ديوان هكذا أرسم وحدي

أسئلة

أأعرض نفسي على شرفات الرياضِ،
وأحمل وجهي المفرق بين البياض بياض الصباح
وبين السراب سواد السرابْ؟

أأملأ كأسي حليبا؟
ويشتعل الكأس بين يدي لهيبا
لأني أطحت بدمعة حزني على الكأس حين أردتُ الشرابْ

أتبقى يداي مكبلتان بدمع من الثلج ثار حريقا،
وبيني وبين الصقيع كلام وبابْ؟

أأبقى أحب الذي لا يحب؟
وأزعم أني أحب ولو كنت في الحب بين الحضور وبين الغيابْ

أبعد الذي قد سمعت تظنين أني جدير بحبكِ؟
يا من ملأت يدي زبيبا
وهدهدت قلبي ليغفو على غرفة في السحابْ

الطريق إلى البيت

إنني متعبٌ وقلبي طريدُ
أملي طائر وحزني بريدُ

شجري ظل واقف في القوافي
وحروفي سهامها لا تميدُ

الطريق الذي يؤدي إلى روما
جديد وليس فيه جديدُ

فالذي يقلب الكلام كلام ٌ
والذي ينشر القصيدة عودُ

والذي يقرأ القصائد يبكي
والذي يملك الجواب يسودُ

ليس كل الذين يبكون يشجيهم
غناء أو منشد غريدُ

صاحبي يحفظ الحكاية لا يمشي
كمشيي وقلبه لا يجودُ

إذ يغني وصوته نبرة ٌ
محروقة بيتاً زانه الترديدُ

يتسلى بلؤلؤ عقده من
نظمه بيت زانه التعقيدُ

عاد من شعري ليس في حاجةٍ
للشرح لكنني اراه يعودُ

قلبه شعر غامض ياسمينٌ
فيه بيت ومطلع مفقودُ

طرفه فيه كسرة بينما عيناهُ
مكتوم فيهما تنهيدُ

شمسه نامت عند شمسي التقينا
صوته صوتي وارد مورودُ

واختلفنا على المعاني طريقٌ
واحد قصدنا وبيت وحيدُ

بعض قلبي له عدو وبعض ٌ
كصديق جافٍ وبعضٌ عميدُ

تحت ظل فرشته ليراني
نام عني وحبله مشدودُ

نائم تحت وابل لا يبالي
جاده الغيث أم طوته البيدُ

فكره واقف عن الفكر لا ادري
لخوف ام انه لا يريدُ

يكسر الأقلام التي في يدي
ظنا بأني بغيرها لا أجيدُ

لا يجيد الإبحار في الليل لا
يدري أفي الخوف مأمن ووجودُ

بيننا عشبة يراها جداراً
ويرى غير ما ارى ويزيدُ

كلما قلت ههنا مستقرٌ
خط رسماً وقال هذي الحدودُ

***
صاحبي يستمر غيمي مرايا
للمراعي ونرجس يستفيدُ

زحام

قلبي يتعلق بالأحلام ويعشق وجه البحرْ
يتفطر مثل تويج الزهرْ
يمشي فوق البحر ِ
ويسقط في ماء النهر ِ
ويعشب مثل الصحراء إذا عاجلها غيمٌ مشتاقْ

قلبي يتساقط منه التفاح على سطح المكتبْ
يتدحرج فوق الأوراق ْ
ويذوب على ضوء المصباحْ
تتشربه الصفحة كالإسفنج ْ
وسكاكين تدعى أقلاماً تملأ وجه الصفحة بالشاماتْ
شامات الشعر على الأطباقْ
وعلى شفة الإبريق المنضود لحفلة شاي بعد العصرْ
تحت السجاد الإيراني هنا بعض الأبياتْ
كشظايا الفنجان الصيني المكسورْ

قلبي يتمطق ُ من طعم الحبِّ الحلو الحامضْ
يتعرقُ في هذا الحمام التركي ويأخذ شكل الأيامْ
مظلوم هذا القلب ومجنون كالأطفالْ
محمولٌ كالزورقْ
يتهادى بين البيرق و البيرقْ
يتخطى كل الحراس ولا يغرق ْ

قلبي يتفتق هل تسمع أصوات الأبوابْ
هل تسمع أصوات السيارات ْ
الناس يمرون على قلبي كمحطة بنزين
ويمرون َ كأسراب النورس ِ أسراباً أسرابْ
منهم من ينسى في قلبي قلباً
من ينسى في قلبي قمراً ،
قنينة طيب ٍ من باريس ، وينسى باريس ، يطوف بقلبي أياماً أعوامْ
ينسى أني من قلبٍ
فيمر على درجي ودفاتر أحزاني من دون كلامْ
ويقلب أوراقي فيثير الحبر ، يثير الأقلامْ

قلبي يا صاحْ
مفتوح لجميع الزوارْ
حتى السياحْ

في الليل أنفض قلبي وأكنِّس آثار الأقدامْ
وأرتب كرسياً للقادم في الصبح ِ
القادم من جزر الأحلامْ

فوضى

حطمت ِ الميزانْ
وقتلت ِ بقلبي ما كان يسمى بالإنسانْ
فجعلتُ أحقق في الأمر أسائل من حضر البركانْ
من أبصر هذا الظلم ومن شهد العدوانْ
سار التحقيق كنار طالت كل البلدانْ
طال الغضب البحَّارة والخلجانْ
طال الغضب رغيف الخبز و طالَ السلطان ْ
الناس يسيرون الآن حفاة ً فوق رمال الصحراء وفوق مياه الشطآنْ
أفراد الجيش يثيرون الشغب ويبدون العصيانْ
الناس هنا في كل مكانْ
الكل يندد بالهجر يطالب بالإذعانْ
في المنزل في الشارع في الميدانْ
في كل مكانْ

هلَّا عدتِ أيا فيروز القلب ويا توت البستانْ
هلَّا عدت ِ فإني ما عدتُ أنام من الهجرانْ

