بعد صدور(هكذا أرسم وحدي) زياد آل الشيخ لثقافة اليوم: من العجيب أن تتخيل العملية الإبداعية كعملية فدائية

حوار – محمد عبدالله الهويمل
صدر عن الانتشار العربي المجموعة الشعرية الأولى للشاعر زياد آل الشيخ استهلها بإهداء رقيق إلى (من سكب في قلبي علبة الألوان.. إلى أمي وأبي) واحتوت المجموعة على النصوص: أسئلة، الطريق إلى البيت، صدفة، تكفيني، فوضى، ليل العاشقين، تعليق على ما حدث البارحة، الهدهد، شاهدت جرحي واقفاً، خمس أغان قيسية، رماد الشوق، زنبقة، زحام، رحيل بين قافيتين، رجل في انتظار الباص العربي، الرجل ذو الساق الخشبية، دراما الحلم الأخير، أنفاس آخر جندي في المعركة، نجد 1300هـ، المائدة البغدادية، من الآن يا جنوب، مذكرات طفلة فلسطينية، اندلسيات، زواج صديقي المفضل، بحار. كما تزامن صدور ديوانه مع إطلاق موقعه الشخصي على الإنترنت www.alziyad.com (ثقافة اليوم) التقت زياد وحاورته حول مجموعته وعند التعالق الدرويشي، والحضور اللاواعي للصوت الأبوي والحضور الشامي وتجاوز اللغة العراقية الجائعة وتمام وقار اللحظة الشعرية.

٭ يظهر الشابي في نصك (الطريق إلى البيت) ونزار قباني في (صدفة) ودرويش متعالق مع بعض نصوصك، هل ثمة بر بالصوت الأبوي؟
– لا اوافقك فيما ذهبت اليه من أن قصيدة (الطريق إلى البيت) فيها من الشابي، فلا لها من رومانسية أبو القاسم ولا من عذوبته شيء، فالقصيدة لها غرض مختلف تماماً عن كل اغراض أبو القاسم، فهي تتحدث عن علاقة الشاعر بقارئه، وربما يكون قارئاً فريداً من نوعه أيضاً وليس قارئاً عادياً، ومن الطريف أنني أتوقع أن تقول إن صدفة فيها الشابي أكثر من نزار قباني، لأن صدفة ليست قصيدة جسدية، أو كما تقول العرب تشبيباً بل هي من شعر النسيب الذي فيه وصف للمشاعر لا وصف للجسد. ولعل هذا يحيل إلى المقولة إن الشعر كتابة على الكتابة، وربما القراءة أيضاً قراءة على القراءة، فلذلك البر بالصوت الابوي كما وصفته، قد يكون براً عند الكاتب وبراً عند القارئ، حيث يظل القارئ يحيل كل ما يقرأ إلى قراءات سابقة، باحثاً عن المؤتلف غير معني بالمختلف. فمن الصعب الوقوف على هذا الصوت بشكل واضح، إن كانت التجربة صادقة وغير مستنسخة لتجارب السابقين.
إلا أن الاتصال الفني بين الأجيال في رأيي مهم، والتقاطع بين التجارب ممكن، فهل تصدق أن شاعرنا عبدالرحمن العشماوي يحمل خصائص فنية مشتركة مع نزار قباني؟ رغم ما يختلفان فيه من المعاني والأفكار، إلى درجة أنهما قد يعدان من الأضداد.

٭ هل من المفترض أن يقاوم الشاعر الحضور اللاواعي للصوت الأبوي لا سيما أنه يجاهد في عدة جبهات كاللغة والالهام؟
– من العجيب أن ترى أن في الشعر مقاومة وأن عملية الكتابة جهاد وأن اللغة والالهام جبهات، حتى يكاد يتخيل أن العملية الابداعية عبارة عن عملية فدائية! فليس حضور الصوت الآخر في الابداع سوى ملمح من ملامح التجارب المشتركة، وإن ادعى هذا الصوت بنوة التجربة فهذا أمر ليس فيه جديد ولا يجب أن يكون فيه أي حساسية. من المفترض على الشاعر أن يوائم بين الأصوات لا أن يشعل داحس والغبراء في بوادي القصيدة، فأي تجربة جديدة يجب أن تنطلق من تجارب اخرى سابقة.

٭ الحضور الشامي في نصوصك تجاوز الحضور العراقي، هل هو فرار من اللغة العراقية الجائعة أو المتوحشة؟
– في اعتقادي أن الشعر ينشأ من واقع الحياة ليختار عوالمه الخاصة للتعبير عن هذا الواقع. والتجربة العراقية تستمد تميزها عن غيرها من واقع تجربتها الحياتية المميزة، من كوفة الأمس إلى بغداد اليوم، إلا أن التجربة الشامية في اعتقادي أقرب التجارب الينا من خلال النظر إلى الواقع المعاش، والتجربة الشامية قد تكون الأقرب إلى نفسي من التجارب الاخرى، فمكتبتي تحمل من شعراء الشام أكثر مما تحمل من شعراء العراق، والشعر الأموي أقرب إلى نفسي من الشعر العباسي. إلا أن ذلك لا يعني أنني لا أحب السياب أو أقرأ للبياتي، أو أحفظ لأبي تمام أو البحتري.

