غرناطة لي.. قراءة في الصورة

أ.د. عبدالله علي ثقفان

جميلاً جداً أن نستقرئ التاريخ شعراً، ولهذا فقد سعدت بما نثره زياد بن عبدالعزيز آل الشيخ في هذه الصحيفة تحت عنوان: “ليالي أبي عبدالله الصغير: (غرناطة لي)” في عدد يوم الخميس الثالث عشر من شهر ذي القعدة لعام 1423ه وذلك لمسببات منها:
أنه – وهو يقرأ – لم يأبه بما كتب عن (ابن الأحمر) من كتابات تنحو في معظمها إلى التهوية والتحقير من شخص ذلك الملك المظلوم بحق، وهو من سلالة مؤمنة بأن الدفاع عن المسلمين من أوجب الواجبات، ولكن قدره انه عاش في فترة تكالب الأعداء عليه من كل مكان، حتى من الداخل، بل إن المسلمين في المشرق والمغرب لم يقفوا معه ضد الهجمة الشرسة التي أدت إلى خروجه من دياره، بل إبعاده عنها قسراً، وكأني به وهو في هذه الحال قد قرأ قوله تعالى: {وتلك الأيام نداولها بين الناس}، وتذكر قول الوزير الصحفي وهو في محنته:
لا تأمنن من الزمان تقلبا
إن الزمان بأهله يتقلب
وقول (ابن الخطيب):
وكنا عظاما فصرنا عظاما
وكنا نقوت فها نحن قوت
انه شخص يؤمن بالقضاء والقدر، وهو من سليل ملوك قد كتبت على أبواب قصورهم:
الحق يعلو والأباطل تسفل
والله عن احكامه لا يسأل
وبذلك فنحن نشك في اهراقه دمعة واحدة مثلما تقول الروايات القشتالية التي يحلو لها الحديث عن “بكاء الملك” و”زفرة العربي الاخيرة”، وما قالته والدته عائشة الحرة. صحيح ان الالم يعصر فؤاده ولكنه أدرك ان ليس بيده حيلة، فما كان امامه إلا ما عمل “حفاظاً على المسلمين”، ولكن النصارى خانوا العهود والمواثيق الموقعة بين الطرفين قبل التسليم.
انه قد حقق دعوة صدرت مني قبل عشر سنوات تقريباً عبر هذه الصحيفة دعوت فيها الشعراء المجيدين لقراءة تاريخ الامة واستنطاقه شعراً وذلك مثلما يفعل الآخرون، وكان الدافع لهذه الدعوة ما قرأته لأحد شعراء الانجليز واسمه Shouthy، اذ قرأ التاريخ الاسلامي في بعض جزئياته، خاصة ما كتب عن “عبدالرحمن الغافقي” و”بلاط الشهداء”، وكنت قد كتبت حول هذه القراءة الشعرية التي قام بها الشاعر ودعوت فيها الشعراء ليعملوا مثلما عمل الشاعر، وما زلت ادعوهم، وأردد قول القائل معاتباً:
ولو أن العتاب يفيد يوماً
ملأت مسامع الدنيا عتابا
وبالتالي، فعندما قرأت هذه المقطوعة النثرية سعدت جداً، لأن قراءة التاريخ عملية ليست سهلة خاصة تحويلها الى جانب ابداعي يركز فيها الشاعر او الناثر على كلمات مركزة قد تتحمل اكثر مما تطيق من الرمز وما يتطلبه من قراءات.
إننا ان نظرنا في ما نثره “آل الشيخ” نجده قد عبر عن شيء من معاناة الملك “ابن الاحمر” والمكنى بأبي عبدالله الصغير، وهي معاناة لا يستطيع الانسان العادي تحملها، فكيف بملك يجدها قد انصبت على ذاته فكانت كالنهر الذي كانت له جداول وفجأة سدت، فإذا به يتجه في مصب واحد فيدمر كل ما تحته لشدة وقعه، بل انصبابه ومعاناة (ابن الاحمر) كانت هكذا.. وللتأكيد على هذه المعاناة هاهي صورته وقد احاطت بعنقه سلسلة من الحديد، فكان حاله كحال “قابوس به وشمكير” الذي قال في سجنه:
قل للذي بصروف الدهر عيرنا
هل حارب الدهر إلا من له خطر؟!
أما ترى البحر تعلو فوقه جيف
وتستقر بأقصى قعره الدرر!!
فإن تكن عبثت ايدي الزمان بنا
ومسنا من تمادي بؤسه الضرر
ففي السماء نجوم ما لها عدد
وليس يكسف إلا الشمس والقمر
إنني هنا لا ادافع عن (ابن الاحمر)، ولكن الواقع ينبئ عن ذلك، فإذا ما قرأنا القصيدة لآل الشيخ والصورة – لابن الاحمر والمحفوظة في متاحف اسبانيا وبعض البلدان الأوروبية – نجد ان “الحزن” يمثل رابطاً قوياً وذلك من خلال الحكم على “الصورتين”، – أي “الخيال” في النص، وخيال (ابن الاحمر) – الصورة – ، فأما صورة الملك الحزينة، فأجد ان شاعره (العقيلي) قد كفاني التعبير فيها بقوله وقد خاطب والي (فاس) ضمن رسالة له:
وما ظننا بأن نبقى الى زمن
نرى به غرر الاحباب كالحمم
لكن رضى بالقضا الجاري وان طويت
منا الضلوع على برح من الالم
وقال على لسان الملك نثراً: “وماذا كانت تستطيع غرناطة ازاء قدر محتوم، وقضاء لا مرد له، والقضاء لا يرد ولا يصد ولا يغالب ولا يطالب، والدائرات تدور، ولابد من نقص وكمال للبدور..”.
وأما القصيدة، فإنني لن أقراها لغة مفردة، بل هي لغة مفردات او كما قال الدكتور احمد يوسف علي وهو يدرس اللغة الادبية والتعبير الاصطلاحي، اذ ان لغة المفردات تشكل في النهاية (لغة مركبة) ذات مستويات دلالية تبدو اكثر ما تبدو في الجانب الحسي منها، وهذا الجانب يمثل ركناً مهماً عند الشاعر آل الشيخ. اننا ان تصورنا الصورة وصداه، وما يتعلق به من انات، ثم ما يتبع ذلك من تفكير في عواقب الامور من فقد للمكان وهتك لحرمة المساجد، وما بين المكان والقصر والمسجد تتلاحق المعاناة، فإذا بالمدينة – كرمز للديار الاندلسية – تفقد، بل حتى الاسم ينسل من الروح بمعاناة، يقول:
( وأنا أهمس: “غرناطة لي”
يصعد غيم من فمي،
يصعد مني هكذا: “غر.. نا… طتي”
غيناً تسل الراء من روحي
ونوناً خرجت تنزف مني الف الآه التي في خصرها
طاء تجر التاء.. )

إنه الفقد، الألم، المعاناة، الضياع بعد ذلك.
إن المعاناة واحدة من القصيدة والصورة وقد اتفقتا في التعبير عنها.
صورتان تلتحمان
تعبران عن ألم قد كان،
هذه بكلمات،
وتلك برسمة متوقعة.
الكلمات تتناثر
والصورة مكبلة مكممة
تدور حولها عنقها سلسلة
تخنقها،
تحاول الفكاك،
لكن لا فكاك.
تلك حال الناس في الكون.
لاثبات لأحد،
ولابقاء لأحد،
إلا لرب الكون.

هذه التدوينة كُتبت في التصنيف نقد. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أجب على التالي من فضلك *