الشاعر زياد آل الشيخ: ممارسة سلطة الاختيار على القارئ مهمة فاشلة

حوار – منال العويبيل

يختلف مفهوما الشاعرية والشعرية عن الشِعر وإن لازما قائله، وفي هذا الحوار سيجد القارئ نفسه إزاء شاعرٍ يمسك بتلابيب هذين المفهومين من أعلى المطلع لأخمص القصيدة، حين يمضي في ترانيمه الأندلسية حتى يُظن أنه شاهد عيان تلا خروج أبي عبد الله الصغير من غرناطة، وحين يشاغب المُعاش حدّ تبسّم النادل الباريسي لحنينه لرفاق الرياض، وأضعف تصبره قهوة عربية.. هكذا بقدرةٍ شعرية كفيلة باستحضار المتناقض، والعمل على مزجه وتزجيته نصَّا. وبينما ينتظر صدور ديوانه الثاني (سنابل حب) عن دار الخيّال اللبنانية، الذي يلي ديوان (هكذا أرسم وحدي) 2004م، كان لنا معه هذه الحوار.

– 1 –

( الشاعر «وحده» قادر على اجتياز العتبة التي تفصل الحياة الواقعية، عن حياة أخرى ما ورائية )
-نيرفال-

غربة قصيدة اليوم أم اغتراب شاعرها أحد مآزق الشعر الحالي؟ لم يعد الفرق واضحاً، بما أنه حتى الفواصل التي أسسها منظّرو الفنون باتت تقصر قاماتها حتى صارت البحور ممتزجة دون برزخ. ورغم أن الأصوات المعاصرة خاضت في محيط الرتم اليومي، والتفاصيل المعاشة، إلا أن غالب النصوص أعطت ظهرها للواقع صوب مآرب أخرى.. فهل ابتعد الشعر اليوم عن الواقع.. بمعنى اقترابه لصورة خيالية مجمَّلة أو مشوهة أحيانا؟ بحيث يخلق الشاعر لقارئه عالماً أجمل، أو أحزن من حقيقته.. أين يضع الشعر قدميه اليوم؟

يجيب زياد آل الشيخ: في المجمل نعم، لكن هذا الابتعاد أخذ منحى مبالغا فيه حتى انفصل عن الواقع، ومسألة تجميل الواقع أو تشويهه ليس أمراً جديداً، وهو من الآثار الجانبية للعملية الشعرية، يبتعد بالمجاز والاستعارة للشروط الجمالية التي يستعين بها الشعر، يخرج بها عن المعنى الحقيقي لآفاق جمالية للإمتاع، ولتعميق الشعور بالمعاني، ومن ذلك تنتج الصورة التي في سؤالك، هذه الصورة الخيالية التي تشوه أو تجمل. لكن نقل الواقع ليس من مهمة الشعر على أية حال، يقوم بها عنه واس أو رويترز أو كاميرا العربية، لكن لا يحق للشاعر تزييف الواقع بداعي المبالغة أو التعدي على المقدسات بحجة المجاز، هذه مسائل أخلاقية لا يعفى منها الشعر بالتأكيد، و د.الغذامي تعرض لهذه المسألة في كتابه «النقد الثقافي»، والعلاقة بين الجمالي والأخلاقي في الشعر كونهما أمرين منفصلين مسألة تعرض لها النقد القديم عند الجرجاني والقرطاجني وغيرهما.
أما الشعر اليوم فيمر بمرحلة حرجة على صعيد سؤال الواقع، بين الواجب الجمالي والواجب الإنساني، الالتزام بقضية الواقع أم الالتزام بقضية الجمال، هل يمكن التوفيق بينهما؟ وفي ظروفٍ أخرى هل يهم أن نوفق بينهما أصلاً؟ هل تخترق رصاصة هشاشة طفل ونظل نهيم في مجاز المجاز كالسكارى؟ يحدث هذا الآن، هناك شعر يجب أن يقال، كفرض كفاية على أقل تقدير، أنا لا أعني الشعر السياسي المباشر بالضرورة، لكن الشعر الذي يعبّر عن قضية خارجة عن الإطار الذاتي الضيق، نحن نعيش في أكثر مناطق العالم توتراً، في هذا الإطار كيف يختلف شعرنا عن شعر العالم؟ أعتقد أن هذا السؤال ملحّ تاريخياً».