٭ (هلا عدت فإني ما عدت أنام من الهجران)، هل يقع في تصورك أن اللحظة الشعبية بوسعها أن تأخذ تمام وقارها في القالب الفصيح؟
– إنني لا يمكن أن أتصور غير ذلك! ليس للقالب الفصيح وقارٌ لا يدخل فيه الشعبي، وما هذه النخبوية إلا من حيل الحداثة الطارئة علينا! إن هذه الفكرة الافلاطونية التي تشتعل في أعين الكثيرين لا تغريني، فإن كان لسقراط بيت لكنت أظنه يكون أسوأ بيت قالته اليونان وإن كان ابن رشد من فحول الفلاسفة فلا أظنه يكون الا شعروراً في الشعر. العاطفة وقود الشعر وليست هناك عاطفة نخبوية أو شعبية، الحب عند الخاصة والعامة واحد، الغضب بين كل البشر يحمل رائحة الاطارات المحترقة ذاتها، والحزن نستظل به كلنا شجرة واحدة نقف تحتها.

٭ هل الشعر حالة خاصة بحاجة إلى لغة خاصة، أعني استثنائية الفصحى؟
– الشعر لابد أن يسمو بألفاظه ومعانيه عن العادي والمكرور، وليس للشعر الفصيح حالة خاصة تميزه في ذلك عن غيره. وفي رأيي أن الشاعر الناجح هو من يستطيع نقل قارئه أو سامعه إلى أجواء غير الأجواء المعتادة بأي لغة كانت. أن تشتاق إلى الغيم سواءً في قصيدة للسياب أو لمحسن الهزاني، على أمل أن تحس بزخات المطر تربت على كتفيك. للفصحى استثنائية البقاء ضد رياح التعرية منذ آلاف السنين، وتغير الأوطان، إن ما نعرفه عن الفصحى أنه قاوم رياح التعرية منذ آلاف السنين، ومازالت الفصحى تحفظ عن ظهر قلب الطريق المؤدي إلى الشام وطريق الحجاج العائدين إلى القيروان، بينما غيرها يقف اليوم حائراً في البيداء يتعرف على خريطة الوطن العربي.

٭ في نص (ليل العاشقين) غامرت بالوزن والقافية، ما طبيعة التحدي مع الآخر الذي دفعك للمجازفة وكيف تحاكم نجاح هذه المجازفة؟
– القصيدة مغامرة بحد ذاتها، والوزن والقافية مركبة بعجلتين تسير بسرعة 200 كلم/ ساعة، تتحدى المنعطفات الخطيرة بين السائقين الآخرين المتهورين. وهذه القصيدة بالذات هي أخطر مجازفاتي، فلا الوزن الذي كتبت فيه أعرفه، ولا القافية ساعدتني وتوقفت عن الهطول على الورق، لكنني أثبت لنفسي وربما لغيري أن الشكل ليس عائقاً للشعر، وأن القصيدة الخليلية مازالت تستطيع السباحة ضد التيار، في وقت خالج بعض المبدعين الشك في أهلية هذه القصيدة في التعبير عن أفراحنا وأحزاننا ومعالجة جراحنا الغائرة.

٭ يتضخم الغير المخاطب في نصوصك إلى سردية تهضم حضور الأنا وتبلغ بالآخر منزلة المستغاث به، كيف تتعاطى مع هذا الممكن؟
– قد لا ينطبق هذا الحديث إلا على قصيدة (دراما الحلم الأخير)، حيث محمد الدرة بطل القصيدة، الضحية، يستنجد بأبيه، والأنا في هذه القصيدة تظهر بكل ضعفها وعجزها، لأن الحدث يحاول أن يدمرها تدميراً، وما هذا إلا انعكاس لما يظهر لي من الموقف. أما بقية القصائد فالمخاطب اما خطاب جماعي في (الرجل ذو الساق الخشبية) حيث أكرر قولي (كم قلت لكم؟!) وفيها تبلغ الأنا ذروتها، وفي قصيدة (شاهدت جرحي واقفاً) أقول (كم من جرة كسروا؟)، أو صوت مخاطب وحيد يائس (أخرج من البئر استرحْ) في (نجد 1300). فالآخر في قصيدتي ليس دائماً هو القوي، والآخر المخاطب ليس على حق في كل الأحوال.

هذه التدوينة كُتبت في التصنيف لقاءات. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أجب على التالي من فضلك *