دم يصبح الآن وردة

محمد العشري-القاهرة (عن جريدة النهار اللبنانية)

غلاف ديوان مدونة لبيروت

غلاف ديوان مدونة لبيروت

قليلة هي التجارب الشعرية، التي تأتي من خارج بيروت، وتتصدى لمحاولة رصد حال تلك المدينة، بما يكتنفها من سحر وغموض،وبما يشتعل في شوارعها أو يختبئ من فتنة، تقود إلى الحرب والدمار، كلما طغت النبرة السياسية الحادة، وعلت الكلمة الى أعلى درجة من درجات التناحر، وتزايد الإقبال على قتل الحياة في تلك المدينة الوردة، سواء أكان ذلك القتال من الداخل، أم عدواناً من الخارج: “هنا الموت يفتح دفتره من جديد/ سيحتاج دمعاً جديداً/ فقد بدأت في الحديد/ حرارة قاذفة في الصعود/ رويداً رويداً/ قبيل اشتعال الأقاحي/ على تلة في روابي الكلام”. هذا أحد الخطوط الرئيسية في المجموعة الشعرية الجديدة، “مدونة لبيروت“، للشاعر السعودي زياد آل الشيخ، الصادرة حديثاً لدى “النادي الأدبي” في الرياض، و”المركز الثقافي العربي” في بيروت.

يسعى زياد آل الشيخ في هذه التجربة الشعرية، بعد مجموعتيه “هكذا أرسم وحدي” في العام 2004، و”سنابل حب” في العام 2007، إلى أن يصنع من اللغة مادة حية، ترتقي للتعبير عن الحدث الدرامي “السياسي” الكبير، الذي يغطي سماء بيروت، ويضرم فيها النار: “تجرُّ القرى من ثنايا المرافق/ وخلف الغبار المثار/ وصوت بكاء الصغار/ تعدُّ المشانق”. فهل أطاعت اللغة شاعرها، ومكّنته من أن يقبض على جمر اللحظة، وارتباكاتها، وتأثيرها في الذات، بما تتركه من شظايا؟ “بيروت تشعل قنديلها/ ثم تقعي بشعلته في المراء”، وهذا خيط يضم قصائد المجموعة، ويترك مساراً ليتسرب الدم من بين الأصابع ويصبح وردة تنام على عشب الحديقة، قبل أن يصبح: دماً “يتدحرج في كرة من شرار/ على العشب والرمل بين الصغار”. يظل ذلك السؤال مطروحاً مع إنتقال القارئ من قصيدة الى أخرى، وخصوصاً أن الشاعر يستخدم أساليب متنوعة ويقفز الى مدارس مختلفة في بناء عالمه الشعري، المتغير الدلالات، الذي يصب في قناة واحدة تتخذ من المكان جسداً حياً، يتفاعل مع الذات، ويدفعها نحو تأمل مكنوناتها وإنسانيتها: “نتابع أحلامنا بقصيدة حب/ على ربوة من بعيد”.

لا يضع آل الشيخ عناوين لقصائده، لكنه يدوّنها في تواريخ ويوميات “تبدأ في 12 تموز 2006، وتنتهي في 10 آب 2006″، وهي فترة حرب تموز، أو العدوان الإسرائيلي على لبنان، وهذا اختيار موفق إلى حد بعيد، يناسب توجه القصائد، وعنوان المجموعة، بما تتركه تلك اللحظات المرتبكة في الذات من أثر، يجعلها تعيش اللحظة، ولا تعوّل كثيراً على ما يأتي في اللحظة التالية:
“مدافع مالت بأعناقها للوراء/
لماذا المآذن تنظر نحو الجنوب؟/
قلوب تفتتها طلقة في العراء/
وأخرى بحرقتها من بعيد تذوب”.
هكذا، يعودون وفي قلوبهم حزن، لما جابهوا من يأس أعدائهم، من دون أن تُغسل متاعبهم، وهمومهم، وتنجلي عنهم سحابة الغبار، تلك التي تملأ السماء بالنيران، والقذائف، والدخان، بتوحش قاتل لإنسانيتهم، وحياتهم. هكذا ينهي الشاعر زياد آل الشيخ قصائد “مدونة لبيروت”، وهو لم يكن حيث كانوا على العشب منتظرين:
“على التل دبابة عطبت
حين مرت بحقل من الياسمين
وفي المرج أغنية لجنود كسالى
على نسمة راقدين”.

هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف نقد. الوسوم: . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أجب على التالي من فضلك *