وعلى هذه الوتيرة من المضي لأصالة المعنى، بإمعانٍ يلبس في أثره أناقة اللفظ والإيقاع في قصيدة آل الشيخ، يوافق ذلك التمسك الشكلي بالوزن، يقول عن ذلك: «كلماتي لا تخرج دون معطف التفعيلة في الشتاء، ولا تتمشى دون نعل الإيقاع في الصيف، ليس عن موقف مسبق أو ما شابه، إلا أنني لا أتخيل القصيدة دون وزن، قد يكون الإيقاع متحقق في أشكال متعددة، فالنثر له إيقاع، والتفعيلة لها إيقاع، والعمودي له إيقاع، فمفهوم الإيقاع يختلف عن الوزن، الإيقاع أكثر تعقيداً، والاعتماد عليه وحده يمثل لي مغامرة غير مأمونة العواقب، ربما لهذا السبب أميل إلى الوزن الذي يقع في مساحة معرفية أكثر بياضاً، ولا أجد مبرراً في الحقيقة للتنازل عن الوزن في وقت ينتشر فيه اللاوزن، ممثلاً في الرواية، والقصة، والمقالة، وما سواها. الغريب أن كثيرا من شعر التفعيلة من السهولة الاعتقاد بنثريته؛ أي خلوه من الوزن، وهذا يحدث كثيراً لشعراء التفعيلة، والكبار منهم كذلك، فيعتقد خطأً أن بعض قصائد التفعيلة غير موزونة، إذ تتخذ إيقاعاً نثرياً مع بقاء الوزن».

– 2 –

( إن الشاعر يعرف ما يجهله )
_جوزيف جوبير_

من بداية مطلع قصيدة (نجد 1300هـ) للشاعر زياد آل الشيخ، يأخذ القارئ بإيغالٍ إلى المتواري بالكتمان، وما تمادت به الذاكرة بالجفاء، لأنَّ حتى استحضار ذاكرة «الشِيبان» وعجائز نجد فيه من العناء ما يشبه حدوثَ أليمِ التجارب مرةً أخرى. فحكايا سنة الجوع، الغرقة، الرحمة…. تجلب معها ما يفوق التذكّر لتكرار الوجع، وشجون أخرى. وبما أن مخاطبة المتلقي قد تجعل الموقف في نصوصٍ ما بين ضفتين: قائل داخلي وسامع حر، نجد في هذا النص تأبطا يجمع الاثنين، يشبه مباشرة الخطاب في القصيدة، عبر فَتحٍ شعري يعيد خلق حالة معينة بعد استبطانها ومرورها عبر الذات..

«أخرجْ من البئرِ استرحْ
الليلُ آتٍ لا مَحَالةَ،
قرْبَتانِ ستكْفيانِ فقد نرى
في القَريةِ الأخرى هدى
[عمَّا قليلٍ ننْتهي
فانوسُهُ السحريُّ سوفَ ينامُ
قريتنا سرابٌ ربما
الماءُ الذي في قِرْبَتي سأرِيقُهُ
خوفَ الرَّدى،
من يأمنِ الصحراءَ في الليلِ
الذئابَ، البردَ، قُطَّاعَ الطريقْ] »*

نسأل الشاعر في ظل هذه الفوهة من سبابات الإشارة التي تَرِد مع كل صيغة أمر في القصيدة للمخاطب فيها، والقارئ في ذات الوقت: على مستوى الاستحضار الشعري ممن هو خارج الإطار الزمني/ المكاني بهيئته الموجوعة.. ما الذي يخلقه ذلك في مكنون الشاعر ذاته؟ وبالتالي يوقظ حضوره في المتلقي؟