صدفة

أتيْتيني على غفْلَة ْ
و كنتِ الطفلةَ الطفلة ْ
فكُنْتيني

دخلتِ القلبَ بالصُّدفة ْ
وكانت دمعتي غُرفَة ْ
ستُؤويني

أخذنا الحبَّ بالقوة ْ
أكان الشوقُ يا حُلوة ْ
سَيُنهيني

زرعتِ العشبَ في صدري
أكانَ العمرُ يا عمري
سَيَكْفيني

قتلتيني برمشيكِ
وقد قلتِ بعينيكِ
ستحييني

أشهداً ذُقْتُهُ خمراً
أدمعاً سالَ أم نهراً
من الطينِ

أذقتينيهِ أم ذقنا
أكأسٌ أنتِ أم سكنى
سكنتيني

أعينيكِ لي المرآةْ
سقتني الآهَ و الأوّاهْ
و تسْقيني

أتبقى رحلةَ الطيبِ
بأنفي رحلة الطيبِ
و تُبقيني

تركْتيني على الوردَةْ
لبعدٍ يشتكي بعدَهْ
ويشكوني

يمرُّ الوقتُ من عندي
من الصين إلى الهندِ
إلى الصينِ

من الخيمةِ للخيمةْ
تركتيني على الغيمةْ
تركتيني

إلى أين إلى أينَ
تركتِ القلب و العينَ
بلا لينِ

على دربٍ يعنّينا
سيُبكيك و تمشينا
و يبكيني

تعليق على ما حدث البارحة

وتبادلنا الصور التذكاريةْ
وجلسنا تحت النور نحلل بعض اللقطات العفويةْ
وندقق في اللمسات الديكوريةْ
نوار الوجه
ولون العينين
وخصلات الشعر المتدلية المعقودة
كالدباي على وجنتك القمريةْ
أثر المكياج على بسمتك الذهبيةْ
وبريق العدسات اللاصقة الشفافة في عينيكِ اللوزيةْ
صوري في البحر ورجلاي مغطستان بأمواج الحريةْ
رأسي المتدلي بين أناملك العاجيةْ
وجهي وأنا أتململ من جلسات الطرب الليليةْ
…………………..
…………………..
وأنا في غمرة ذلك بين الصور المرميةْ
أرسلت يديك لبعض الصور المخفيةْ
تلك المدسوسة داخل جيبي الأيمن من سترتي الشتويةْ
ومددت يديك بكل فضوليةْ
وكشفت السر المخفي سنيناً
أني صاحب أجمل قصة حب في الكرة الأرضيةْ

خمس أغان قيسية

1
مجنون لو ضيعت مكان الكنزْ
أو لو مزقتُ خريطة أحلامي
وحفرتُ لها قبراً في قلب الأوهام ِ
أو لو أحرقتُ أكاليلي
إني مجنونك وحدك يا ليلى
رغم الأشعار ورغم الظلم المجنونْ
إني مجنونك يا ليلى
بين العذال وبين مواويلي
لكن
وأنا مشحون بالألحان ِ

وبالأطيافِ
وبالأفكارْ
ما بين الصخر وما بين النهرين ِ
وفي العتمة ْ
أشعلت ُ لديك قناديلي

2
أخشى من ظلم هواك ولا أخشى حد السيفِ
إني أهواك ولا أخشى نزف الخوفِ
إني أبكي .. أبكي
هلَّا استجوبت مناديلي !

هلَّا تابعت مشاويري
لتري جرحي المسكين على ثوبي
وتري أحلامي تشكوكِ
وتضيئي مشكاتي
وتديني كل أقاويلي

3
آه لو تدرينا
آه لو أدري كم أهواك وكم أشقى .. هل تشقينا ؟!
في الأمس وصلت إلى الشام ِ
ووصلتُ إلى أعماق مجاهيلي
وبعدتُ ، بعدتُ ، بعدتْ
عنكِ
كالأمواج ِ
يرميني النهر إلى البحرِ
يرميني البحر إلى البحر ِ
للشاطئ أو للمجهول المجهولِ
يرميني في عين الشمس ِ
وأعود شهاباً في الليل ِ
موصولا ً بالغيمات ِ
ومحمولا ً بالنور من القدمين إلى الرأس ِ
والليل ينادي لي !

4
رمل الصحراء ينام على كفي
ونخيل الأيام ِ
وكلامي يكسر أقلامي
فأخط على الرمل اسمك بالعيدان ْ
من دجلة للنيل ِ
وأهيم على وجهي بين الطرقات ِ
وأمشي في الأسواقْ
وأقص حياتي للأطفال و للعشاقْ
أهذي
أتعلم فن التمثيل ِ

5
لليل مكان في قلبي
وأسمي الصبح به ليلى !

ليل العاشقين

عشقوا وما عرفوا
أن الهوى تلفُ
وبقت معلقة
من حبهم تُحَفُ
غنوه واستبقت
في نشره الصحفُ
نهوند قافية في
ظلها عزفوا
نظروا وقد ذهلوا
بهوىً به اعتكفوا
بكوىً مرقعةٍ
نظروا وما صرفوا
تعمى عيونهمُ
أو ترفع السجفُ
ذكرى دنت لهباً
من ليلة ارتجفوا
هذا الذي رفلوا
في ثوبه ونُفُوا
هذا الذي ضعنوا
سهدوا، بكوا، كلفوا
جرحوا بما جرحوا
نزفوا الذي نزفوا
هذا الذي وصلوا
وصلاً له وجفوا
من أينما رقدوا
وبأيما التحفوا
لم تغن من ظمئٍ
بظلالها السعفُ
لم يبكهمْ حجرٌ
أبكاهمُ الصدفُ
من أينما انطلقوا
عادوا وما انتصفوا
وافاهمُ جبلٌ
من أينما انعطفوا
ما همهم ألم
ما ضمهم أسفُ
ما زال يجمعهم
في ملكه كنفُ
لا زال يشعلهم
هذا الذي ألفوا
لا زال يسكرهم
هذا الذي رشفوا
بدموعهم برقوا
ببريقه كسفوا
ببكائهم عمروا
وبحزنهم رصفوا
ولعشقهم رحلوا
ولعشقهم وقفوا
منعوا وما امتنعوا
صرفوا وما انصرفوا
سحروا وما سحروا
قطفوا وما قطفوا
خطُّوا فما كتبوا
إلا وقد حذفوا
عكفوا على الهدب
المبلول ما عكفوا
بقلوبهم سجنوا
أغلالهم أنفُ
إن لم يكن قمرٌ
في الشوق ما غرفوا
إن لم يكن سفرٌ
في الدمع ما ذرفوا
إن لم يكن سهرٌ
في الحب ما احترفوا
فلمن إذاً حنثوا
ولمن إذاً حلفوا
ولمن إذاً همسوا
ولمن إذاً هتفوا
ولمن إذاً طربوا
ولمن إذاً وصفوا
هل كان ما سفكوا
في الحب واقترفوا
ما سال من دمهِم
غدراً وما رسفوا
ما كذبوه وفي
العينين ماعترفوا
كل الذي فعلوا
من أجله حشفُ؟!
بالقلب ما غمروا
هجراً وما كشفوا
ما أسهموا لهمُ
طرفاً وما طرفوا
ما خلفوا قصصاً
تحكى وما خلفوا
سهم التي جُرِحوا
عين التي شغفوا
كل الذي شهدوا
في حبهم ترفُ؟!
عشقوا وما عرفوا
أن الهوى تلفُ

الهدهد

يأتيني الهدهد بعد صلاة الفجر ْ
فيحط على غصن الزيتونْ

في عينيه الملأى بالدمع أرى مكتوباً من ورق البردي ملفوف
بشريط أسود حول النصف ْ
فأقول له ما الأمرْ ؟
ما الأمرْ ؟!

