النقد الكلي والجزئي

طرحت في مقالة سابقة مصطلح (الجودة التي لا اسم لها) وبينت أن هذا المصطلح يشير إلى غموض يصاحب فهمنا لجودة كلية شاملة لا يمكن تقسيمها إلى أجزاء، لذلك يستعصي وصفها. ومن عادة الباحثين على المنهج العلمي الذي وصفه ديكارت تقسيم الأشياء إلى أجزاء وعزل كل جزء ودراسته على حدة لفهم خصائصه. هذا هو المنهج العلمي المتبع عبر قرون، لكن يعيب هذا المنهج أنه يفقد فهم خصائص الكل الذي لا يمكن استنتاجها من الجزء.

وعند النظر إلى الشعر العربي، يمكن تتبع ملامح ما يمكن أن نطلق عليه (الجودة التي لا اسم لها) في كثير من النماذج الشعرية والمقولات النقدية المعتبرة من خلال العلاقة بين الجزء والكل. وكمدخل إلى مفهوم الجودة الجديد هذا نحتاج إلى النظر في الخصائص الكلية للأشياء في مقابل الخصائص الجزئية لها-باعتبار ذلك من سمات التعرف إلى هذه الجودة. وذلك لأن التعرف إلى (الجودة التي لا اسم لها) لا يأتي من دراسة الخصائص الجزئية بل من دراسة الخصائص الكلية أيضا. وعند مراجعة النقد القديم للشعر الكلاسيكي نجد أن المفاضلة بين الشعراء تأتي بالحكم في البيت والبيتين وبأحكام عامة ليست مجال مقارنة. فتجد عمرو بن العلاء مثلا، يصف الأعشى بالبازي الذي يضرب كبير الطير وصغيره، ثم يشبه جريرا بالأعشى، ويوزع الأمثال فيربط بين شعراء الجاهلية والإسلام، فنظير النابغة عنده الأخطل، ونظير زهير الفرزدق. والأمثلة لهذه الأحكام النقدية كثيرة في العصر الأول، وهي في الغالب نقولات شفوية وأحكام في سياق الإجابة عن سؤال عابر.

ظلت هذه النظرة تجري في ثنايا النقد العربي إلى عهد قريب مع تباين طفيف عبر العصور. ففي القرن الخامس الهجري قدم الجرجاني نظرية النظم التي يرى بعض النقاد المحدثين أن في هذه النظرية الكثير مما جاءت به البنيوية في النقد الحديث. إلا أن نظرية النظم كرست فهم علاقة الأجزاء ببعضها، الكلمة وما يجاورها، دون النظر إلى علاقة هذا التركيب على المستوى الجزئي بالسياق الكلي. وإن كان الجرجاني يحلل الإعجاز القرآني، إلا أن تطبيق هذا المفهوم في الشعر اقتصر على علاقة الكلمات وتجاورها ببعضها في البيت الشعري الواحد. فبنية القصيدة الكلاسيكية تعزز هذا المنظور كون عمود الشعر العربي يكرس استقلال البيت الشعري. فظل النظر إلى سر الإبداع في البيت الشعري وعلاقات الكلام ببعضه دون النظر إلى القصيدة كلها.

لكن عندما تغير نمط التفكير في العصر الحديث خرج كثير من الباحثين بنتائج جديدة وفي كثير من الأحيان مدهشة. من ذلك مقولات طه حسين في الشعر الجاهلي حين نظر إلى الشعر الجاهلي بحسبه وحدة متكاملة. وبغض النظر عن تفسيرات طه حسين للظاهرة التي رصدها، وهي التي جرّت عليه كثير من المواجهات العنيفة وقتها، إلا إن منهجية النقد الكلي أظهرت صورة جديدة لم يكن من الممكن الانتباه إليها من خلال النقد الجزئي المتبع سابقا. إن مفهوم (الجودة التي لا اسم لها) لا يمكن ملاحظته إلا عند ربط علاقات الأشياء ببعضها في منظور كلي. العلاقات هذه حين تجتمع في بيت أو في قصيدة أو مجموعة قصائد توحي في سياق كلي بجماليات لا يمكن التعرف إليها على حدة. ويبلغ ذروة تأثيرها في العلاقات الكلية الناتجة من ترابط الأجزاء ببعضها التي تكون شكلا أو انطباعا جديدا. وهذا الانطباع الجديد يحتاج تحليله وإرجاعه إلى بنيته الأصلية إلى منهجية جديدة.

الوسوم:

اكتب التاريخ على مهل

اكتب التاريخ على مهل، كأنك تعيد تركيب فسيفساء الحكاية في طبق مكسور ببطء، ولا تستمع إلى من يحاولون دفعك لتنتهي من مهمتك الصعبة، فالتاريخ ما فاتك، فلست معنياً بالمستقبل الذي يجيء راكباً بغلة التقنية. تأكد أن لديك ما يكفي من الحبر السائل وأقلام الخط المدببة من القصب الفارسي المنقوعة في ماء الورد، فالتاريخ لن ينتهي كما ادعى فوكوياما مرة في مقالته (نهاية التاريخ). حين تمد أشرعة الكتابة أطل رسم (بسم الله الرحمن الرحيم)، فلا تضغط كثيراً وأنت ترسم باء البداية في (بسم) ولا تستعجل في الانتقال إلى ألف (الرحيم) حتى تستكمل نون (الرحمن) استدارتها ببطء كشمس في طريقها إلى المغيب. اختر ورقاً أصفر لتصبح يدك غيمة تكتب على دفتر حقل قمح ذهبي. ولتكن لغتك أقل شاعرية من قصيدة في وصف الربيع، وأكثر نثرية من حركة الرمال. دع وصفك للأشياء يتداعى بعفوية مبتعداً بذلك عن أصول الكتابة الصحفية والأكاديمية حيث تولد التفاصيل من عقدة مكثفة في أول الكلام ككرة من الخيوط القطنية المتشابكة. حافظ على حرارة العاطفة في كل حرف تكتبه، لذلك لا تلهث وراء كل حدث يجري أمامك مثل ظبي، كن مثل النمر الذي ينتظر حتى يختار فرسيته متخفياً بين الحشائش والأشجار. إن كان الحدث سياسياً فانظر إلى الناس الذين يسيرون في السكك الضيقة في وسط المدينة، هل ما زالوا يبتسمون للغرباء الذين أضاعوا الطريق وهم يبحثون عن أسماء الشوارع بلا جدوى؟ هل يخرج الناس من أعمالهم متكاسلين في العودة إلى منازلهم كما هي عادتهم في كل بلد؟ هل يقرأ الباعة الصحف أكثر من الحديث مع زبائنهم؟ وإن كان الحدث اجتماعياً، هل ينفض الآباء النوم عن أكتافهم في الصباح الباكر ليأخذوا أولادهم إلى المدرسة؟ ليكن حبرك كحل يوسع حدق الحقيقة دون أن يغير لون عينيها. ودع كل شيء يمر حولك يتكلم عن نفسه: بكاء النساء يشد نياط القلب ويقفز من الصفحة كالمفرقعات، مآذن المساجد تصدح قبل أن تصل إلى وصفها في الصفحة التالية، وصرير المدرعات تطأ جذوع النخيل وأنت تقفل مدونتك السميكة. وإذا انتهى حبرك، فابتسم ليديك المرتعشتين من التعب واكتب اسمك بخط صغير في آخر الصفحة وقل الحمد لله رب العالمين.

الوسوم: ,

الجودة التي لا اسم لها

أن تكون الجودة التي تبحث عنها بلا اسم يعني اعترافك ضمناً إنك لم تستطع الوصول لحقيقة هذه الجودة التي تريد التعرف إليها، فلا يمكن لك قياسها، أو وصفها، أو إعادة إنتاجها، فيصبح الاسم بذلك وصفاً للمشكلة التي تتعلق بهذه الجودة لا دلالة إليها. ويصبح الاسم من مظاهر هذه المشكلة لا حلا لها. ويكون بذلك عدم اختيار الاسم اتهام للمصطلح نفسه، فقد يشير المصطلح إلى شيء ما، ثم ربما ينقلب المصطلح ليدل على الشيء ونقيضه، فيكون المصطلح خائنا للمعنى. لذا من الأفضل أن يحيد الاسم حتى يعرف المسمى جيداً.

أول من سك مصطلح (الجودة التي لا اسم لها) هو كريستوفر ألكساندر، أستاذ هندسة العمارة في جامعة كاليفورنيا (بيركلي). وألكساندر من الناقدين المتذمرين من مخرجات الحداثة وما بعد الحداثة التي تمثلت في معماريات عصره، واصفاً إياها بالقبح والسذاجة والإفلاس، وغيرها من النقود اللاذعة، محاولاً إعادة العمارة إلى عهد أكثر تناغماً مع الإنسان وسياقه الاجتماعي والروحي. ففي كتابه (الوسيلة الخالدة للبناء) حاول التدليل بأمثلة كثيرة على أوجه هذه الجودة التي لم يسمها. فتكون غالب أمثلته مستمدة من التراث، من البيوت القديمة والمعماريات العتيقة. يبحث في هذه البيوت عن حقيقة هذه الجودة فيجدها حاضرة بقوة بينما تغيب عن البيوت الحديثة وما يحيط بها من معماريات. وفي الأمثلة التي تدلل على هذه الجودة (الغامضة) يجد أنماطاً مشتركة رغم الاختلاف الحضاري عبر الزمان والمكان، ملامح خالدة موجودة في النسيج المعماري للمدن والقرى القديمة، نما هذا النسيج عبر عقود طويلة من التاريخ الإنساني عبر إضافات صغيرة وتداعيات شبه عفوية متواصلة.

يقابل ذلك النسيج المعماري الخالد، ثورة الحداثة المعمارية وما بعدها، بفعل التقانة التي أعطت الإنسان القدرة على النمو السريع والامتداد الأفقي والعمودي في البنيان. قدرة لم يمتلكها الإنسان من قبل. فكان من هذا الإنسان أن مزق هذا النسيج المعماري الخالد، فأصبحت الفردية تنعكس على المعمار، ففي كل مدينة رقع من الأشكال المعمارية المختلفة، تفتقد لهوية المجموعة وخاضعة لخيال الفرد. هذه الصورة التي يصفها ألكساندر لمعماريات عصره تمثل رفضاً للمنهجية التي يعبر بها مجموعة من المعماريين النافذين في مجتمع صناعة المقاولات، داعياً لأن يكون للإنسان المرتبط بهذه المعماريات دور أكبر في اتخاذ القرار في نوع العمارة التي يسكنها أو يعمل بها، لما لها من الأثر الروحي والاجتماعي على جودة حياته.

لا يحد ألكساندر مفهومه للجودة بمجال معرفي دون غيره، فليست هذه الجودة متعلقة بالعمارة فقط، بل ستجدها في نظام الأشياء: حركة الأنهار، غصن مثقل بالفاكهة، شمس تصبغ البيوت بلون الغروب. لكن هل يمكن مقاربة مفهوم (الجودة التي لا اسم لها) بكثير من مظاهر الإبداع الشعري القديم ومقارنتها بمنتجات الشعر الحديث؟ فالشعر العربي يملك مخزوناً معرفياً عميقاً يمتد من مئات السنين لتراث كرسه مبدعون ما زالت أعمالهم حية بعد رحيلهم، يشبه في ذلك التراث المعماري. يبدو لي إن في الشعر العربي قديمه وحديثه خصائص جمالية تستعصي على الوصف، فيحق فيها أن تسمى (الجودة التي لا اسم لها). ولعل ذلك يكون مبحثاً آخر.

الوسوم:

قمة اقتصاديات الأمل

١

ذكر الأمير سعود الفيصل في كلمة له أن الأسباب الحقيقية لهذا الشتاء العربي الطويل، الذي سمي مرة ربيعا، هو الفشل في تحقيق التنمية، هذا يعني إن الأنظمة التي تستثمر في نفسها لتعزيز قدرتها على حفظ النظام والانضباط فشلت في التزاماتها نحو المحافظة على تحرك عربة التنمية إلى الأمام. لكن ما الذي يجعل الشعوب تنتظر رغم أنها يمكن أن تستشعر هذا التعطل في مدة أقصر من التي أخذته لتتحرك وتغضب؟ إنه مخزون الأمل في دم الشعوب، فالخوف من اليأس يأخذ بيد الشباب ليرميهم من أعلى طابق للغضب. فالتنمية التي تتعطل بظروف داخلية أو خارجية تمثل ضغطا كبيرا على مستوى جودة الحياة. فما القمة التي تعقد لبحث التعاون في مجال التنمية إلا قمة في اقتصاديات الأمل.

٢

الأمل في (الوطن العربي) سكين يسافر في زبدة الخاصرة. مهرجان من الدم المتطاير، و الموت الحر يملأ المكان. هذا الأمل المعدني الرنان، الخاوي من أي شيء، هو ما تراه في أزقة مدننا العربية. الجامعات مصانع ل(المارشملو) الذي يحترق ساعة يخرج من علبته البيضاء المنمقة إلى العالم. الحرية غزال شرده الصيد الجائر، وما بقي منه تطارده الذئاب البوليسية. ليله مرصع بالرصاص لا بالنجوم. فالأمل عاطل من العمل، والشهداء يقتسمون رغيف الذاكرة تماما كما تقتسم المقاهي أرصفة المشاة في المدن العربية.

٣

كنا نقول لا نكبة بعد النكبة،

فتوالت النكبات وتساقطت الملكيات،

وكنا نقول لا نكسة بعد النكسة،

فتوالت النكسات وتساقطت القوميات،

وكنا نقول لا سلام ولا استسلام،

فتوالى الاستسلام وراء الاستسلام ولا سلام،

واليوم تتساقط الدكتاتوريات كحبات البلوط فنتعثر فيها في طريقنا إلى التنمية.

٤

إن من يصنع الأمل من الداخل أو يصدره من الخارج ينظر إلى هذه الفوضى العارمة ليقول إن ما يجري ليس سوى فوضى خلاقة. غير أن المتفحص لما نحن فيه من حال، سيجد أننا نحكم البيروقراطية في شئوننا بحذافيرها، وهي أكثر الأنظمة الإنسانية صرامة ضد كل أشكال الفوضى. فمن أين تجيء هذه الفوضى إذن؟ لا شك أن مفهوما جديدا يمكن أن نخرج به من هذا الواقع، وهو فوضى الفوضى الخلاقة. فلا يمكن الاتكال على خروج الشيء من اللاشيء، أو ما يبدو لنا عدما. هكذا ينظر إلى حركة التاريخ، مجموعة من الكواكب التي تتصادم مع بعضها لتنتج لنا كرة أرضية جديدة. إن هذه الصورة العدمية تضع الأمل بعيدا من التحقق، أعلى من أن يمشي مع الناس على الأرض، وهي الشر الذي يقف وراء هذه الفوضى غير الخلاقة.

٥

إن الأمل، وصناعته، لا يقف عند المعنى البسيط لمفردة (الأمل) وحسب. بل يتعدى إلى معان أخرى. فالأمل زيت محرك العزيمة القوي، وهو رياح سفينة الإبداع الشراعية أيضا، وطوق السعادة وكعبها العالي. الأمل هذا الاستسلام الطبيعي العفوي لتداعي الأشياء حول حركة الزمن في انتظار أسطورة المستقبل، هو ما يمكن أن يصنعه مقهى جديد، وقافية يتدلى من تويجها الشذى. إنه (الأمل) الذي باستطاعته أن يصنع من مدينة حجرية إلى واد من الكروم.

لكن إن كل ما حولك فخ لهذا الظبي الشريد، فما العمل؟

الوسوم:

اللغة العربية تلتف كالحلزون

١

تنكفئ اللغة العربية على نفسها كالحلزون كلما مر وحش التقانة المعدني. تختفي خلف حشائش الماضي كأي غزال مذعور. وكلما حاول الصبية الاقتراب منها هربت منهم لكثرة ما جرحتها أشواك التجربة. لذلك نحن بحاجة إلى مؤسسات لنحبس هذا الغزال الشرود ليقترب منه أطفالنا فيروه من قريب، ويلمسوا فروه الناعم ووجهه النحيل.

الكتاب والكتابة وخيال الكاتب سجن للكلمة. لن تنطلق الكلمات حرة مثل العصافير إلا من قفص الفم. ولغتنا تختبئ بين الأوراق الصفراء والكتب السميكة مثل كنز مدفون. وهي بذلك تترهل وتصبح أقل قدرة على الحركة والمناورة والهروب من وحشة الغرابة وفخ الماضوية. فعلى اللغة أن تسير في طريقها الطويل وإن تعثرت، وإن حاربت رياح التغيير بسيف من خشب، وإن لم تستطع أن تحبس أنفاسها في بحر الأخطاء الشائعة.

الشفوية أخت العفوية، فإن خرجت اللغة من الكتاب إلى السوق فعليها أن تمتزج بلهجة البلد، وتذوب فيها كقطعة سكر. فالكلمات التي تجري على اللسان تسافر كالعطر في المسامع، وتفتر كالوردة في دم الفكر. ولا حاجة لمراجعة الكلمة المقولة حين تنطلق من عنانها، فذلك ضد التلقائية التي لا تبال بلبس النعال بين غابة من البساطير المتجهمة.

٢

توجد مبادرات تعمل مثل مكيفات الهواء في الصيف، لدفع عجلة اللغة في آلة التنمية. مثل مركز الملك عبدالله الدولي لخدمة اللغة العربية، ومبادرة الملك عبدالله للمحتوى العربي، وارتباط كلا المبادرتين باسم الملك عبدالله لا يخلو من دلالة عميقة لأصالة متجذرة  في صاحب الإسم. لكن مع هذه المبادرات المؤسسية، تقوم اللغة على تفرد الفرد في غزل لغته الخاصة من خلال الكتابة والقول. فالفرد مؤسسة أخرى، يجب تنميتها بالإبداع. لذلك تعميق هذه الفرادة في استخدام اللغة تأتي من دعم الفنون التي تضيء اللغة بطريقتها الخاصة، كالشعر والرواية. فكل جائزة تشير بإصبع نحيل إلى عمل أدبي جيد، تقوم بتحريك فنجان التفرد والإبداع في الحياة اليومية. وعلى كل المؤسسات الرسمية أن تعترف بالذات المبدعة مؤسسة قائمة لدعم اللغة العربية.

٣

عصارة الشعر، كما تبدو لي، هي إضاءة ظلال المعاني التي تولد من حركة اللغة في المجتمع. فقوة اللغة تستمد من المجتمع وتظهر في الشعر. وإلى ذلك كان يشير ابن المعتز في قوله: فلا تعجل بذمي إن رقصي/على مقدار إيقاع الزمان. فأي مقالة في انحسار الشعر، هي مقالة في ذم المجتمع الذي لا يفهم لغته، ولا يريد أن يستكشف سلالة المعاني التي تلتف مثل خريطة جينية في جسد كل منا لحضارة تمتد عبر العصور. الشعر هو الرئة التي تتنفس بها اللغة، وعافية اللغة من عافية الشعر، وعلى المجتمع أن يحمي رئة اللغة من أن تعبأ بالكربون وعوادم الحداثة.

الوسوم:

رسائل الربيع المستعجلة

تصلنا رسائل الربيع في شتاء يخفي مخالبه. سينظر كل منا إلى ساعته وتقويمه السنوي: تأخر هذا الربيع الذي ما عدنا نفهمه جيدا، والآن جاءت رسائله في غير موعدها، رسائله التي تفوح برائحة الحقول والسكك الضيقة. سيختلف اثنان على موعد دخول المربعانية، ولن يغير ذلك من الأمر شيئا: رسائل الربيع تسقط على الطرقات كالياسمين فيخلع الناس ما عليهم من خريف وشتاء ليقرأوا ملامح الورد في الحروف، سيبحث قارئ جيد للتاريخ عن قلم ليكتب في دفتره الصغير عن السنة التي تعلم فيها الربيع الكتابة ورد على بريد المعجبين، ستبحث عائلة صغيرة عن حديقة تطل على بحر أو بحيرة ليتمرن طفلها الوحيد على ركوب دراجته دون عجلات رديفة. سيجد شاعر قريحته أكثر عافية في هذا الربيع المبكر. سيجد روائي عقدته الفنية التي كان يبحث عنها تحت ركام أوراق الخريف في طرقات السرد كمن يبحث عن مفتاح بيته داخل البيت. سيجد رسام لونه المفضل لحظة ما يطأ الربيع على طرف عباءة الشتاء فينكشف الخريف المعتق بلون جديد. سيتغير لون البادية أكثر من مرة: فمرة سيتفتح لونه كحقل قمح تجدله ريح الشمال، ومرة سيصبح داكنا كصخرة أمطرتها سحابة صيف شردت من قطيع الغيم الأسمر. سيميل نخيل وادي حنيفة إلى الغرب أكثر كأن الغروب يشد سعفه قليلا ليمشطه بأشعة الشمس. سيكون المناخ السياسي أكثر لزوجة وأبطأ حركة، لا الاتقافيات البينية تقدم حلولا للتحرك إلى الأمام أو إلى الخلف، ولا معاهدات السلام تفكك عقد التوتر بين أضلاع القضية. سيتضخم الاقتصاد أكثر، رغم كل العقوبات الاقتصادية التي تملأ العالم بأمل شفيف. وربما تمدد العشب ليخفي خطوط الجغرافيا الوهمية على ورق الخريطة، ليأكلها قطيع من الماعز يقوده رعاة حفاة صقلوا ناياتهم بعبير الربى. سيأخذ ساعي البريد إجازة مفاجئة ليملأ كيسه من بريد الربيع المستعجل ويأخذ زاوية نائية بين شجرتين عظيمتين ليقرأ رسائله رسالة رسالة:

.. الورد ينبت خجلا على خد رابية رأت نفسها في مرآة غيم صافية ..

.. خطي ربيعي لكن على لغتي أوراق الخريف ..

.. الشتاء نسيج من الهجر والجفوة تمزقه ابتسامة دفء حانية ..

.. أعد قهوتي برائحة البندق في انتظار أن ينتهي الشتاء من أعماله اليدوية ..

.. الخريف ما تبقى من الحزن والشوق في جوف الآنية ..

.. لكل الذين تحلقوا على النار هذا الشتاء، صورتي هذه السنة ملونة بالأقلام الخشبية ..

.. الربيع سماء مفرقة وقطعة حلوى وماء يجري في عروق القافية ..

الوسوم:

البيوت

البيوت على وجهها حزن المسافر حتى يعود ومسحة الظل الصموت. ربما تؤنسها نخلة طويلة لا تفكر في غير انحناءة الوادي والحنين الذي يشدها إليه مذ كانت فسيلة بانتظار المطر. تطوف البيوت ببطء مثل السحابة دون أن يحس بها سكانها وهي تشد الطريق كحبل لعل تائها يمسكها في الليل فتدله.

للبيوت دكنة مسحتها السنين على ملامحها المجعدة بالطين والحجر. قد يحسن المعماري استدارة زواياها، ويجنبها حدبة في السقوف، وعطلا من النقوش، فإن لم يحسن ذلك كله، أو أي منه، فستبرد البيوت أطرافها بالقمر، وتفتح للريح نوافذها لتستدير الزوايا المدببة رويدا رويدا. والبيوت تعجن سكانها باستدارة التجربة حول وتر الشوق. نوافذها عيون زرقاء تطل على بهو الروح. فهي تتكور حول نفسها في الليل من قلة الزائرين وبرد المسافة. فقد يضع عابر وردة على جدار البيت تذكره بحديقة ما، فيفوح البيت بالذكرى، فيضع البيت عنوانه في جيب ذاكرته لعله يعود مرة أخرى.

والطفولة تعلق أسماءها على مزاريب البيوت، وتترك ألعابها على عتباتها فقد تفتح الباب أم حنون تلقف ما تبقى من شقاوتها وتكنسه تحت سجادة دفء الأمومة. والبيوت الصغيرة تجلس القرفصاء وهي تسند بظهرها دراجة حمراء لشاب لا يجيد قيادة السيارة، لكنه يجيد فك الرسائل المشفرة. على التلال تبدو البيوت طيورا محنطة توشك أن تطير، تسربلها الشمس بالذهب الأحمر. عجائز يجلسن لنشز شرشف الغروب تقية من ليل بارد يوشك أن يلقي سلاسله عليهن. وحين يوشك الفجر أن يسل خيوط الليل من أنامل الأمس، تصحو البيوت لتصقل نوافذها بزبد البحر، بانتظار غروب جديد.

الوسوم: ,

الأمير سلمان وجائزة التراث العمراني

توافق طرح موضوع التلوث المعماري لمدينة الرياض في المقالة السابقة مع منح الأمير سلمان بن عبدالعزيز جائزة الإنجاز مدى الحياة في مجال التراث العمراني التي نالها نظيراً لجهوده في المحافظة على التراث العمراني وإثرائه. وكان الحديث عن ملامح هذا المصطلح المجازي، ولم أذكر ما خالف هذا النمط من النماذج العمرانية التي تستوحي جمالياتها من التراث والسياق المحلي. وعند استعراض هذه الأمثلة في مدينة الرياض تحديداً تتشكل لدينا أنماط عمرانية متقاربة تمتد عروقها من جذور تاريخية راسخة وجماليات أصيلة، كلها ترتبط بالأمير سلمان بأكثر من وجه.

فإضافة إلى الوجه الإداري الهيكلي المتمثل في مؤسسة مثل الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، يظهر لنا وجه آخر يعرفه من عمل مع الأمير سلمان عن قرب، وهو رؤيته للسمة التراثية التي على العمران الحديث أن يكتسي بها. سيجد كل زائر للرياض هذا الوجه العمراني جلياً في مشاريع كبرى مثل حي السفارات ومركز الملك عبدالعزيز التاريخي ومنطقة قصر الحكم. هذا النسيج العمراني المتين، غير المتصل مكانياً أحياناً، المتصل فكرياً، يمثل رؤية جمالية لعمران مدينة الرياض الحديث تقف معترضة لأنماط عمرانية أخرى تمثل التلوث المعماري الذي أشرت إليه سابقاً.

