أرشيف الوسم: بيئة

رسائل الربيع المستعجلة

تصلنا رسائل الربيع في شتاء يخفي مخالبه. سينظر كل منا إلى ساعته وتقويمه السنوي: تأخر هذا الربيع الذي ما عدنا نفهمه جيدا، والآن جاءت رسائله في غير موعدها، رسائله التي تفوح برائحة الحقول والسكك الضيقة. سيختلف اثنان على موعد دخول المربعانية، ولن يغير ذلك من الأمر شيئا: رسائل الربيع تسقط على الطرقات كالياسمين فيخلع الناس ما عليهم من خريف وشتاء ليقرأوا ملامح الورد في الحروف، سيبحث قارئ جيد للتاريخ عن قلم ليكتب في دفتره الصغير عن السنة التي تعلم فيها الربيع الكتابة ورد على بريد المعجبين، ستبحث عائلة صغيرة عن حديقة تطل على بحر أو بحيرة ليتمرن طفلها الوحيد على ركوب دراجته دون عجلات رديفة. سيجد شاعر قريحته أكثر عافية في هذا الربيع المبكر. سيجد روائي عقدته الفنية التي كان يبحث عنها تحت ركام أوراق الخريف في طرقات السرد كمن يبحث عن مفتاح بيته داخل البيت. سيجد رسام لونه المفضل لحظة ما يطأ الربيع على طرف عباءة الشتاء فينكشف الخريف المعتق بلون جديد. سيتغير لون البادية أكثر من مرة: فمرة سيتفتح لونه كحقل قمح تجدله ريح الشمال، ومرة سيصبح داكنا كصخرة أمطرتها سحابة صيف شردت من قطيع الغيم الأسمر. سيميل نخيل وادي حنيفة إلى الغرب أكثر كأن الغروب يشد سعفه قليلا ليمشطه بأشعة الشمس. سيكون المناخ السياسي أكثر لزوجة وأبطأ حركة، لا الاتقافيات البينية تقدم حلولا للتحرك إلى الأمام أو إلى الخلف، ولا معاهدات السلام تفكك عقد التوتر بين أضلاع القضية. سيتضخم الاقتصاد أكثر، رغم كل العقوبات الاقتصادية التي تملأ العالم بأمل شفيف. وربما تمدد العشب ليخفي خطوط الجغرافيا الوهمية على ورق الخريطة، ليأكلها قطيع من الماعز يقوده رعاة حفاة صقلوا ناياتهم بعبير الربى. سيأخذ ساعي البريد إجازة مفاجئة ليملأ كيسه من بريد الربيع المستعجل ويأخذ زاوية نائية بين شجرتين عظيمتين ليقرأ رسائله رسالة رسالة:

.. الورد ينبت خجلا على خد رابية رأت نفسها في مرآة غيم صافية ..

.. خطي ربيعي لكن على لغتي أوراق الخريف ..

.. الشتاء نسيج من الهجر والجفوة تمزقه ابتسامة دفء حانية ..

.. أعد قهوتي برائحة البندق في انتظار أن ينتهي الشتاء من أعماله اليدوية ..

.. الخريف ما تبقى من الحزن والشوق في جوف الآنية ..

.. لكل الذين تحلقوا على النار هذا الشتاء، صورتي هذه السنة ملونة بالأقلام الخشبية ..

.. الربيع سماء مفرقة وقطعة حلوى وماء يجري في عروق القافية ..

الوسوم:

التلوث المعماري لمدينة الرياض

الرياض مدينة تنمو بسرعة سواء سكانياً أو عمرانياً. وهذا النمو السريع يأتي على حساب أمور كثيرة منها ما يمكن أن يسمى بالتلوث المعماري. فنحن نعرف أن الطرق المزدحمة قد تؤدي إلى تلوث صوتي، يسهم في تلوث البيئة كتلوث الماء والتربة والهواء. ودور العمارة في الحد من التلوث البيئي مطروح من خلال الترشيد في استخدام الطاقة والمساهمة في الحد من مخرجات العمران من النفايات وما إلى ذلك، كله يندرج تحت مفهوم العمارة الخضراء. إلا إنني لا أعني بالتلوث المعماري ما يخرج من هذه العمارة، بل ما ينتج من نظام العمارة نفسه بكل تحولاته وأثر ذلك في النسيج العمراني للمدينة منذ إنشائه حتى هدمه عند نهاية عمره الافتراضي.