[ كالسهم النافذ في طبقات القلب ْ
كالموج الهادر يضرب وجه الصخرْ
كالليلْ
كالبحرْ ! ]
يلقي مكتوب الهجر ْ !
……………………………….
……………………………….
مكتوبكِ آخر أمر يصدر بعد الفتحْ
أن أرجع كل الجند إلى ما خلف الخلفْ
أن أبقى بعدكِ أحكي للقبطان لماذا اخترتُ البحرْ

شاهدت جرحي واقفا

في قلبي الشهدُ كم من جرة كسروا
وكم بقلبي رشاً من دمِّها سَكِروا

غنَّوا له صوتُهم ريحٌ فما عزفوا
لحناً يدندنُهُ في حُزْنِهِ وترُ

خَطُّوا له، حِبْرهمْ ماءٌ، فما نقشوا
شيئاً ليحفظَهُ في جذْعِهِ شجرُ

ولا أضاؤوا فوانيساً بساحتِهِ
سقوهُ أعذبَ ما يبكي به حجرُ

و قطَّعوا ما تبقَّى من سحابتهِ
و أشعلوا زيتَهُ من بعد أنْ ظهروا

ذاقوا وما ذقتُ إلا مرّ قافيةٍ
تحتَ اللسانِ وفي الفَودينِ تستعرُ

العابرونَ دمي مجْذافهم هدبي
المحرقون أغانيهم و قد عبروا

حِنَّاؤهم من دمي فنٌّ ومن عنبي
كحْلٌ ومن مقلتي يُسقون ما عصروا

على ليالٍ مضتْ من أيِّ نافذة
نظرتُ شوقاً رأيتُ القلب ينكسرُ

فلا وقفتُ على أطلال ذاكرةٍ
إلا تلألأ في أسْمالها أثرُ

ولا مررتُ بها إلا وفاح لها
شوقٌ ورفرفَ في أجْفانها سفرُ

وما نسجْتُ على أستارها لغةً
إلا و ثقَّب في أستارها النظرُ

بكيتُ لم تبقَ من عينيَّ زاويةٌ
إلا لها دمعةٌ في الركن تنتظرُ

ولا سرى بعدهم فكري براحلةٍ
إلا يُظَلِّلُهُ في سيره سهرُ

فإن تكسَّر كوبي كل سوسنةٍ
كوبٌ وكلُّ هوى من بعدهم خطرُ

غداً سأمحو التضاريسَ التي نزلوا
و أدفن الماءَ و البئرَ الذي حفروا

نوارسٌ تركتْ في شاطئي أثراً
لتَمحُهُ موجةٌ أو يُجِلِه مطرُ

و زهرةٌ نَشرتْ في الصيفِ مهجتَها
يأتي عليها شتاءٌ ثم تنتحرُ

و نسمةٌ أخطأت عنوانَ ساقيةٍ
لتلتقي دمعةً في الرمل تنتشرُ

أحلى الفراقِ فراقٌ لستَ تفهمُهُ
كالغيمِ يأتي ظلالاً ثم ينحدرُ

زنبقة

رسمتك الأن حولي مثل زنبقة
نمت على مفرقي ساق على ساقِ

من نجمة فضة سالت على جسدي
وأسلمت ومضة سارت بخفاقي

حفرت إسمك نقشا فوق طاولتي
فأنبتت عشبها من ضفة الساقي

أطرقتُ في روحك العذراء ما طرفتْ
عيني ولا رف جفني بعد إطراقي

رأيت كل الدروس الساكنات هنا
صفحاتها الذابلات حبرها الباقي

فكلما أفتح الصفحات تسألني
هل كنت تقرؤني من دون أحداقِ

فمنذ سرحتُ شوقا كل سنبلة
مالت مضفرة من روح مشتاقِ

مددت كفي إلى الغيمات عاقدة
ليلا لمحبرتي فجرا لأوراقي

رفت على ثغرك المعسول أغنية
من جدول سال من كفيك رقراقِ

هاتفتني صوتك الغافي وموعده
صوت من الشوق غنى عمر أشواقي

أغرقتني كيف أنجو منك فاتني
موانئي كلها صفت لإغراقي

فأنت من نفسي بوح العبير به
وأنت في رئتي دائي وترياقي

صحراؤك النبع في عينيك من ظمأ
أروي به لا أرى سقيا ولا ساقي

سكنتني قرية في ظل رابية
خضراء من جيدك الوضاح إشراقي

أعود فيك حمامات مهاجرة
تطير ما بين أحياء وأسواق

باق لديك فلا أرجو لقافلتي
ربحا ولا أنا ماضٍ خوف إملاقِ

طيرا يحلق في عينيك من لغتي
يعلو لتشعله بالشوق أحداقي

ترضيك ناري على قنديل قافية
تضيء جوفي ولا يرضيك إحراقي

أشعلت قلبي وقد رتبتِ لي وطناً
عشا من الحب مزروعا بأعماقي

رجل في انتظار الباص العربي

١
يهطلُ الغيثُ على عشب الزوايا من جديدْ
يحتمي الناس بأوراق الجفافْ
يرتوي كفي السعيدْ
يلمع الإسفلت كالزئبقِ في ليلٍ وحيدْ

٢
ساعتي تحفظُ وجهي بعدَ تحديقي الطويلْ
وأنا وحدي على هذا الطريقْ
فوق ظلٍّ بارد يلتحفُ إسمنتَ الرصيفْ
وهمومي تحتَ إبطي كجريدةْ
وضبابٌ لندنيٌّ يكتسي نظارتي كالأوكسجينْ
يلعب الماءُ على كفي كثعبان أليفْ
أحسب الوقتَ بخاراً أو قصيدةْ
حاملاً فوقي الجريدةْ
وهي تبكي تحت زخاتِ المطرْ

٣
ساعتي مبلولةُ العقربِ تزهو بشعارِ الانتصارِ المستحيلْ
عربيٌّ سيدُ المنفى عميد الانكساراتِ وأستاذُ الرحيلْ

٤
كلما مرَّ سحابٌ في بوادينا ظنناهُ خلاصَ البشريةْ
نُخرج الأغنام و الماعزَ و التبنَ و انسابَ الخيولِ العربيةْ

٥
كم مضى من عمرنا نحملُ نفسَ الأسطواناتِ ونفسَ الأغنيةْ
كم بقينا لقرونٍ نرتوي من فضلةِ الكأس و ظلِّ الأحجيةْ

٦
في مكانٍ واحدٍ تحت النيونْ
في انتظار الباص كم نحتاج من عمرٍ ونحن الواقفون الحاقدونْ…