يقول زياد آل الشيخ: «في اعتقادي أن هذا الحضور يجري في ذاكرتنا الخلفية إن صح التعبير، هو حاضر في حياتنا من خلال تاريخٍ يعيش فينا، قسوة الحياة الصحراوية ورقتها ليست عنا ببعيد، فضلاً عن ذلك، ليست التجربة الشخصية في رأيي إلا امتدادا لتجارب أخرى على مستوى اللغة والتقاليد وقسمات الوجوه، هناك الكثير مما تحمله هذه الوجوه من تعابيرٍ وإشاراتٍ ومعانِ، الذي يجعل هذا الاستحضار أسهل لمن يعيش هذه البيئة. لكن لا شك هناك هذا التناقض الضدِّي بين المكانين والزمانين في ذاتيتي الشخصية من خلال استحضار هذه التجربة التي تمثل عملاً شاقاً لتلبس الحدث في هذه القصيدة، وهو _على ما أعتقد_ نوع من العمل الانثروبولوجي الشعري للكلمة، هنالك كلمات تجد لها مكاناً طبيعياً في بيئة قصيدة من مثل (نجد 1300هـ)، وربما ينتج عن هذا الاستحضار ما يشبه حضور الغائب، أي أن يكون الغائب حاضراً في القصيدة لتكون وظيفته التضاد مع الحاضر، فيبرز هذا الحاضر بشكل أوضح، فالضد يظهر حسنه الضدّ، فالقصيدة في هذه الحالة تضع في المقدمة ما ليس موجوداً في واقع قارئها، لعلها توقظ في وعيه نشوة الانتصار كما لو كان أحد شخصيات هذه القصيدة وقد بلغ مدينته المجازية التي يبحث عنها، ربما لا أدري، أو لعله يشعر بالظمأ فيقوم إلى الثلاجة باحثاً عن كأس ماء، هذا السيناريو الأخير أراه أقرب إلى الواقع برأيي».

– 3 –

( الزمن من أكثر أنماط الوجود خضوعًا للخيال )
_وك ويمزات_

غالباً ما يُخضع الشِعرُ الزمنَ إلى رؤيته الإشكالية التي لا يتحكم فيها سوى الخيال. وبصفة أعم نجد للزمان والمكان في القصيدة تأثيرا عميقا على تعيين الحالة الشعرية في أي نص، لدرجة تأثيرها أحيانًا في الموسيقى الداخلية والخارجية. وفي غالب نصوص زياد آل الشيخ يتبدى الزمن قادماً من بعيد، وكأن الشاعر يرمق المشهد عن بُعد؛ بمنحى يوثّق صوته لحدث ولا يتقاطع معه..

«يقول: لقد أصبحتَ نافذةً من
الزجاج على غرناطة الآن هل نطلُّ
منها متى شئنا؟ ونخدشها متى
أردنا كأغصانٍ وزوج يمامِ؟
أطلوا، سوى أني سأرخي ستائري
فلا فضةَ الذكرى ترون ولا الرنينُ
لي لغتي حصني الذي خلف سورهِ
أعلِّق قلبي غابةً من نخيلٍ
………………………………….
كيف يفهم هذا الأعجميُّ كلامي؟!» *

لن تستغرب أن يأخذك الشاعر لليالي أبي عبد الله الصغير الأندلسية، آخر أمراء غرناطة، سفراً عبر التاريخ، ومساحات أموية تحتمل ضمّة الحب، وكسرة الحرب. نسأل زياد آل الشيخ: هل تراه ينتقي الزمن في النص أم هو من يفرض حضوره «الماضوي» ؟ وبالتالي هل يؤدي ذلك لتلقي قارئٍ من نوعٍ خاص يختمر في ثقافته تلك الأبعاد؟

ليجيب: «هذه ملاحظة مهمة، ولا أستطيع أن أتصور كيف يمكن للزمن أن يفرض نفسه، بالنسبة لي هو خيار فنّي بحت، قد يستنفد الغرض منه وأنتقل إلى أسلوب مختلف مستقبلاً. أما مسألة القارئ ففي تصوري أن الخصوصية قد تكون مزيجا من الثقافة والذوق، ولا أتصور فصلاً بينهما، لكن على المستوى المعرفي البحت، أعتقد أن القصائد التي تتخذ هذا المنحى الماضوي أو التاريخي، تمثل تحدي للقارئ، خصوصاً القارئ الذي لا يهتم بالتاريخ كثيراً، ويبحث عن المادة المتصلة بالواقع مباشرة، لكن لا يعني أن هذا القارئ لا يملك القدرة، كأن يحتاج إلى شهادة عليا في التاريخ ليصبح قادراً على التفاعل مع القصيدة، هذا غير وارد، إذن المسألة ليست مسألة طبقية، لكنها مرتبطة بالذوق والرغبة، ومساهمة الشعر في فتح آفاق معرفية للقارئ هي من الأدوار التي يجب أن يقوم بها الشعر الحديث، جزء من مساهمته في إثراء الثقافة كأحد روافدها، ما الضير أن يبدأ القارئ علاقته مع التاريخ من خلال قصيدة ؟!».

«العاطفة وقود الشعر، وليست هناك عاطفة نخبوية أو شعبية» هذا ما يقوله زياد آل الشيخ، وهو أمر لا يُختلف عليه، لكن هل يمكن تعميم هذه الفكرة على النص؟.. ألا توجد لديك نصوص نخبوية بأبعادها التاريخية أو خياراتك اللغوية؟ ليجيب: «الإشكالية دائماً تنتج عن مفهومنا للنخبة، ورغم رفضي لهذا المصطلح عمومًا إلا أنني أعتقد بوجود نخب ثقافية متعددة، دائرة تتسع وتضيق، وهناك نخب على مستوى الذوق فهي ليست ثقافية فقط، وهذه النخب تتقاطع، وبهذا التصور يذوب مفهومنا للنخبة على أنها طبقة متجانسة ككتلة واحدة، لأننا نتكلم عن فن لا عن علم، في العلم توجد طبقة يمكن تعريفها من خلال مقاييس معرفية أو مؤسسية كالانتساب إلى مؤسسة أكاديمية أو الحصول على مؤهل عال وما إلى ذلك، لكن الفن مختلف، فالفن يقبل تفسيرات متعددة وهو بطبيعته متاح للجميع، فيمكن للقارئ أن يفهم النص بشكل يختلف عن غيره، وهذا الفهم من تركته الشخصية التي لا تدخل في حصر الإرث. فمن هذا المفهوم الذي ذكرت، يمكن أن أتصور أن خياراتي الشعرية فيما يتعلق بالأبعاد التاريخية والخيارات اللغوية، قد يجد قبولاً بين نخب مختلفة سواء ذوقية أو ثقافية يصعب علي تصورها، فحركة الثقافة في المجتمع معقدة، لذلك الحكم على عمل قبل نزوله بالنجاح أو عدمه كثيراً ما يفشل، هذه الحركة تحمل في طياتها كثيراً من المفاجآت سواء في الشعر أو في غيره».

– 4 –

( الشعر تجاوز للواقع العيني، فهو ليس حقيقة كاملة، سوى ضمن عالمٍ مغاير وأخروي )
_بودلير_

الشِعر عملية إنتاجية، من أجل الذات ولأجل الآخر، وقد يكون باتجاه ما لم يُعرف بعد. الذي يعده البعض تحديداً ذروة معرفة القصيدة. والطريق إلى هذا الاتجاه إذا كان مفروشاً بفضاءات بصرية واسعة يعمّق علاقة القارئ مع رحلته التذوقية للنص.

«أسافر من راحتيها بدون جناحينِ من نسْجِها،
وحرير يديها ولكن على فزةِ الشوقِ في مقْلتيها
أسافرُ في لغتي المرمريَّةْ
أسافرُ عكْسَ اتجاهِ السنابلِ، ضدَّ انشغالِ الحقولِ
إلى حيث أفقدُ تفَّاح وقتي وبوصلتي الذهبيَّةْ
إلى عالمٍ لا يراهُ سوايَ إلى حيثُ ينبتُ قلبُ
الغريبِ وروداً وتعشبُ كفُّ العطايا
مرايا على رعشاتِ الغديرِ كجيدِ صبيَّةْ
لأسقي البلاد كلاما
فتمطر حولي سلاماً
سلاماً
سلاما»*

في هذا المقطع من نص (رحيل بين قافيتين) يحضر النسق المشهدي في قصيدة آل الشيخ، بفضاءٍ مليء الوفاض، لنسأله: الآفاق المكانية الشاسعة تُبرز الحس البصري في نصوصك، إذ يحضر المكان بفضاءٍ مفتوح، ومشاهدٍ تنتقل من البساطة للتكثّيف.. ما تراها العوامل التي عززت ذلك؟

يرد: «لا استغرب إن كان السفر قد ثقَّفني بصرياً، فالسفر يجعل الإنسان أكثر وعياً بالمكان والصورة، اختلاف الأشكال والألوان والناس أيضاً، لذلك نجد في الشعر الجاهلي غنى في أسماء الأماكن والتضاريس حاضرة بقوة في الصورة الشعرية، فهي صورة تنبض بالحياة، لكن بالنسبة لي شخصياً أرى أن الذائقة لها دور، فهو محض اختيار أيضاً، أميل أكثر إلى الصورة المحسوسة حتى لو كانت في صيغة مجردة، وهي بطبيعتها تستدعي القارئ للمشاركة في إكمال المشهد، فهي تحمل ديناميكية ذاتية، عند الحديث عن وشاح مثلا، للقارئ أن ينقش هذا الوشاح كما يريد، وليس لي أي سلطة في الحد من اختياره، ولا يجب علي أن أمارس أي سلطة؛ لأنها مهمة فاشلة!».

– 5 –

(لدى الأوربيين كل الطرق تؤدي إلى روما، وكل الطرقِ تؤدي إلى الشِعر عند العرب)
_نزار قباني_

يؤكد بعض النقاد أنّ القصة القصيرة أقرب الفنون إلى الشِعر؛ لاعتمادها على تصوير لمحة دالّة في الزمان والمكان، ومن شأن هذا التصوير التركيز في البناء والتكثيف في الدلالة، وهما سمتان جوهريتان في العمل الشعري. ومن ناحية موازية بات النَفَس السردي في القصيدة يأخذ البعض رواجه كأسلوب انتصار لما يسمّى (زمن السرد).. وهو أسلوب حاضر في نص آل الشيخ، في مقاطع تلبس نَفَس الحكّاء.

«يأتيني الهدهد بعد صلاة الفجرْ
فيحط على غصن الزيتونْ
في عينيه الملأى بالدمع أرى مكتوباً من ورق البردي ملفوف
بشريط أسود حول النصفْ
فأقول له ما الأمرْ؟»*

في رؤية للناقدة د. فاطمة القرني تقرأ هذه الجزئية عبر قصيدة (الهدهد) التي سلف مطلعها، حيث وصفتها بأنها نموذج لصور القص التفعيلي التي يبرز فيها عنصرا الحوار الداخلي، والترميز التمثيلي على ما عداهما من عناصر القص. نتوجه بتساؤلنا للشاعر عن كيفية تعامله مع العوالم السردية في النصّ الشعري، هل هو مسلك مقاربة للفنيين؟ أم أخذٌ لأحدهما في اتجاه الأخر؟ فيجيب: «قد يكون عند بعض الشعراء حساسية حيال مصطلح (زمن السرد)، بما يمثله من غلبة السرد على الشعر، إلا أنني أعتقد أن المقارنة غير سليمة، حيث إن السرد موجود في الشعر من القدم، والشعر موجود كذلك في السرد، أنا لا أتكلم هنا عن الرواية، قد يستخدم السرد مرادفاً للرواية، لكن أتحدث عن التقنيات المرتبطة عادة بالسرد مثل: الخط الدرامي، وتقنيات السينما، والمونولوج الداخلي، وما إلى ذلك، كل ذلك ليس حكراً على الرواية، إذ يمكن جعل السرد أو الدراما عنصراً بنائياً في تركيب القصيدة، وهو ما سعيت إليه في كثير من قصائدي. فالشكل العروضي التفعيلي فتح باباً لاستثمار هذه التقنيات في القصيدة، مقارنة بالشكل العمودي، وهي تفتح أفقاً إضافياً، بُعداً رابعاً إن شئتِ، فلو نظرنا إلى معلَّقة امرئ القيس التي تمثل النموذج التأسيسي الأمثل للقصيدة العربية، نجد العنصر القصصي حاضر بشكله السردي والحواري بقوة في القصيدة، فمن ذلك نتساءل عن إضافتنا إلى هذه التجربة المبكرة في القصيدة العربية، لنجد أننا لم نتقدم كثيراً على هذا الصعيد حتى وقت مبكر، فإذا أخذنا ذلك في الاعتبار يمكن أن نقول إن في السرد مساحات شاسعة للاكتشاف، وقد يكون هذا التوجه ملائماً الآن لمقاربته روح العصر كما أشرت في السؤال».

هذه التدوينة كُتبت في التصنيف لقاءات. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أجب على التالي من فضلك *