ففي مدينة الرياض يمكن تلمس قماشة المدينة العمرانية بالنظر إلى الصورة الناشئة من تجاور البنيان على امتداده في كل اتجاه. فالعمران، مثلا، على جانبي طريق التخصصي الممتد من الجنوب إلى الشمال، يولد شريطاً عمرانياً متصلا يتكون ويتحول تدريجياً يوما بعد يوم: بناية بناية، رصيفا رصيفا، شباكا شباكا. وعند تفحص هذا النسيج، ستجد أن لملمسه خشونة تتناقض مع نعومة بيئته المحيطة به: تضاريس البادية الخالية من الزوايا الحادة تقريبا، وليل كعباءة البدوي مثقبة بالنجوم، ومشهد صحراوي خال من الكثافة. ستجد بالمقارنة على امتداد مدينة الرياض: زوايا حادة للهياكل العمرانية المكعبة، بياض مفرط في التفاؤل لا يبقى طويلا، كثافة ممتدة لا تنقطع إلا ببقع معزولة مليئة بالنفايات. هذا التناقض بين البيئة الهادئة المحيطة وهذه الواحة الإسمنتية يوحي أن تجربة التنمية العمرانية حتى الآن لا تقوم على مبادئ مشتركة مستمدة من التراث.

فبمقارنة مدينة الرياض القديمة والرياض الحديثة على مستوى الشخصية المعمارية سنجد إن البيوت توحي لمن يراها أنها طالت مع النخيل ونبتت من الأرض كما نبتت من الأكف الأنامل. فعمران الرياض القديم يشكل نسيجاً متكاملا من الأنماط المعمارية نتيجة لما له من بساطة وعفوية. البيوت أكثر التفافا، والطرقات أقل صرامة وأكثر استجابة للسياق الذي يحيط بها. يقابل ذلك ما للرياض الحديثة من صرامة معمارية تستجيب للمسطرة والفرجار على الورق ولا تستجيب للتلال والأودية على الأرض. الصورة الفسيفسائية المكونة من أنماط معمارية متباعدة روحا المتلاصقة مكانا هي ما يمكن أن نعرف به التلوث المعماري. هذا التلوث المعماري الذي لا يستجيب للنسيج السياقي المحلي المتنوع، إنما يستجيب لسياق خارجي يعيش غريباً بيننا.

الوسوم: ,

أسئلة خضراء

من يمسح عرق الظهيرة عن جبين طاحونة الهواء وهي تخفق الأكسجين في هواء قرية نائية في الشمال؟ قد يجيب رئيس البلدية: أنا منشغل بهندسة القرية عن هذه الشئون الصغيرة، فدعني وشأني.
ومن يوقف قافلة من المعدات الثقيلة لتمر دراجة هوائية يقودها طفل نحيل؟ قد يجيب شرطي المرور: عندما كنت في الكشافة كان حلمي أخف حملاً، أما الآن سأدعو الطفل أن يعود إلى بيته لكي لا يعطل قافلة التنمية.
وإلى أين تسافر الشحارير حين تقاطعها في الحقل حشرجة ماطور الكهرباء؟ سيجيب أستاذ علم الكائنات: ستذهب الشحارير إلى أقرب نبع يسك الغيوم وسائد بيضاء يطلقها كالمناطيد.
وبماذا تحدث الرياض نفسها عندما يخلع الغروب عباءته عن نخيل وادي حنيفة؟ سيقول صاحب مزرعة: سيعود الغروب غدا، فلماذا القلق؟
ولماذا يفك الأسفلت أيادي الحدائق المشتبكة ليمر مصنع صغير لإنتاج ثاني أكسيد الكربون بأربع عجلات؟ سيجيب صاحب محطة وقود: ليستمر شريان المدينة في الجريان.
ولماذا يكنس عامل مقهى إجابات الخريف القرمزية على أسئلة الصيف الزرقاء؟ سيجيب رحالة عابر يدعو إلى السلام العالمي: ليفتح الطريق للشتاء ليطرح ردوده البيضاء.
ومن يفك طوق المصانع عن عنق حقل صغير خائف كابن الغزالة؟ سيرفع شاب في آخر الصف إصبعه: لو تفرع النهر كما يريد مثل شجرة كبيرة لأصبح الريف قطيعاً من الحقول الملونة.
ومتى يحمي السرد رائحة الوردة من دخان المدن الصناعية؟ سيبتسم فيلسوف يحمل على عنقه نظارة طبية للقراءة: سينجح السرد في أن يكون مكيفاً لهواء المدينة حين يخلع قبعة الفضيحة ويلبس قبعة كبيرة من القش.
وكيف تجد الخراف طريقاً لصيد الكلأ، دون أن يروعها بوق سيارة تعترضها؟ ستطرح هذا السؤال معلمة الروضة على الأطفال وتطلب منهم أن يرسموا خريطة للمدينة.
وأين تجد البيئة مطبخاً نظيفاً لتعد وجبة فطور للطيور المهاجرة؟ سيخرج مسئول كبير خريطة من جيبه للوطن الكبير وينشرها على طاولة الاجتماعات الكبيرة ثم يشير بعد تردد: هنا أو هنا.

الوسوم: