دراما الحلم الأخير

الأستاذ محمد بن عبد الله الهويمل

يفرض الفعل الانتفاضي مناخا ً يحمل طابع الخصوصية لدى متابعته ويتجذر هذا الطابع أكثر عند الشاعر الذي نزعم أنه أكثر شفافية عن سواه و أكثر تحويراً لحيثيات الفعل الانتفاضي بما يتناغم و الفعل الشعري ، وتترى النصوص لتخليد هذا الفعل أو ربما تخليد مبدع النص حتى بدا المسرح الشعري حلبة لتنافس الشعراء و اللاشعراء ، لا ليقال انك تفوقت في حلبة التنافس إنما ليقال إنك انخرطت فيها ، غير أن ثمة آثار إبداعية تركت بصمتها المائزة ونطقت الحلم لتقول الحقيقة ومن بينها قصيدة (ليالي أبي عبد الله الصغير)* للشاعر زياد آل الشيخ.

تأتي هذه القصيدة في مقاطع استجوابية يخيل لقارئها أنه سوف يلج مجاهل الفوضى الأندلسية التي تبوأت حيزا ً مكانياً في ذاكرتنا الجمعية فصار بوسعنا سلفاً تأويل النص قبل قراءة مطلعه لكن شاعرنا زياد ينجح في خداع النص و القارئ ويخون توقعات ويفجر التكهنات حين يذكرنا أن حادي الجمال لا يكون جملاً قط ، وهذا ما يحسب للشاعر وأزعم أن هذا ذكاء شعري ومفاجأة شعرية من عيار ثقيل وكأن النص يحتفظ لنفسه بهوية مزدوجة غير أن هذا لا ينفي أنه سرب دلالة الرمز المشعة إلى مسامات النص. يلح الشاعر على سرديته ساعة يفجر المطلع الدرامي بقوله (ذات ليل) دافعا ً بطابور من الأفعال التي تشحن ارهاصاً استجوابياً يمنح الحدث الشعري صفة القبول والاستمرارية لصعود سلم التجربة. ثم يختم ارهاصه : ( يبكي فتجري فوق كفيه دموعٌ وهو مبلول الرداء) ، ثم يشرع في تحرير محضر الاستجواب باجابة الميت الذي لا فتر عن افتعال الآخر لتكتمل أطراف الحوار المنطقي . لكن هذا الآخر يبقى ذاتاً فارغة في مساحة الورق وتستوي اللذة حين يبقى عدما في فراغه الأبيض حتى ينال الطرف الحاضر تمام حريته في بناء/هدم الإجابات دون أن يرزح تحت مظلة رقابية تحد دون اختراع الشكل الهندسي لرسم الخطوط العريضة وارتياد الحالات القصوى بمغازلة الفجيعة . (قتلوني يا أبي ..) يستهل الشاعر البداية بالنهاية فالقتل خاتمة النص الحياتي ومطلع النص الدرامي وهذا ما قادنا إلى الإذعان إلى تيار الوعي واستدعاء تفاصيل أخذت تنزف تلقائيا ً من ذاكرة محمد الدرة وقت نزيف دمه ، ومدى العلاقة التراتبية السببية بينه وبين عبثية الهلوسة وتجليات الحضور الباطن ، عندها وعندها فقط يقبض الشاعر على جمر الشعر. يستطرد البطل لدراما الاستجواب في اعترافه بذنب الفضيلة مراوحا ً بين دائرتي النفي و الإثبات ليكرس مفهوم المساءلة التي لا تقبل إلا أحدهما فهو يكرر الاثبات على نمط خبري يعطي كل بيت استقلاليته من حيث هو وحدة نصوصية متحررة من التماهي المباشر مع تضاعيف المتن القصصي وهذا هو النسق الآحادي لطبيعة محضر الاستجواب. أما دائرة النفي فتتجلى في ضروبه و أدواته النحوية التقليدية يقول (لم أكن .. ) ، ( لم يكونوا ..) ( لست نبيا ً) ، ( لم يجيئوك بدم كذب ) ، ( لم يأتوا عشاء ً ) ، ( لم يكن لي حجر ) ، وكل هذا التشكل تفرز معادلة تمازج بين القوة و الجذب و تستفز مفردات قاموس الذاكرة الذي نهض عنوانا ً له حضوره الايحائي أثناء ممارسة التلبس التراثي . ولكن ماذا عن آلية هذا التلبس وميكانيكية الاستدعاء الرمزي.
في ظني أن الانخراط في الفعل التاريخي واستدراج دلالاته بمساريه الحقيقي و الأسطوري لا يتجلى دون حدوث صدمة أو ارتطام عنيف مع المهيج واستصدار الأثر الجمالي العصي ويجدر بي في السياق ذاته أن ألقي بمعصلة الهروب إلى الذاكرة واستمطار موجوداتها على سرير النقد التحليلي بعد أن بدت جلية في ثنايا خطابنا الشعري الحديث وإليك هذا الاستنساخ العفوي في تشكله الجمالي بين شاعرنا زياد حين يحتمل الهم الفلسطيني على منكب قلمه و الشاعر المعروف محمود درويش في قصيدته ( أنا يوسف يا أبي ) أو لعله من توارد الخواطر ونمو الدائرة المشتركة. أقول إن الشاعر زياد يضرم شعلة الرمز وينادي بالفرار إلى مجاهل الأرشيف المفضوح حين يذعن آسفا ً إلى لافتة دعائية ينصبها على واجهة القصيدة وكأنه يدعونا إلى ارتياد معرض للوحات انهزامية يعلقها على جدران الحلم الشعري على نمط درامي ضحيته مجد برئ كل جنايته أنه رأى في دراما حلمه أحد عشر كوكباً ، وهذا استنساخ ضمني عفوي آخر ، لا سيما إذا علمنا أنه عنوان أحد دواوين محمود درويش. إذا ً الشاعر زياد داهتمه نوبة درويشية تتمظهر في طابع الشفافية التي انفرد بها ، يقول زياد :
( ما الذي يبقى له من وجه أمي بعد عشرين خريفاً ) ، ( وكلما نمشي على الدرب رأينا جسرنا أوضح من قبل ) ، ( و أدرس كلامي جيداً و احفظ مكان القمر الأول ) ، و ( أبي هل نعرف الظل كما يعرفنا). كل هذه السياقات مادتها من الخامة الدرويشية ولا أعني في معرضي هذا تصويب تهمة البنوة الدرويشية فتجربته تجاوزت حدود التناص إلى دوامة التلبس فأنا أشد على يده وأبارك له براعته في هضم هذا التفعيل وإعادة انتاجه على نمط ينحو تدريجيا ً إلى إعلان التحرر و التفلت من شرنقة الأب الشعري عبر تصنيع تقنية جديدة لأدوات الخطاب الشعري. أعود إلى هيكلية البناء الحكائي فهو يتسهل جدليته بمقدمة استجواب وينتهي بتصعيد حاد مكبوت الوتيرة ، تتمثل في استدعاء جدل مبتور الأطراف يستسئل لغرض تعبئة الانفعال فينعجز بهذيان الطرف الآحادي المحروم من ثنائيته بل يمتد هذا الهذيان الأخاذ إلى حدود مساحة يعلن بعدها عجزه عن استفزاز منطوق الآخر أو يعترف بالانهاك و النصب في هرولته في هذه المساحة وحيدا ً فيلمس مرافقا ً حيث يقول : ( قلت لي حافظ على النبع .. ) ويجعله عتبة لطرح سؤال حي ( أي نبع يا أبي في ّ و أي الاتجاهات التي ..)
ويبلغ الشاعر أوج انهزاميته وقتما يغتصب ذاكرته ليبقى على وهم الحياة و الآخر ، ذلك لون من تقنية الاستمرار في التعاطي مع الأثر الفني ، يقول ( لي لي ، لماذا نقف الآن إذن ؟ قد قلت لي : أدرس كلامي جيداً واحفظ مكان القمر الأول من الشهر ولا تنس كلام الله إن شاهدتهم انظر لعينيهم ترَ الخوف بهم يعوي ) ثم يعود إلى جداريته وجدلية الصمت ليعلن أن الآخر هو الذي مات لا البطل الشعري فناطق الصوت هو من صدر مادة الحياة و الصمت هو كيمياء الموت حتى لو كان هذا الصوت بكاءً ، يقول : ( خائفاً أبكي ، فظلام ثم نور ، ثم غيم ، فأزيز) وينهض إلى : ( فسكون سرمدي وعراء). كأن القصيدة صور باطنية معلقة على جدار الحلم وعبث مستعذب و أخلاط من الرؤى من دراما الحلم الأخير لكن بعد هذا وقبله ليست أضغاث أحلام.

 

** نشرت القصيدة بهذا العنوان حتى أستعير اسم المقالة (دراما الحلم الأخير) عنواناً لها لاحقاً بإذن الكاتب.

هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف نقد. الوسوم: . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أجب على التالي من فضلك *