٧
ينتهي الرمل الذي في ساعتي
وأنا لازلت أمشي داخلي

٨
ليتنا نقرأ في الخبز أغانينا و نمضي
أو نرى في المجد ماضينا و نمضي
ليتنا نعبر ميناءً ونمضي
ليتنا فينا نمضي

٩
عندما ترسم زورقْ
لا يكن حبرُك أزرقْ
انتبه قد يغرق الزورقُ في الحبر و تغرقْ

١٠
لو رميتِ القلبَ بالأحجار لو ترمينني كالطفلِ، كالطفلِ
الفلسطينيِّ في ثورة عز ٍ لو تعاملتُ كجنديٍّ يهوديّ لأطلقتُ
عليك النار حالاً ولكنتُ الآن حراً ولما خفتُ من الجيرانِ أو منكِ
ولا خفتُ من اليوم الذي تلقينني فيه إلى البحرْ

١١
كلما يضرب فينا المطرُ
صخرةً نصمدُ لا ننفجرُ
بينما ننتظر الباص الذي
ينتظرُ الباص الذي ينتظرُ…

١٢
قبل أن أقتل نفسي بالدخانْ
أقذف العلبة من شباكها

١٣
يستمر الغيم في عزم بكاء أسطوانيّاً حزينْ
وهيَ في ظلي بدتْ تنظر يابانية تنوي الحديثْ
[ واضحٌ في وجهها آثار آلاف السنينْ
رغم ما للزي من لونٍ حديثْ ]

١٤
رئتي تشرب من عطر النَّدى بعدّ الهطولْ
و إلى أنْ يستعيدَ الوقتُ منِّي ما عسى أنْ يستعيدْ
يهطلُ الغيثُ على عشبِ الزوايا من جديدْ

الرجل ذو الساق الخشبية

[ كم قلت لكم إني لا أصلح طباخا ً في البحرية
كفاي معطلتان بتقطيع الخضراوات وتغسيل الأطباقِ
وتجميع ملابسكم فحري أن يأتي النور إليكم من هاتين
العينين أضيء لكم ظلمات الأفلاك على الفلك الشرقية ْ ]

البحر له وجهان من الفضة ْ
وجه يتراءى للناس كسيف مصقول في (عرضةْ)
أما الوجه الآخر يعرفه القبطان ْ

[كم قلت لكم لا تثقوا في النورس ، لا ترموا الطحلبَ
قد نحتاج إليه ، ولا تنسوا رأس الحكمة ، لا تفشوا أسرار
الرحلة للبحارة و الميناء ، وقولوا نصف النية ْ ]

الليل هنا في البحر تحول من ليلٍ لثلاث ليالْ
ليل الليل ، وليل البحر ، وليل مدسوسٌ خلف الجفنينْ
و الحكمة أن تدري في الظلمة أين يداكْ
أن تنصت للنجمة و الأسماكْ
وعلى أي الجنبين ينام الجار الآنْ

[كم قلتُ لكم إني أعرفُ وجه القرصان وحجم يديهِ
ولو بعد الموت ، ولم أتعلم كل لغات العالم لكني أفهمُ
ما قال الدلفين وما لمحت الحيتان إليه وأفهم خفقة قلب
القاتل قبل الإطلاق وأعرف هسهسة الغدر القادم من
خلف الكتفين برغم الكتمان ورغم السرية ْ ]

كفي سمكة ْ
ليست للطب ولكن للحركة ْ
ضد الأمواج ومن فك الشبكةْ

[ كم قلت لكم إن الميناء خلاص الناس وليس خلاص البحارةِ
والميناء لتغيير الأقنعة البحريةِ
و الملح الباقي فوق الشفتين سيبقى
لا يغسلُهٌ المطر القرويُّ ولا صابون المدن الصحراوية ْ ]

النورس يسألني عن رملٍ أبيض يرتاح عليه ْ
يتنفس تحتي البحر ولا أدري كم نحتاج إليهْ

[كم قلت لكم إن الطوفان هو الحل الأمثل للقرصنة
الإنسانية يركبها القرصان الرومانيُّ ويغزو فيها أرض الله
على خيل لم نعهدها وبيارق من دمِّ الأجدادِ
ليأتينا هدهدهم كي يخبرنا أن الطوفان أصاب الكرة الأرضية ْ ]

وجه أذنيك إلى الساحل ْ
أنصت لرياح الهندْ
وتجاهل أنات المركب حتى تسمع نبضة قلبك في أذنيكَ
الموج يقبل كف الرمل ، ضجيج الناس ، حفيف النخلِ ،
و أنفاس الرائح و الغادي
الراكب و الراجل ْ
هل تسمع شيئاً يشبه صوت العجلات وهل تسمع صوْ ..
إني أسمعهمْ !
ماء ٌ في كوزْ
شيخٌ يتوسم في شبانٍ خيراً ، سيدة تبكي موت أخيها قرب النافورة ،
لهجة إيطالي من جنوى يحكي قصته للتجار العرب الحكماءْ
وأظن بأني أسمع صوت بناءْ
أوتدري ما يبنونْ ؟
لا ، لا أدري فالضوضاء ْ …
يبنون حصوناً من إكسير النور ومن حجر الجبل الجرنيتي المنحوتْ
أقوى من عزم الريح ومن فك الموج ومن ناب الحوتْ
فالطوفان الآن على الأبوابْ
إما أن تفتح مفتاحك يا أستاذي وتميط رباط العينين ِ
وإما يأتيك الطوفان من النيلين ومن هضبات الأورالْ

[ كم قلت لكم مخطوطات ابن الهيثم و الجرجاني أماناتٌ
لا ترموها في النهر ستغرق ثم تذوب فهل علمتم قلب الطفل
الرمي وهل علمتم قلب الطفل الإبحار إذا وقفت أمواج البحر
على قدميها أم هل علمتم قلب الطفل ركوب الخيل
الريح/الصحراء/الإنترنت/ النظريات الفيزيائية ْ ]

لا يكفي أن تحمل عيناك بريق عيون العباسيين ولا نبل الأيوبيينْ
لا يكفي أن تسترخي كالماء ولا أن تشتدَّ كأشجار التينْ
ليست كفاك بجمر كي تمسك جمراً
أو ما حولك مشتعل ٌ كي تصبح من فِلينْ
فمياه البحر الأحمر جامحةٌ ، و البحر المتوسط مشتبكٌ ،
وجبال الأطلس كالتنينْ
والساحل مسنونٌ يتعرج كالسكينْ
إما أن تقطع منه وتيناً أو يقطع منك وتينْ
إما أن ترحل عن غرناطة أو تبقى في حطينْ

[ كم قلت لكم لكن لا ينفع قول في هذا العصر ِ
القصديري المثقوب ، ولا في هذا الجو العذري المفضوضِ
سأطلق نفسي في البحر لعلي أنجو من نتن المدنية علِّي
أفلتُ من قبضة وقتي الفولاذية ْ ]

نظفْ رئتيك من الكربون بهذا الورد البريْ
ضع قمحاً في أذنيك َ ليمتص الإشعاع النوويْ
شطف عينيك من الزرنيخ بهذا المحلول الملحيْ
فغداً سنغوص وبعد غدٍ نبحر بحثاً عن هندٍ أخرى

نجد ١٣٠٠هـ

أخرجْ من البئرِ استرحْ
الليل ُ آتٍ لا مَحَالةَ ،
قرْبَتانِ ستكْفيانِ فقد نرى
في القَريةِ الأخرى هدى

[عمَّا قليل ٍ ننْتهي
فانوسُه ُ السحريُّ سوفَ ينامُ
قريتنا سراب ٌ ربما
الماءُ الذي في قِرْبَتي سأرِيقُهُ
خوفَ الرَّدى ،
من يأمنِ الصحراءَ في الليل ِ
الذئابَ ، البردَ ، قُطَّاعَ الطريقْ ]

شُدَّ الحزامَ فلا طعامَ
وكنْ من الأرضِ التي ولدتْكَ
كنْ رَمْلاً وكنْ جَبَلاً
وثَبِّتْ بؤبؤَ العينينِ في عُمْقِ المدى

[ عيناهُ تَذْبلُ بينما قلبي يجِفُّ
وراحتي خَفَّتْ من الريح ِالتي فيها
تُحَلِّقُ حولنَا الغِرْبانُ في سَفْحِ الكلامِ
بلَيلِنَا ، بسَوَادِهِ المُمْتَدِّ منْ وادي الغَضَى
لسوادِ عينيكِ اللتينِ تُضَفِّرَانِ مَنَامَها قُرْبَ الغديرْ ]

هذا الجفافُ مُلَثَّمٌ خَلْفَ التِلالِ
ألا فَشُكَّ فؤادَهَ بنبالِ صَبْرِك َ
لا تَدَعْه ُ يروغُ منْكَ كحيَّةِ الرَّمْلِ
التَصِقْ بِحِبَالِ مكْرِكَ
لا تُضِعْ ما قد صَنَعْتَ إذاً سدى

[ بيني وبينْكَ فَرْسَخٌ صَادٍ منَ الهذيانِ
في هذا المسَاءِ اللوْلَبِيِّ ،
فلست َ تُنْصِتُ للْرِياح ِ ،
ولا تَرى النَجْمَ اليَمَانيَّ السعيدَ ،
ولا الثُّرَيا حينَ يمْلِكُني الفُضُول ُ ،
فلا تقول ُ : تُرى إلى أيِّ اتْجَاهٍ نَتَّجِه ْ ]

قمْ لا تَنَم ْ قد لا يَعُودَ إليكَ حُلْمُكَ
لا تنمْ قد لا يعودَ إليكَ قلبُكَ
لا تنمْ هذا الذي سَمَّيتَه ُ ليلاً
هو السُّمُّ الزُعَافُ هو الردى

[ الموتُ في أرضٍ يُظَلِلُها الغَمَام ُ
على تلالٍ تَرْتَدي الدِّيبَاجَ من عُشْبٍ نديٍّ
أمْ على أرْضٍ منَ التِّبْرِ المُذَابِ
على سرابٍ ثَعْلَبِيٍّ خُلَّب ٍ
و الموتُ من جوعٍ ومنْ ظَمأٍ
كموتٍ في سَنَا نصْل ٍ نُحَاسيٍّ
تَسَمَّرَ في الرِئة ْ ؟ ]

هل تسْمَعُ اليأسَ المُنَادي ؟
لا تُجِبْ ! لا تُعْطِهِ الإسمَ الثُلاثيَّ
احتفظْ فيهِ احتَقِرهُ ولا تَرُدَّ له السلامَ
كجارِكَ الجُنُبِ ، التزمْ بالصمتِ لا
تنظرْ إليهِ ولا تَمُدَّ له ُيدا

[ أحيا على جَسَدي منَ الأرضِ التي
فيَّ التي وَسَمَتْ على روحي وَوَجْهي
سُمْرَةَ الطينِ المُبَعْثَرِ في القُرَى
وعلى أحاديثِ المَسَاكينِ القُدَامى و الجُدُدْ ]

الخوفُ يدخلُ من ثيابِكَ في يدَيكِ
إلى عِظَامِكَ ، فانْتَفِضْ قاومْ !
ولا تَتْرُكْه ُ يُكْمِل ُ دورةَ القيدِ الأخيرة َ
حولَ جِسْمِكَ في الخَفَاءِ مُجَدَّدا

[ يا أيُّها الصَبَّارُ صَبَّار ٌ لمنْ ؟
جنديُّ حامية ٍ أطَلْتَ حِرَاسَةَ الكُثْبانِ
من لَعِبِ الرياحِ ، ومنْ فُضُولِ الأجْنَبيِّ ؟
تراقبُ الحَشَراتَ في حَرَكَاتِها ،
والليل َ في دَوَرَانِهِ القَمَرِيِّ ،
تلحظُ ما نَراهُ ولا نَراهُ ، أكنْتَ تَهْرُبُ منْ
مكانِكَ مِثْلَنَا فقَنِعْتَ بالصَبرِ المُمِيْت ْ ؟ ]

الأرضُ تُتِقِنُ لُعْبَةَ النَفَسِ الطَويل ِ
منَ الشَمَالِ إلى الجَنَوبِ ، تُمِيتُ قَلْبَكَ
بالسِّكُونِ ولا تَموتُ ، تَجَرَّحَتْ
برياحِ سَبِّكَ لا تُعُيدُ لكَ السِّبَابَ
ولا تَرُدُّ لكَ الصدى

[ الليلُ يطوي نَفْسَهُ فينا ،
كجُبٍّ تَخْتَفِي فيهِ القُرى ،
ومعالمُ الأشكال ِ و الوقتُ الثمينُ ،
لينتهي السِّرُ الدَّفَين ُ فقريتي خَلْفَ الكُوَى
(الليلُ المتين ُ) وقريتي الطِّينُ العَجينُ ،
على مسافَةِ ليلتينِ على اليَدَينِ .
الليلُ يَجْعَلُ كلَّ شيءٍ مِثْلنا .
قد تُصْبِحُ الأشْجَارُ أبعدَ إصْبَعَينِ ،
وقد يكونُ الوقتُ أبطأَ منْ سُلَحْفَاةٍ
وليسَ لنا النَّهارُ سوى الدَّليلُ على الحَياةِ ،
وموعدٌ آتٍ وحُجَّتُنا الوَحِيدةُ ضدَّهُ ،
الليلُ الذي لا بُدَّ يوماً عائد للبئرِ بينَ مَدِينَتَينْ ]

دراما الحلم الأخير

ذات ليلٍ بينما تنعكس النار على مرآة عينيَّ
وقد أوقدتها من شدة الخوف من الغدْ
بدأ النوم دبيباً ثم أزبدْ
وتخدَّرتُ إلى أن جاءني طيفُ محمدْ
واقفاً في غيمة خضراء من ظلٍّ بعيدٍ
راح ينمو فيه، عيناه رمت برقاً شفيفاً
وعلى الخدّ المورّدْ
تلعب النسمة في غرّتهِ،
يبكي فتجري فوق كفيه دموعٌ وهو مبلول الرداءْ

قتلوني يا أبي
لم أكن في حظ يوسفْ
لم يكونوا إخوتي كي يرحمونْ
حفروا بئراٍ بقلبي، هذه المرة كانوا أقوياءْ
هذه المرة كان البئر أعمقْ
وأنا لست نبيّاً !
لم يجيئوك بدمٍ كذبٍ
هذه المرة كان الدمُ أصدقْ

قتلوني يا أبي
لمعت نيّتهم في ذهبي
قتلوا السيارة الآتين في وعثائهم كي ينقذونْ
منعوا الرحلة من مصر إلى البئرْ
ومن البئر إلى مصرْ
منعوا عنّي الهواءْ
هذه المرة كانوا أقوياءْ
هذه المرة ليست حيلة، ما اتهموا
الذئبَ ولا قدّوا قميصي وأنا ألعبُ بالرّملِ
لتلقيني أياديهم إلى الجبِّ
ولم يأتوا عشاءً يعصرون الماءَ من أحجارهم عصراً
ومن قمصانهم لم ينفضوا أغنيةً عالقةً من هدبي.

قتلوني يا أبي
عندما ظنوا بأني لن أموتْ
ألأنَّ الأرض لا تحملهم مثلي و حلمي
ليس مفهوماً وقتلي ليس صعباً وأنا أرمي
بجذعي وسط الريح إلى الحقلِ،
أبي روحي لها لمستها في كل شيءٍ

فعلى أشجارهم ظلي على غيمتهم شكلي،
على بصمتهم اسمي، على الخبزِ
وفي رائحة الفلِّ وفي قهوتهم في حرثهم
في نسلهم في كل شيء تركتَ روحي
لهم رائحة الدمِ على كل حساءْ

يا أبي هم ثقبوا غيمتنا هم سرقوا الأعناب من كمّي
وهم من دفشوني عندما كنت أرى في النهر وجهي
“ما الذي يبقى له من وجه أمي بعد عشرين خريفا؟”
هم يغارون من السحر الذي فيَّ الذي في وطني
هم من رموني بالسكاكين نهار السبتِ
هم من ذبحوا ماعزتي. يا أبتِ الأيام دارت
ذبحوني هذه المرة عصفوراً بعشٍّ…
لم يكن لي حجر في القلب لم أقذف به طائرهم
لم يترسب حقدهم فيَّ بما يكفي ولم أكتب سوى
اسمي على حائط بيتي
فإذا هم شاهدوني زعموا إني أغني بفلسطين الأغاني
وبأني بلدٌ وحدي وأني وطنٌ يمشي
وأني غيمةُ تمطر ثوراتٍ وحقداً
ألهذا قتلوني ألأني أفهم الأرض التي تحملهم اكثر منهم
ألأني أرد النبع ظُبَيَّاً
لا وحوش الغاب تؤذيني ولا باقي الظباءْ

قتلوني قبل أن تشرح لي عن وطنِ
حبةُ زيتونٍ بفمِّي لم احدد طعمها تحت لساني
لغة لم يبقَ منها غير حرفين وفعلٌ لأغنيها وحيداً
عائداً من بيت خالي في المساءْ
قلت لي: “حافظ على النبعِ الذي
تحمله فيك فيوماً ترتوي منهُ بذورٌ طالما
استسقت وقفرٌ طالما اشتاقَ لأعشابٍ وماءْ”
أيُّ نبعٍ يا أبي فيَّ وأيُّ الاتجاهات التي قلتَ:
“ورثناها عن الأجداد كي نحفظ سرَّ
الأرض، لا يعرفها إلا بنوها البسطاءْ”

لم تجبني حينما قلت: “أفي الوقت مكانٌ
نبدأ الهجرة فينا، كالهلاليين و البدو القدامى”
لم تجبني إنما أغلقت شبَّاك الكلام الحرِّ
في قلبي، أبي أنتَ الذي قلت كثيراً:
“كلما نمشي على الدرب رأينا جسرنا أوضح من قبل”
أبي قل لي لماذا نقفُ الآن إذن؟! لن يقف الدمُ
على أية حال ٍ ، لن نرى الوردَ ينادينا لكي نقطفه ،
لن نعرف الوقتَ إذا لم نسبق الساعة في دورتها.
قل لي لماذا نقف الآن إذن؟! قد قلتَ لي:
“ادرس كلامي جيداً واحفظ مكان القمر الأول
في الشهر ولا تنسَ كلام الله إن شاهدتهم
انظر لعينيهم ترى الخوفَ بهم يعوي”
أبي هل نعرف الظلَّ كما يعرفنا
يبقى دَمِي فيه شريطاً قطنه
يبصرُهُ العميانُ في الليل وقد ناموا
على مصطبة الذكرى لهم ظهرٌ إلى الأرضِ وأنفٌ للسماءْ

يا أبي سلِّم على التينة في الصيف و سلِّم لي على أمي
إذا قمت مع الفجر تصلي إنني أشربُ من عينيكَ حلمي
إنني أصعد عطراً في دعاء الأنبياءْ

قتلوني يا أبي
كانت الروح على موعدها…
تسألُ من هذا الذي من يدها…
يأخُذٌها منّي إلى فوقْ ؟!
لفّت الروحُ بجسمي لفَّتينْ
ورأيتُ النورَ يخبو مرتينْ
اكتشفتُ البردَ يغزو جسدي، كتَّفني في يرقةْ
خنقتني قبضة الطوقْ
حلقاتٍ
حلقاتٍ       حلقاتٍ
حلقاتٍ
واعتراني يا أبي شوقْ
قبل أن يحملني الضوءُ لأمي قبلة محترقةْ

قتلوني يا أبي
وخيالي وحده يبقى حبيس الظلِّ،
يبقى رهن شاشات الفضائياتِ
و الفوتوغرافيَّات التي تفضحني في كل وقتٍ
لألاقي كلما عدت لها نفس مصيري نفس نفسي
خائفاً أبكي. ظلامٌ ثم نورٌ ثم غيمٌ فأزيزٌ
ثم نورٌ ثم جرحٌ، وجه أمي، فظلامٌ “لن أموت الآنَ”
ثقبٌ داخل القلب ظلامٌ من جديدٍ فظلامٌ فظلامٌ مستمرٌّ
فسكونٌ سرمديٌّ وعراءْ

من الآن يا جنوب

من الآن نفهم زعقة صقرٍ
تردُّ صداها السهول وكل الطيورْ
يحلِّق بين الربى عالياً في اندفاعٍ
يميلُ يميناً/شمالاً بُحرِّيةٍ بين ظل ٍ ونورْ
من الآن نفهم ماذا يقول لنا الصقر حين يدورْ

ونفهم دلفينَ بحرِ الشمالِ
إذا لامس الغيمَ زعنُفُهُ لاعباً
كفتاة ٍ تلوح في الأفق شال الحريرِ
من الآن نفهم خفقة شال الحريرْ

فنفهم شعر أبي الطيب المتنبي
ونحفظ شعر جريرْ

نعيدُ هدوء البراري وصمت السنابل ْ
سوى ما يثير النسيم من الشوق أو ما يبوح الخريرْ
من الآن نسمع ماذا يقول لنا الماء غير الخريرْ

من الآن نشرب حرية الأرضِ
من مبْسمٍ سوسنيٍّ وكأسٍ نميرْ

ونشْتَمُّ رائحة الخبز بين التلالِ
وحب الأرز ولوز القرى
نرش زجاجة عطر من اللازورد ِ
بقطر الندى وأريج العبيرْ

من الآن نفهم فعل القنابلْ
ومعنى البدايات في كل آنٍ ومعنى القتالِ المريرْ
فهذي الجبال رماحٌ وحيناً جبال ٌ
وعشب السهول مسامير حيناً وحيناً حصيرْ

من الآن نعرف كيف نداوي الضريرْ
ونخرج سهماً من القلب دون نزيفْ
ونعرف كيف نفرق بين مخالب ذئب ٍ
وسُنبكِ ظبي غريرْ

فمن هاهنا يأخذ الوقت دورته لتعود البلابلْ
وتُرجع كل الجنادبِ أعشابَها
وكل العصافير أعشاشها
حين يتخذ الماء مسكنه آمناً في الغديرْ

من الآن نفهم حرَّ اللهيب وبردَ القلوبْ
وقد عاد حراً إلى حضن لبنانَ طفلُ الجنوبْ

مذكرات طفلة فلسطينية

أنا أحبُّ بابا
أنا أحبُّ ماما
ألعب في قلبي و أحفظ الأناشيدْ
أنشودتي الحلوة في البيتْ
“عندك بيتٌ
عندي بيتْ”
عروستي ضاعت مع الحربْ
أحفظُ أسماء النجومْ
أرسم أشكال الغيومْ
هذي الغيوم كالخرافْ
وهذه الغيمة أرنبْ
أتعب قبل النوم أتعبْ
أحب أختي هي لا تتعب مثلي فهي نامتْ عند ربي
أنا أحبُّ أن أنامَ عند ربي و أبي يغضب مني
لو تكلمتُ عن الموتِ وعن أختي سميةْ
يقول لي: “عيبٌ عليكِ إن تكلمتِ بمن ليس هنا”
أختي هنا !

أمي تقول دائماً: “أختكِ في قلبي هنا”
أمي تحبُّنا جميعاً وهي تبكي عندما أطلبُ ألعابَ سميَّةْ
وهي التي تقولُ دائماً لنا: “لا تحرموا الأطفال من ألعابكم!”
ألعابُ أختي لم تزلْ جديدةً، ثيابُها نظيفةٌ معطرةْ
سريرُها بجانبي، أقلامها المبعثرةْ
غرفتنا بيضاءَ من صورتِها المشغولةِ المدورةْ
وصوتها: “عندك بيتٌ
عندي بيتْ”
في كلِّ بيتْ

سمعتُ مرة أبي يقول لي: “الأرض لنا!
وهذه القطة يا بنتي لنا!
وذلك السورُ على البيتِ لنا أيضاً فهل
تنسينَ من أنتِ وهل تنسينَ من نحن هنا!”
يقول إنَّ الأرضَ لي لكنه يغضب لو ألعب بالرملِ
ولو احفر أنفاقاً بها
يقول: “ازرعي بها شيئاً مفيداً لفلسطينْ”
سمعته يقول مرةً لأمي: “لا تخافي إنَّ ربي معنا”
سألت أمي بعدها مِمَّ تخافينْ
فجاوبتني: “إنني أخافُ أن يؤذوا سميةْ!”

دعوت ربي أمس أن نبقى بنفس البيتِ
قد ترجع في الليل سميةْ
قلتُ لأمي: “قد تعودْ
إن سكن البيتَ سوانا عندما ترجع قد
تحسبُ أنَّا قدْ تغيرنا و أصبحنا يهودْ
إن لم تجد ألعابها إنْ لم تجد أسماءنا مكتوبةً في العشبِ
أو إنْ لم تجد آثار تسبيحٍ وآثار سجودْ”
ابتسمتْ لي ثمَّ قالت اذهبي و ساعدي
أباك في النقلِ فلما عدت شفتُ الدمعَ
في الغرفة مسكوباً كزيتْ

رأيتُ أمي قبل أن نركب في رحلتنا
تحفر في تينتنا
سمعتُها تقول: “من قلبي إلى روح سميةْ
أترك في البيت لك الروح و أيامي الهنيَّة
إن عدت للبيت فلا تبكي فمشوارٌ قريب و نعودْ”
قلت لأمي “سنعود؟!”
قال أبي: “حتماً فيوماً ستعودْ
يوماً بلا شكٍّ تعودْ!”

أنفاس آخر جندي في المعركة

عندما كنت في زمان بكائي
بعت منديلي واشتريت سيوفا

بعت نفسي فداء مجد قديم
لست أدري، أكان عقدا سخيفا؟

استلمت السلاح والجرح رهنٌ
بقتالي، وموعدي الموصوفا

أبلغوني عن ساعة الصفر قالوا
لا تغادرْ مكانك المعروفا

فارس ليست في يديه جروح
وشهيد يريد موتا لطيفا

***

عادني بعدهم شتاء وصيف
وظننت الربيع أمسى خريفا

أين أصوات المدفعية لم أسمعْ
سوى صوت الريح تهذي حفيفا

انتهى حبري والظلام ينادي
“لا تغادر مكانك المعروفا”

وإنائي ملوث بسعالي
وقميصى منتف تنتيفا

ودمي يجري في ضمادي أنادي:
“لا تغادرْ مكانك المعروفا”

خندقي دفتر أرى فيه قبري
وأرى فيه سيدا وشريفا

***

هل بقلبي مدينة لغنائي
أو سحاب وإن يكن مندوفا

بت أسترجع الليالي سريعا
فسقتني من العذاب صنوفا

كل ما في جيبي من الشوق يحكي
والكلام الكلام يأتي طيوفا

أذكر الآن حين قلت لها: “إنْ
شاء ربي أعود يوما عريفا”

فأنادي من التراب وحيدا
وجراحي تقول: “يكفي نزيفا”

“لا تخافي لن أرتمي تحت أقدام
الجياع المشردين رغيفا”

أشعل الليل في عيوني وأبكي
صرت أبكي مما أراه كفيفا

“كل ما فيه أنني سوف آتي
حاملا نيشانا وجرحا طفيفا”

***

والجنازير فوق ظهري أغني
“لن أخلي مكانيَ المعروفا”

زواج صديقي المفضل

إلى الشاعر طارق أبو عبيد

ها أنا أمشي على الظل وحيداً كانت الخِطًّة ُ
أن نمشي سوياً نحو أصفى جدولٍ قبل الأصيل ْ

كانت الخيل على علم ٍ بما يجري
ولكني اكتشفت ُ النية البيضاءَ من غسل الأواني
و العبير الزيزفونيِّ الذي يملأ ُ أرجاء المكانْ

عندها رتبت ُ أشيائي و آثرت الرحيلْ

كانت الشقة لاثنين ولا تصلح ُ للسكنى لأنثى
لا زهورٌ من جبال الهملايا ، لا أغاني ، لا عصافيرَ ، ولا حتى مرايا ،
بينما السقف من الجص وهدَّاب النخيل ْ

كنت تحكي عن ليالي الشوق ِ
عن صفصافة تنبت في الساحل في الليل ِ على حزن أهالي البر ِّ ،
عن مخطوطة للأرض ِ أخرى ما رأيناها ،
وعن منطقةٍ نعبرها بعد قليل ْ

خطوة ً تسبقني ، ها أنت ذا تزرع غير الشعر ،
تبني غير ما تعرف من ذاكرةٍ ذاكرة ً أخرى،
وموالاً جديداً ما صنعنا مثلهُ ، تكبر قبلي ،
تحتسي الحب سليم القلب مرتاحاً
وترمي جسداً للغيم منهَّداً من الشوق و أوزان الخليل ْ

أتُرى تأتي بلا قلبٍ وفي كفك لي جورية ً كسلى ؟
أتنسى لغة ً تشبهنا أكثر من أي غدير ٍ ،
لغة ٌ تشرب من جرة راعيْ،
ترتوي من نايه حتى تغني،
وردة ٌ حمراء لا تذبل في شعر الصبايا
عندما يحملها العشاق جيلا ً بعد جيل ْ

كلما مرت بنا قبَّرة ٌ سلمتها قافية ً تزرعها في أي وقتٍ
ربما صادفتَها في كوب شاي أو على جيد فتاة ٍ ،
ولقد تلحظها في جيبك الأيمن أو في عينك اليسرى
فهلَّا عدت للشرفة كي تستنشق الذكرى على ليل امرئ القيس الطويل ْ

ربما أنت َ لي المرآة أم أنت لي المشكاة َ من دربٍ إلى دربٍ
ومن ليلٍ إلى ليلٍ وهل أنت لي النورُ الذي في آخر الدهليز
أم عين بكتْ لي حين أبكتني الليالي ،
ربما أنت وقود الفنِّ في الدنيا ، الدليلُ الاصطلاحيُّ ،
مغنينا الخرافيُّ ، أم الخلُّ الوفيُّ المستحيل ْ

إنه الوقت الذي تكشف عيناه لنا عن سرِّ معناك الجميلْ
وحده السر الجميلْ
وحده الوقت الجداريُّ الصقيلْ
تحت أوراق الخريف الصفر في الدرب المؤدي
نحو أصفى جدولٍ قبل الأصيل ْ

أندلسيات

١
جئتُ يوماً فصار شهراً وعاما
كان حرباً فصار شعري سلاما

كنتُ طفلاً تلحَّف الليلَ حتى
قرأ الشعر للنَّدامى وناما

كنتُ مداً، فجئتَ أرضاً، وكنتَ
الشمسَ تحصي وتكشفُ الأياما

كنتَ موالاً…
ما يزال الخليجيُّ يغنيهِ في الحجاز مقاما

في يديكَ المصباحَ ترمي عمودَ النورِ
كالرمحِ إذ رميتَ الظلاما

ما أراك المودع اليوم لكنْ
قد أراني أودعُ الأحلاما

٢
نخلةٌ أم مدينةٌ تحمل الحبَّ
وبستانٌ يزرعُ الأقلاما

جئتنا بالزهورِ و النورُ برقٌ
ومددتَ اليدين كأساً مداما

وملأتَ الدواةَ حبراً وصغتَ
الشعرَ لحناً. كما أردنا تماما

ودخلتَ القلوبَ فتحاً مبيناً
فسُقِينا مودةً أعواما

وكشفتَ السماءَ عنَّا غطاءً
فانطلقنا على يديك حماما

٣
منذ عام سلَّمتني الأقلاما
بعد عامٍ حمَّلتني الأعلاما

فأضأتَ النيران لي من بلادٍ
لبلادٍ كنتَ فيها الإماما

و تقدَّمتني يدٌ في يدٍ
كنت صديقاً وكنتَ درعاً حساما

ولوائي عقدتَهُ بيميني
و قبضتُ المدادَ منك زِماما

كنتُ في الخلف و الأمام أمامي
فلماذا تركتَ خلفي الأماما؟

٤
أيُّها الراحل الذي لا يبالي
أين ترسو به الليالي سلاما

حَكِّم الشوقَ إن أردت لذكرانا
كلاماً يردُّ فينا الكلاما

واجمع الأيامَ التي جمعتنا
واحمل الذكرى في يديك وساما

وتوشَّح بكلِّ شعر كتبنا
وتذكَّر مجالساً ومقاما

من خيولِ المساء سرجاً
ومن نور روابينا معطفاً ولثاما

خذ ليالي نجدٍ وغيم عسيرٍ
وعيون الأحساء و الدَّمَّاما

خيمةٌ في ظلالها خَبَّأتنا
وحديثٌ يسكِّن الآلاما

٥
يا رحيلَ السواحل استبق ِ حيناً
لبكاء المرجان حينٌ ترامى

هكذا..
هكذا ترجلتَ ليلاً
لترشَّ النَّدى وتطوي الخياما

إنني و الظهران نبكي سوياً
ويداها تمد نبتَ الخزامى

أي أمرٍ رحلتَ عنَّا إليه
شاقكَ النيلُ أم مللتَ الكراما

يا أبا ياسر إلى أينَ تمضي
ولمن يا تُرى تركتَ اليتامى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أجب على التالي من فضلك *