فعند النظر إلى اللون الأديمي الذي يكسو هذه المعماريات، يتضح لنا الانسياب الجمالي الذي يحدثه اللون مع التربة والأفق. يقابل ذلك المعماريات الزجاجية التي تشكل ما يشبه المرايا الحرارية في مدينة معبأة بالشموس. فمن أهم ملامح النمط المعماري لمشاريع مثل قصر الحكم، هو إعادة انتاج التراث من خلال وسائل البناء الحديث. فمن ينظر إلى مدينة الرياض القديمة، وأنماط البناء التي ما يزال بعضها قائماً، يرى أن المعمار الطيني أنتج نمطا من الانحناء العفوي غير المنتظم في الزوايا والمنائر نتيجة للتقنية البسيطة التي كان يستخدمها البنَّاء. هذه الانحناءات العفوية أصبحت سمة معمارية تراثية توحي بعفوية أقرب إلى طبيعة الإنسان القديم من الأشكال الهندسية المنضبطة التي جاءت نتيجة للتطور الهندسي الحديث. فمع بقاء هذه العفوية في أمثلة عمرانية متفرقة، إلا أن إعادة انتاج التراث لم تمنع من تمثل العصر الذي انتجت فيه هذه العمارة. فقد حافظت هذه الدقة الهندسية الحديثة ما للعمارة التراثية من بساطة، تتمثل في الأشكال الهندسية المنقوشة على الواجهات، والمثلثات التي تزين المنائر. ومع إعادة انتاج التراث المعماري في سياق التطور الهندسي نتجت عمارة تقترب في كثير من سماتها بالعمارة الإسلامية التاريخية في أوج تطورها، كالعمارة الأندلسية مثلاً.

إن منح جائزة مدى الحياة في مجال التراث العمراني يعد تتويجاً للرؤية الجمالية التي يمثلها الأمير سلمان من خلال المشاريع الكبرى التي تعيد تشكيل مشهد الرياض الفسيفسائي بعمارة أكثر نقاء وعذوبة، تقابلها أشكال عمرانية كدرة تمتد بطول الرياض وعرضها. فهذه الجائزة فرصة لإعادة النظر في الأساسيات الجمالية التي تقوم عليها عمارة مدينة الرياض، انطلاقاً من مقارنة ما تمتلكه عمارة الرياض الحديثة من قيم جمالية تراثية، مع ما تسرب إليها من قيم جمالية مجلوبة تسربت إلى مشهدنا المعاصر من مسام الحداثة.

الوسوم:

التلوث المعماري لمدينة الرياض

الرياض مدينة تنمو بسرعة سواء سكانياً أو عمرانياً. وهذا النمو السريع يأتي على حساب أمور كثيرة منها ما يمكن أن يسمى بالتلوث المعماري. فنحن نعرف أن الطرق المزدحمة قد تؤدي إلى تلوث صوتي، يسهم في تلوث البيئة كتلوث الماء والتربة والهواء. ودور العمارة في الحد من التلوث البيئي مطروح من خلال الترشيد في استخدام الطاقة والمساهمة في الحد من مخرجات العمران من النفايات وما إلى ذلك، كله يندرج تحت مفهوم العمارة الخضراء. إلا إنني لا أعني بالتلوث المعماري ما يخرج من هذه العمارة، بل ما ينتج من نظام العمارة نفسه بكل تحولاته وأثر ذلك في النسيج العمراني للمدينة منذ إنشائه حتى هدمه عند نهاية عمره الافتراضي.

ففي مدينة الرياض يمكن تلمس قماشة المدينة العمرانية بالنظر إلى الصورة الناشئة من تجاور البنيان على امتداده في كل اتجاه. فالعمران، مثلا، على جانبي طريق التخصصي الممتد من الجنوب إلى الشمال، يولد شريطاً عمرانياً متصلا يتكون ويتحول تدريجياً يوما بعد يوم: بناية بناية، رصيفا رصيفا، شباكا شباكا. وعند تفحص هذا النسيج، ستجد أن لملمسه خشونة تتناقض مع نعومة بيئته المحيطة به: تضاريس البادية الخالية من الزوايا الحادة تقريبا، وليل كعباءة البدوي مثقبة بالنجوم، ومشهد صحراوي خال من الكثافة. ستجد بالمقارنة على امتداد مدينة الرياض: زوايا حادة للهياكل العمرانية المكعبة، بياض مفرط في التفاؤل لا يبقى طويلا، كثافة ممتدة لا تنقطع إلا ببقع معزولة مليئة بالنفايات. هذا التناقض بين البيئة الهادئة المحيطة وهذه الواحة الإسمنتية يوحي أن تجربة التنمية العمرانية حتى الآن لا تقوم على مبادئ مشتركة مستمدة من التراث.

فبمقارنة مدينة الرياض القديمة والرياض الحديثة على مستوى الشخصية المعمارية سنجد إن البيوت توحي لمن يراها أنها طالت مع النخيل ونبتت من الأرض كما نبتت من الأكف الأنامل. فعمران الرياض القديم يشكل نسيجاً متكاملا من الأنماط المعمارية نتيجة لما له من بساطة وعفوية. البيوت أكثر التفافا، والطرقات أقل صرامة وأكثر استجابة للسياق الذي يحيط بها. يقابل ذلك ما للرياض الحديثة من صرامة معمارية تستجيب للمسطرة والفرجار على الورق ولا تستجيب للتلال والأودية على الأرض. الصورة الفسيفسائية المكونة من أنماط معمارية متباعدة روحا المتلاصقة مكانا هي ما يمكن أن نعرف به التلوث المعماري. هذا التلوث المعماري الذي لا يستجيب للنسيج السياقي المحلي المتنوع، إنما يستجيب لسياق خارجي يعيش غريباً بيننا.

الوسوم: ,

سبع فوائد من وجود جغرافيا للشر

الفائدة الأولى، حتى وإن كانت الحدود خلافية مرسومة بعصا نحيلة على الرمل، يمكن محوها بقدمك وأنت تسير عصرا في يوم جميل، فإن وجود الشر جغرافيا على الخريطة يعطي مصداقية لحقيقة وجوده. فتستطيع معاينة حركته الصباحية والمسائية، وطبيعة اللغة التي يستخدمها للتعبير عن نفسه في مؤتمر عالمي لمحاربة الفقر، مثلا.

الفائدة الثانية، أن الشر يمكن أن يكون عملا مؤسسيا من خلال نظام عنصري دموي. فنظام مثل هذا يمكن أن يمارس مهمته بكفاءة عالية، ومن الممكن قياس انضباط أفراده في تنفيذ أهداف المؤسسة أيضا، وما يتحلى به أعضاء هذه المؤسسة من أمانة وإخلاص في تأدية المطلوب منهم بما يحقق الأهداف والرؤية المستقبلية المعلنة للنظام.

الفائدة الثالثة، أن الجمال الظاهري لا يعكس بالضرورة قبحا داخليا يليق بالشر في هيئته المؤسسية والمستقرة على الخريطة. فقد تقضي وقتا جميلا على الساحل في نطاق الشر الجغرافي دون أن تشعر بوجوده من حولك. وقد تخونك فطنتك من أن تراه يمر من جانبك في سوق شعبي مزدحم بعيدا عن نطاقه الجغرافي المعروف.

الفائدة الرابعة، أن للشر اقتصادا عندما ينتقل من صورته المعنوية إلى صورته الجغرافية. ولهذا الاقتصاد ديناميكية لا تختلف كثيرا عن غيره من الاقتصاديات الأخرى سواء ديناميكية الاقتصاد الجزئي منه أو الكلي. لكن لا تعول كثيرا على دور الأخلاق كثيرا في اقتصاد مثل هذا يركب الشر فيه دراجة هوائية صديقة للبيئة في الطريق إلى مفاعل نووي سيفجر العالم.

الفائدة الخامسة، أن الشر حين يحل في الجغرافيا يفرخ أطفالا غير مجازيين، يركضون إذا وجدوا مساحة مفتوحة في سماء يوم أزرق، ويعثرون كما يعثر أي طفل في عامه الثاني في أي مكان آخر. لكن للشر طريقته في إخفاء أنيابه وراء ابتسامة طفل مليء بالعافية، وهو يعرف كيف يجعل من الطفل فاتحة لحديث عابر مع غرباء تائهين في زحمة مدينة كبيرة.

الفائدة السادسة، أن للشر قدرة على الرواية التاريخية ينفذ منها إلى الجغرافيا من ثقوب السياسة. فالشر يستطيع أن يستفيد من آليات الاقناع المتوفرة للجميع كاللغة والمنطق والفن، وربما تفوق في استخدامها. فقد يكون للشر شعراء مَهَرة يجيدون ثني الكلام وتدجين المجاز، وقد تكون له مؤسسات أكاديمية لأعضائها صور فوتوغرافية جذابة توحي لمن يراها بالحضارة والمدنية.

الفائدة السابعة والأخيرة، أن للشر أقنعة كثيرة ووجود جغرافيا له يسهل من رؤية أصحابه وهم يخلعون الأقنعة عند دخولهم إلى أجوائه الإقليمية. فتخلع الأقنعة عند المصافحة والعناق الحار، وتخلع الأقنعة عند تبادل النكات وسماع الضحكات الصادقة، وتخلع الأقنعة عند اقتسام كعكة كبيرة في حفلة خيرية لجمع التبرعات لضحايا حقول الألغام.

الوسوم: