النقد العربي إلى عهد قريب مع تباين طفيف عبر العصور. ففي القرن الخامس الهجري قدم الجرجاني نظرية النظم التي يرى بعض النقاد المحدثين أن في هذه النظرية الكثير مما جاءت به البنيوية في النقد الحديث. إلا أن نظرية النظم كرست فهم علاقة الأجزاء ببعضها، الكلمة وما يجاورها، دون النظر إلى علاقة هذا التركيب على المستوى الجزئي بالسياق الكلي. وإن كان الجرجاني يحلل الإعجاز القرآني، إلا أن تطبيق هذا المفهوم في الشعر اقتصر على علاقة الكلمات وتجاورها ببعضها في البيت الشعري الواحد. فبنية القصيدة الكلاسيكية تعزز هذا المنظور كون عمود الشعر العربي يكرس استقلال البيت الشعري. فظل النظر إلى سر الإبداع في البيت الشعري وعلاقات الكلام ببعضه دون النظر إلى القصيدة كلها.

لكن عندما تغير نمط التفكير في العصر الحديث خرج كثير من الباحثين بنتائج جديدة وفي كثير من الأحيان مدهشة. من ذلك مقولات طه حسين في الشعر الجاهلي حين نظر إلى الشعر الجاهلي بحسبه وحدة متكاملة. وبغض النظر عن تفسيرات طه حسين للظاهرة التي رصدها، وهي التي جرّت عليه كثير من المواجهات العنيفة وقتها، إلا إن منهجية النقد الكلي أظهرت صورة جديدة لم يكن من الممكن الانتباه إليها من خلال النقد الجزئي المتبع سابقا. إن مفهوم (الجودة التي لا اسم لها) لا يمكن ملاحظته إلا عند ربط علاقات الأشياء ببعضها في منظور كلي. العلاقات هذه حين تجتمع في بيت أو في قصيدة أو مجموعة قصائد توحي في سياق كلي بجماليات لا يمكن التعرف إليها على حدة. ويبلغ ذروة تأثيرها في العلاقات الكلية الناتجة من ترابط الأجزاء ببعضها التي تكون شكلا أو انطباعا جديدا. وهذا الانطباع الجديد يحتاج تحليله وإرجاعه إلى بنيته الأصلية إلى منهجية جديدة.

الوسوم:

اللغة العربية تلتف كالحلزون

١

تنكفئ اللغة العربية على نفسها كالحلزون كلما مر وحش التقانة المعدني. تختفي خلف حشائش الماضي كأي غزال مذعور. وكلما حاول الصبية الاقتراب منها هربت منهم لكثرة ما جرحتها أشواك التجربة. لذلك نحن بحاجة إلى مؤسسات لنحبس هذا الغزال الشرود ليقترب منه أطفالنا فيروه من قريب، ويلمسوا فروه الناعم ووجهه النحيل.

الكتاب والكتابة وخيال الكاتب سجن للكلمة. لن تنطلق الكلمات حرة مثل العصافير إلا من قفص الفم. ولغتنا تختبئ بين الأوراق الصفراء والكتب السميكة مثل كنز مدفون. وهي بذلك تترهل وتصبح أقل قدرة على الحركة والمناورة والهروب من وحشة الغرابة وفخ الماضوية. فعلى اللغة أن تسير في طريقها الطويل وإن تعثرت، وإن حاربت رياح التغيير بسيف من خشب، وإن لم تستطع أن تحبس أنفاسها في بحر الأخطاء الشائعة.

الشفوية أخت العفوية، فإن خرجت اللغة من الكتاب إلى السوق فعليها أن تمتزج بلهجة البلد، وتذوب فيها كقطعة سكر. فالكلمات التي تجري على اللسان تسافر كالعطر في المسامع، وتفتر كالوردة في دم الفكر. ولا حاجة لمراجعة الكلمة المقولة حين تنطلق من عنانها، فذلك ضد التلقائية التي لا تبال بلبس النعال بين غابة من البساطير المتجهمة.

٢

توجد مبادرات تعمل مثل مكيفات الهواء في الصيف، لدفع عجلة اللغة في آلة التنمية. مثل مركز الملك عبدالله الدولي لخدمة اللغة العربية، ومبادرة الملك عبدالله للمحتوى العربي، وارتباط كلا المبادرتين باسم الملك عبدالله لا يخلو من دلالة عميقة لأصالة متجذرة  في صاحب الإسم. لكن مع هذه المبادرات المؤسسية، تقوم اللغة على تفرد الفرد في غزل لغته الخاصة من خلال الكتابة والقول. فالفرد مؤسسة أخرى، يجب تنميتها بالإبداع. لذلك تعميق هذه الفرادة في استخدام اللغة تأتي من دعم الفنون التي تضيء اللغة بطريقتها الخاصة، كالشعر والرواية. فكل جائزة تشير بإصبع نحيل إلى عمل أدبي جيد، تقوم بتحريك فنجان التفرد والإبداع في الحياة اليومية. وعلى كل المؤسسات الرسمية أن تعترف بالذات المبدعة مؤسسة قائمة لدعم اللغة العربية.

٣

عصارة الشعر، كما تبدو لي، هي إضاءة ظلال المعاني التي تولد من حركة اللغة في المجتمع. فقوة اللغة تستمد من المجتمع وتظهر في الشعر. وإلى ذلك كان يشير ابن المعتز في قوله: فلا تعجل بذمي إن رقصي/على مقدار إيقاع الزمان. فأي مقالة في انحسار الشعر، هي مقالة في ذم المجتمع الذي لا يفهم لغته، ولا يريد أن يستكشف سلالة المعاني التي تلتف مثل خريطة جينية في جسد كل منا لحضارة تمتد عبر العصور. الشعر هو الرئة التي تتنفس بها اللغة، وعافية اللغة من عافية الشعر، وعلى المجتمع أن يحمي رئة اللغة من أن تعبأ بالكربون وعوادم الحداثة.

الوسوم:

اقتصاديات سوق الثقافة

كلما دخلت متجر (بارنز آند نوبل) في أي مدينة أزورها اتجه إلى قسم الشعر تلقائيا مثل من يبحث عن بيت خارج بيته. لكن المساحة الممنوحة للشعر في مكتبة من دورين ومقهى في المنتصف تضيق عن المدى الذي يفتحه الشعر في سماء اللغة. الشعر يأخذ بالكاد متر وسبعون سنتميترا وأسماء تتكرر من مدينة إلى أخرى، الأسماء نفسها والمساحة هي هي. الشركة التي تعطي كتب الطبخ وتطوير الذات حيزا أكبر في كل فرع من فروعها في العالم لا تعبر بذلك عن ذوق رئيسها التنفيذي، بل تعبر عن رؤية الشركة وفهمها لاهتمامات القارئ ورغبته الشرائية.

فالمتاجر الكبرى مثل (بارنز آند نوبل) تفتح نافذة للمتابع على اقتصاديات سوق الثقافة. فهذه المتاجر تتبع ديموقراطية مجازية تتمثل في ديموقراطية السوق أو ديموقراطية رأس المال. وهذا النموذج الاقتصادي مقبول إلى حد كبير في سوق الخدمات أو سوق التقنية حيث يتبع المصنع رغبة المشتري ويقبل نقده لجودة المنتج، والمعادلة النسبية بين السعر والجودة. لكن عندما يتعلق الأمر بالفكر المتمثل في الكتاب، فالأمر يختلف قليلا.

فمع نمو صناعة متطورة للكتاب، تدخل فيها تقنيات عالية من تصميم الغلاف إلى مادة الورق، إضافة إلى الكتاب الإلكتروني، يظل المحتوى-مادة الكتاب الأساسية-محل خلاف واضح. فهل يمكن اعتماد القارئ مقيما أساسيا لجودة مادة الكتاب على اختلاف موضوعه؟ عندما تقف عند زاوية الشعر في المكتبات الكبرى، مثلا، لن تجد إلا عددا قليلا من الكتاب الحائزين على جائزة نوبل ممثلين على الرفوف. هذا الغياب يدل على التباين بين حركة السوق الاقتصادية وحركة النقد، الذين لا يعترف أحدهما بالآخر. فالمكتبة التي تسعى إلى الربح لن تعترف إلا بأرقام المبيعات. أما لجان الجوائز فلا تأخذ بالاعتبار إلا الجودة بمفهومها المعياري الذي يعرفه النقد النظري أو التطبيقي. في حالة النقد، قد يتخلى ناقد حاذق عن أدواته التقليدية وربما ذوقه الشخصي، ليحاول فهم اقتصاديات السوق الثقافية. ما الذي يجعل كتابا ما أكثر رواجا؟ وفي جانب الإبداع، قد يتخلى كاتب عن تقاليد مدرسته الإبداعية ليحقق رواجا وربحا لا يمكن أن يصل إليهما بموهبته وحدها. وفي هاتين الحالتين نوع من التنازل عن قناعات مسبقة، وشيئا من البراغماتية التي تتعامل مع واقع لا يمكن تجاهله.

إلا أن جانبا أخلاقيا ومسئولية أدبية لا زالت قائمة لا يمكن تجاهلها عندما يتعلق الأمر بالأدب دون غيره من مجالات المعرفة. ففي كتب المعرفة المختلفة، الفيزياء مثلا، يمكن أن تقدم مادتها بشيء من التبسيط، بمعادلات أقل، بلغة صحفية تصل إلى أكبر عدد ممكن من القراء المهتمين دون أن يتخلى الكاتب عن حقيقة المادة العلمية. هذا التقسيم، مادة أصيلة وأخرى مبسطة، ليست ممكنة في الأدب. فإما أن تكون قابلية النص للقراءة الجماهيرية عالية أو لا تكون. فلا توجد للنص نسختان: واحدة تملك كل ما يعرفه الناقد من جماليات فنية، وأخرى تتخفف من ثقلها الجمالي لتحملها روح قارئها إلى أبعد من نفسه.

الوسوم:

التقنية ودمقرطة الثقافة

بين الديموقراطية والتقنية علاقة متبادلة، فحين تخدم التقنية الديموقراطية في تحصيل أصوات الناخبين مثلا، محققة سرعة فائقة في تعداد الأصوات؛ تقوم الديموقراطية في خدمة التقنية بشكل غير ظاهر. فجوجل مثلا تستخدم الديموقراطية لتصنيف مواقع الانترنت التي تعرضها حين يقوم المستخدم بالبحث من خلال كلمة مفتاحية. حيث تبحث جوجل أولا في المواقع التي تحصل على أصوات أعلى، بحيث تتفاضل المواقع بعدد الأصوات كما يحدث في انتخابات الرئاسة. فكل رابط يضعه موقع ما يؤدي إلى موقع آخر، تعده جوجل مثابة صوت يمنحه الموقع الذي يحمل الرابط إلى الموقع الآخر. فمثلما يقوم المنتخبون بمنح أصواتهم للناخبين من خلال تعبئة نموذج انتخابي، يقوم الموقع بمنح رابط لزائريه ليرشح موقعا ما. بهذه الطريقة تكون جوجل قد تنازلت عن سلطتها في تصنيف المواقع ومنحتها إلى جمهور صانعي المواقع بترشيح من يرونه مناسبا. وما على جوجل سوى أن تحصل الأصوات بشكل دوري وتعرض النتائج كلما قام مستخدم بالبحث عن كلمة مفتاحية.

من خلال تقنية البحث هذه، تقوم جوجل بجعل مادة الانترنت خاضعة لديموقراطية منشئي المواقع الذين يملكون الأصوات من خلال الروابط. يقابل هذه التقنية ما يقوم به أفراد يتولون مسئولية تمثيل الذوق العام حسب القيم التي يلتزمون بها والقيم التي تسنها سياسة المؤسسة التي يعملون بها لاختيار المادة الثقافية. ورغم أن القارئ يمارس حقه في الاختيار بين المطبوعات بشكل غير مباشر، وهو بحد ذاته يمثل تصويتا للمطبوعة بمجملها، إلا أن الديموقراطية التي تقوم عليها تقنية البحث في جوجل أكثر ديناميكية وشفافية في عرض الرأي الجمعي حول مادة ما.

مثل جوجل، تقوم تويتر بصناعة الثقافة بناء على أسس ديموقراطية أيضا. فمقابل أن يقوم الموقع بترشيح موقع آخر من خلال رابط الكتروني، يقوم مستخدم تويتر بإعادة نشر المادة الثقافية، بحيث يتم تدويرها من أكثر من مستخدم بما يشبه عملية ترشيح آنية تبلغ ذروتها في حدود بضع دقائق. وتتراوح إعادة التدوير، أو الترشيح، من مادة أقل من مئة وأربعين حرفا إلى كتاب بأكمله. وعلى نمط تويتر نفسه، يقوم الفيسبوك بترشيح المادة الثقافية بطريقة مشابهة. وفي كلا الحالتين، تويتر وفيسبوك، تمنح شبكة التواصل الاجتماعي قدرة أكبر على تحقيق مفهوم الديموقراطية على أجزاء من العمل الثقافي وبشكل آني. أجزاء فسيفسائية من المشهد الثقافي المعاصر، في مقابل ما تحققه جوجل من ترشيح مواقع بأكملها.

عند استعراض المشهد الثقافي، وقنواته الإعلامية في الخصوص، يتبين أن التقنية تقوم بتمكين أفراد المجتمع في ممارسة حقهم في الاختيار والترشيح بشكل أدق. فمن الاختيار الذي يقوم به القارئ للمادة الثقافية من خلال مطبوعة ما بممارسة التصويت ضمن ما يمكن أن يسمى ديموقراطية اقتصاديات السوق، تأتي تقنية جوجل وتويتر وفيسبوك بإعطاء القارئ حقه في التصويت خارج اقتصاديات السوق، أي دون أن يكلف القارئ التصويت ماديا. فإن كان كثير من المحللين يرون تحول الثقافة إلى شبكة التواصل الاجتماعي نوع من تمكين الفرد من صناعة مادته الإعلامية أو الثقافية بنفسه، فإن المحفزات والتحديات التي تقوم عليها صناعة المادة الثقافية في الإعلام التقليدي ومجتمع شبكات التواصل الاجتماعي لم تتغير كثيرا. فإن كان الإعلام التقليدي يخضع لاقتصاديات السوق، فإن شبكات التواصل الاجتماعي هي الآخرى تخضع لاقتصاديات المرشح.

الوسوم: