الشاعر زياد آل الشيخ : انحيازي للقارئ يجعلني أنظر للأمور من عدسته وأقرأ القصائد في ثيابه

حوار – عماد العباد
(هكذا أرسم وحدي) ديوان قادم يشي بالكثير لشاعر لا يكاد يتجاوز عتبة ذاته إلا قليلاً.. يفرج عن بعض أحرفه وقصائده التي احترفت السفر من باريس إلى ريودي جانيرو إلى الأندلس ثم يعاود الاختفاء والعمل بصمت لعدم اكتراثه بالصدى كثيراً. (ثقافة اليوم) التقت زياد وحاورته حول مجموعته وعند التعالق الدرويشي، والحضور اللاواعي للصوت الأبوي والحضور الشامي وتجاوز اللغة العراقية الجائعة وتمام وقار اللحظة الشعرية.
خلال الأسطر القادمة حاورت (ثقافة اليوم) الشاعر زياد بن عبدالعزيز آل الشيخ حول مشروعه الشعري مع اقتراب إصداره لديوانه الأول (هكذا أرسم وحدي)..

عرفك المجتمع الأدبي بعد إلقائك لقصيدة (الرجل ذو الساق الخشبية) إذ أحدثت ضجة في نادي الرياض الأدبي ثم عاودت البحث عن المناطق الهادئة بعيداً عن الساحة الأدبية باستثناء بضع قصائد كنت تعلقها بين شهر وآخر على صفحات الجرائد الأمر الذي يدعوني أن أتهمك بالخمول واللامبالاة بموهبتك الشعرية.. كيف ترد؟
– يا صاحبي هل القصيدة مدينة أم عصفور. أترى القصيدة يدخلها القارئ فينيخ ركابه فيها ليسكنها أم هي عصفور دوري غريد ينتقل بين السواقي والبساتين مرة على ياسمينة في شكل منبر ومرة على جورية في شكل مسرح فلا يرف لتلك جفن ولا يهتز لهذه طرف. أنا مع القصيدة المدينة التي يسعى إليها المريدون من كل مكان ليسقي منها البدو والحضر ويعيش فيها الحالمون ويسهر على أوتارها المغرمون من اول الفجر الى آخر الليل. أنا المنصور وقصيدتي بغدادي ولابد لقصيدتي من رافدين المكان والجمهور. لذلك اعتني بموقع مدينتي على خريطة الساحة الأدبية سواء كان ذلك من خلال مؤسسة صحفية أو مؤسسة ثقافية. وللأسف ان معظم النشاطات المنبرية لا تشجع الشاعر على المشاركة لأنها لا تعطى العناية الإعلامية الوافية قبل وبعد الحدث فتجد أن الحضور الجماهيري ضعيف والإعداد للمناسبة أضعف! فلا تجد المشاركات المنبرية شائعة هذه الأيام إلا فيما ندر ويتركز الحضور على المساحات الأدبية في الصحف والمجلات أو من خلال ديوان منشور. لذلك أجيب على سؤالك أنني اعتني كثيراً بشعري وأتابع المطبوعات والمؤسسات القليلة المعتنية بالشعر التي تقدمه للجمهور في شكل يخدمه ويظهره في مظهر حسن. فليست كل مناسبة تخدم الشعر، بعض الظهور يضر بالشعر والشاعر معا. على غرار الشعر الشعبي وازدهاره في العشر السنوات الماضية تجد الشعر الفصيح في تراجع كبير وقد يلام على ذلك الشعراء وقد يلام على ذلك أيضاً الجمهور. ما زال الشعر يلعب دوره في المجتمع وما زالت الناس تبحث عنه.

بدأت بكتابة الشعر الفصيح التقليدي ثم كانت لك محاولات بالشعر العامي (أجدت إخفاءها) ثم انتقلت إلى كتابة الفصيح الحديث هل أضافت إليك أم أضرت بك تجربة كتابة الشعر العامي؟
– الشعر العامي في تجربتي لا يزال من أجمل التجارب التي أعيشها مع الشعر، فتنة أن تغني حكاياتك كما تحكيها كل يوم إلى الناس. ولا أرى من الشعر العامي إلا الاقتراب من التجربة الصادقة في روح الشاعر قدر الإمكان. ولقد أضافت إلي كثيراً في فهمي للشعر وفهمي للغة. اللغة التي نستخدمها للتعبير عن الحياة اليومية في بيئتنا والتي تربط حاضرنا بماضينا هي لهجتنا المحكية. وهي عمل أجيال من أدباء وشعراء وقصاص عبر قرون لتصف حياتنا كما هي الآن هذه اللهجة تقابل لغتنا الفصحى التي وقفت عن الدخول في حياتنا منذ قفلنا بابها وتخلينا عنها وأصبحت خارج مجالسنا وخارج أسواقنا لا نبيع بها ولا نشتري، من واجب الشعر أن يطور اللغة وهذا دوره الآن أن يربط اللهجة المحكية ويعيدها إلى الفصحى وهو دور ملقى على جيلنا من شعراء وأدباء أن نصنع لغتنا للناس وأن نعيد إلى لهجتنا فصاحتها.

الشعر عند زياد آل الشيخ كممارسة شعرية هل يتكئ على الصنعة في المقام الأول أم على الحدس الموسيقي. بمعنى آخر ما مدى حضور الصناعة بمفهومها الحرفي لديك؟
– الشعر في طبيعته نافر كظبية تقفز في نفس الإنسان فإما أن يقتنصها وإلا ستشرد من بين يديه لينظر إليها وهي تمشي تارة وتلتفت إليه من بعيد تارة أخرى. إلا أن الأساطير والحكايات وكثير منها خرافة تحاول أن تصل إلى لحظة الكتابة الشعرية وكيف تنشأ وهو من أقدم الأسئلة التي سألها الإنسان عن هذه الحياة ولم يجد لها جواباً. فجعلت العرب لكل شاعر شيطاناً من الجن يملي عليه الشعر وأن لهذه الشياطين واديا يسمى عبقر، وإن كانت هذه خرافات جاهلية إلا أنها تعطي دلالة على مدى الحيرة والغموض الذي يلتف حول هذه المسألة. إلا أني أرى أن صنعة الشاعر لا تكفي ولا يكفي أيضاً حدسه الموسيقي كما أسميته أو كما هو معروف بالسليقة الشعرية. وهو شيء بين الاثنين يجعل العمل الشعري ممكناً في نفس الشاعر وإن غلب أحدهما على الآخر يظهر أثره على القصيدة فيقال هذه قصيدة تظهر عليها الصنعة الشعرية وما إلى ذلك. إلا أنه لدي لا يحتكم إلى قاعدة، فبعض القصائد كتبتها بطريقة غريبة جداً، أذكر أني مسكت مرة قلمي وأنا أنوي الخروج فخربشت على ورقة كلاماً لم أكن أريد منه شيئاً لا شعراً ولا غيره ربما كنت أرسم لا أكتب، فكانت مطلع قصيدة أكملتها فيما بعد وأسميتها صدفة. وبعض القصائد تسكنك أياماً لا تنفك تزورك كل يوم بمقطع جديد ولا تستطيع إلا أن تستجيب وتكتب، لا شك أن الصنعة الشعرية تنمو مع الشاعر كلما زادت خبرته الشعرية تقوى لديه الحبكة الشعرية فيتقن قوله في أي وقت لدرجة أنه يحسن إخفاء صنعته، إلا أنني لا أجد متعة في صناعة الشعر وإن كنت أتكئ عليه أحياناً في مقاطع أصنعها لأقول شيئاً في القصيدة لم تقله سليقتي.

تشي قصائدك ببعض مما يختلج في داخلك ولكنها لا تسلم كل مفاتيح مشاعرك للقارئ.. كشاعر كيف تنظر إلى هذا الخيار الشعري وكيف ينظر إليه قارئ قصائدك؟
– قديماً قالوا المعنى في بطن الشاعر، وكما يرتب أي إنسان بيته من الداخل فيضع السجادة الإيرانية في المدخل ليراها الناس ويضع قطعة ثمينة في آخر المجلس قد لا يراها إلا من يجلس عندها، كذلك الشاعر عندما يكتب قصيدته، ليست سياسة جيدة أن تضع معانيك كلها في متناول القارئ في الزيارة الأولى. فمن المفترض أن يجد القارئ في كل زيارة جديدة معاني جديدة وتفسيرات مختلفة، وفي ذلك قال المتنبي ويسهر الخلق جراها ويحتدم. إلا أن القارئ الحديث كما يبدو غير متفرغ لقراءة قصيدة أو حفظها ناهية عن إعادة قراءتها، لذلك القصائد القصيرة ذات المعاني الواضحة تجد رواجها عند كثير من القراء، فالأمر كما تفضلت في سؤالك خيار إما هذا أو ذاك. إلا أن المجموعات الشعرية تصنع طابعاً أكثر عمقاً في قراءة القصيدة من سماعها ملقاة أو قراءتها في صحيفة، فتسمح للقراءة وإعادتها طالما توفرت للقارئ المتعة في ذلك. ومن هذا المنطلق تأخذ القصيدة حقها من الاهتمام والاعتناء بأجوائها اللغوية، ويأخذ الشاعر فرصته في التحليق بالقصيدة إلى عوالم جديدة. فالقارئ له العذر أحياناً لأن بعض القصائد ليس لك أن تلم بكل معانيها في أول قراءة. الخلفية الثقافية عامل مهم أيضاً يساعد القارئ في فهم بعض القصائد فكثير من النصوص الحديثة تشير إلى شخصيات وأحداث تاريخية لها معان من نصوص أخرى يستدعيها في القصيدة، إن غابت هذه النصوص عن ذهن القارئ أغلق عليه المعنى، لتصبح القصيدة مناطق مختلفة الإضاءة بين مناطق مضيئة وأخرى أقل إضاءة. لكن ما نحتاجه اليوم هو وضوح أكثر في معاني القصيدة وإضاءة أكبر تفتح للقارئ حديقة شعرية بعد أخرى، التحول الشعري الكبير الذي ظهر في جيلين أدبيين من القرن الهجري الماضي جعل من الصعب على القارئ العادي اللحاق بقافلة الشعر التي توجهت لمناطق جديدة لم يعرف لها الشعر العربي مثيلا. هذا التحول خلق فجوة بين الشاعر والقارئ ما زال يحمل عبئها كل شاعر.

يلاحظ على قصائدك في الآونة الأخيرة أنها أصبحت مضيئة أكثر أو بالأحرى أصبحت أكثر وضوحاً هل رضخت لعلامات الاستفهام التي كانت تشارك كثيرا ممن يقرؤون قصائدك السابقة التي كانت شبه مغلقة؟
– أشارك الجمهور كثيراً في لعب دور القارئ مع شعراء وكثيراً أصل إلى نتائج قريبة من نتائج القراء، أما الوصول إلى معان مغلقة وأنفاق لا نهاية لها مطرزة بألف علامة استفهام على جبيني أو أن أخرج من القصيدة بذاكرة بيضاء كقماشة ثوب صيفي جديد. على غرار ذلك أجد المتعة في قراءة أشعار معانيها لا تسلمك يدها من أول نظرة على شرفتها، ولكنها تسرح خيلها لك وتسرج خيلك لها لتتبعها في ساحات القصيدة بين السكك القديمة وخلف أشجار غاباتها. انحيازي للقارئ جعلني أنظر للأمور من عدسته وأقرأ القصائد في ثيابه موصولاً بالرغبة أن أجيء بما لم تستطعه الأوائل، لذلك تجدني في صف القارئ كثيراً فعلى أية حال كنت قارئاً وما زلت، أحتاج أحياناً إلى قصيدة أقرأها من أول مرة فأجد في لغتها وخيالها ونغمها ما يمتعني دون عناء إعادة القراءة فهذه رغبة طبيعية. أن تجد أبيات حلوة لدى بائع حلوى على ناصية الشارع أو بيت بين وردتين في باقة لدى بائع زهور متجول. أو أن تكون معلقة مرصعة بالجواهر تسعى لتراها مرة بعينك المجردة ومرة أخرى بعدسة جواهرجي تعرفه. هذا التنوع بين الأساليب يعطي الشعر حريته أن يرفرف على أي غدير يريد وأن يقع على أي غصن يشاء. أن تسمح لغزال المعنى أن يخايل قارئه بين شجرتين إما أن يقع في يد صياد ماهر فيقنصه أو أن يكون من حظ صائده النظر. هذه المقابلة في الشعر العربي بين خربشات شاعر على جرته في: ربابة ربة البيت/ تصب الخل في الزيت/ لها سبع دجاجات/ وديك حسن الصوت/ وذلك الترصيع الماسي على صفيحة سيف عباسي في: إذا ما غضبنا غضبة مضرية/ هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما، دليل المساحة الكبيرة التي يحتلها الشعر في تنوع الأغراض في كل المعاني الشريفة.
إنني أحتكم في قصائدي إلى لغة الواقع فلكل مقام مقال، فليس من الذوق أن تتغزل في من تحب بشعر تحتاج إلى فهمه حفظ معجم اللسان من الجلدة إلى الجلدة ولا أن تمدح بشعر يحتاج إلى البداية والنهاية لابن كثير حاشية له.

النزعة الحكائية ذات الطابع الحواري في النص الشعري تقنية جمالية تأخذ وضعاً مختلفاً في نصوصك كيف تقوم السردية في قصيدتي (الرجل ذو الساق الخشبية) و(ليالي أبي عبدالله الصغير)؟
– الحكاية منذ القديم أحد الأساليب الأدبية التي تتنازعها الفنون وتتكئ على أضلاعها كثير من القصائد منذ قفا نبك إلى اليوم. وفي القصيدة الحديثة تأخذ الدراما الشعرية دوراً أكثر فاعلية مما مضى في بناء القصيدة، لا أن تكون التفاتة في معرض غزلي أن تخلص من غرض إلى غرض، بل عنصر أساسي في بناء القصيدة يمسكها من أولها إلى آخرها. وفي قصيدتي (الرجل ذو الساق الخشبية)و(ليالي أبي عبدالله الصغير) خصوصية حكائية لا تجدها في قصائدي الأخرى التي تنزع إلى الدراما في بنائها. ففي قصيدة (الرجل ذو الساق الخشبية )لا يتمثل الحوار بين اثنين، بل هو حوار ذاتي، مشهد مسرحي ذو شخصية واحدة متمثلة في صوتها الذي يصدح بالقصيدة. أما في قصيدة (ليالي أبي عبدالله الصغير) فصوت الحاكي يميز نفسه عن باقي الشخوص التي تبرز في القصيدة من خلال رواية الحلم التي تغزل هذه القصيدة بين يدي قارئها. وفي كلا الحالتين البناء الدرامي يجعلها أكثر ترابطاً. وفي رأيي أن قصيدة التفعيلة يجب أن تستغل المساحة المتاحة لها في شكلها المرن لتستوعب كثيراً من الأساليب والأجناس الأدبية الأخري، لتخرج بمزيج أدبي جميل. فكل نص جديد يتأثر بما يسبقه من نصوص ويلوي نفسه عليه ليكون إما إضافة أو اتكاء، لذلك يبرز كثيراً في القصائد الحديثة التأثر بالنصوص الروائية في تقنياتها من مسار درامي أو عقدة فنية أو غير ذلك، هذه الأساليب دخلت في الشعر بطريق التأثر العفوي أحياناً وأحياناً أخرى بطريق أسلوبي واعي. وقد تجد في الحكاية في أي نص أدبي سواء أكان في فن المقال أو الشعر أو المسرح جاذبية تأسر المستمع، وليس ذلك بمستغرب إذا أدركنا أن الحكاية من أقدم الأساليب الأدبية شيوعاً، من منا لم يجلس إلى جدته ليسمع حكاية من حكايات الأولين، فهذا النمط الأدبي نشأنا عليه منذ الصغر ونما معنا بمرور الزمن.

ت عائد للتو من رحلة طويلة خارج المملكة استغرقت قرابة السنة ولم تكتب خلالها بيتاً شعرياً واحداً هل نسيت أن تحزم شيطان الشعر ضمن أمتعتك؟
– نعم هذا صحيح فالطائر الغريد الذي ينقش بمنقاره الذهبي كلامي، ليصعد من فمي مشغولاً بأوزان الخليل، عادني عليلا يزور عليلا. خرج من كمي ليلة وعاد لي مبللاً جناحيه، مطفئاً ريشه الذي اشتعل مع الريح بدمعة حزن سخينة على أمته. كل الذي حزمته في حقيبتي من أدوية ومطهرات صرفته على طيري الجريح في غربتي، فلا صيدليات الغرب ولا أساليب الإسعاف الحديثة تداوي هذا الطائر العربي. يقع الكلام أحياناً في فخ الدهشة مما حوله، وكأن صف الكلام تعثر في بعض فسقط، وكأنه فقد بريقه في الظلام. إنني بلا شك خلفت قنديلاً ما ورائي في الرياض، أو أنني لم أشعله قبل خروجي لأراه من بعيد، وقد يراه طائري فيعود ليرفرف في يدي.

هل هنالك أية آثار محسوسة تركتها الغربة في إبداعك خصوصا عندما تقارن النصوص التي كتبتها بعد عودتك من هذه الرحلة مع تلك التي كتبتها فيما قبل؟
– لا شك إن أجواء الغربة تطبع آثارها على نفسي وينعكس ذلك على ما اكتب. قد تزيد مساحة الشجن في صوتي الشعري وقد أجلت معي عوالم شعرية جديدة لم تدخل في شعري من قبل، إلا أن كل ذلك لا يحدث في وعي كامل كما هي طريقة الكتابة في العادة. أنت لا تعي تماماً كل ما تعني عندما تكتب ما تكتب ولكنك حين تعيه بعد ذلك ستعنيه تماماً. إلا أنني في رحلتي هذه ابتعدت عن وطني لأفهمه عن بعد، لأفهم كيف يطوف العالم حوله، كيف تتشكل صورة أرضي من بعيد، كلما يممت وجهي إليها في صلاتي شدت إليها روحي بيذبل من حرير لو حركته لان بين يديك، فإن تبتعد كثيراً أحياناً يعني أنك تقترب أكثر. وفي هذه الفترة بالذات من تاريخ العالم كل ملتفت إلى هذه الأرض، مسلماً كان أو كافراً، والعالم الإسلامي يلتف حول أرض مقدساته، ما الذي يعنيه كل ذلك لنا نحن كمسلمين في العالم وماذا يعني ذلك لنا نحن هنا في المملكة. إن أدبنا وفكرنا في هذا العالم يجب أن يمثل نفسه لأمته ولباقي الأمم، أنا هنا لا أتحدث عن جهد ثقافي وحيد في عمل أدبي مفرد، لا نريد عزفاً منفرداً، أتكلم عن مشروع ثقافي يعيه كل منتج منا، نعي دوره وما ينتظره من تحديات، فنحن نبحث في هذا الوقت بالذات عن الدفاع عن مسلماتنا الفكرية أمام غرب يسأل عن كل شيء وينقد كل شيء وينشره في الناس. إن ما يطفو على السطح من حركة إعلامية عدائية ضد المملكة تستهدف الإسلام في كل مكان تمثل قمة الجليد فقط، إن مواجهة إعلامية كهذه كالهشيم سريع اشتعاله سريع انطفاؤها، إلا أن ما يعنينا أكثر هو المواجهة الفكرية، إنتاج مراكز الدراسات ودور الفكر في الغرب من أبحاث ومنشورات وكتب في الشهر الواحد يوازي ما ننتجه في سنة، وهذه هي المواجهة الحقيقية.

رغم تخصصك في الحاسب الآلي وخبرتك في تصميم المواقع إلا أنك لم تعمل على موقعك الشعري الخاص حتى الآن متى سيصلح النجار بابه؟
– يقال إن التصميم عملية لا نهائية، كلما زادت خبرتك أعدت النظر من جديد وأضفت إلى عملك أو حذفت. وموقعي الشخصي شبه منته إلا أن انشغالي بالسفر وأمور أخرى حالت دون أن أصل به إلى مرحلة الرضى حتى أنشره بين الناس. وإن كان الموقع مصمما ليواكب صدور ديواني الأول (هكذا أرسم وحدي) يعرض فيه مختارات من قصائد الديوان. إلا أن النية تتجه لجعله موقعاً شاملاً يضم كل نشاطاتي من لقاءات ومقالات وقصائد جديدة وفتح الباب أمام زوار الموقع للتفاعل معه. لا شك أن النشر الإلكتروني وسيلة نشر فعالة تعمق نفسها في يومياتنا لتدخل شيئاً فشيئاً إلى عاداتنا اليومية.

(ليالي أبي عبد الله الصغير) مشروع شعري أصبح يضاعف نفسه بعد أن أوليته اهتماماً خاصاً إلى درجة إنك تفكر في زيارة لأسبانيا لتعيش أحداث القصيدة، حدثنا عن المشروع وإلى أي مدى سيصل؟
– نعم فكرت في ذلك وقد فعلت، إلا أن زيارتي القصيرة لأسبانيا لم تسمح لي أن أعيش الأندلس كما أردت إلا أن نفحة طافت على من قصر القصبة أشعلت في دمي بكائية أندلسية لا زلت أكتبها على مرآتي وأعكس بها شمس حاضرنا المحرقة في المشرق إلى اليوم. هذه الليالي التي أعيشها ليلة بعد ليلة توقظ بعصا كرم طائفي من كروم الحجاز تاريخ سقوط آخر معاقلنا في الفردوس المفقود أزورها كل ليلة ومعي زادي قافية أو قافيتين كل يوم ومعي مفتاح جديد أبحث عن باب لم أفتحه البارحة. هذه الليالي التي عاشها أبو عبد الله الصغير نعيشها الآن جميعاً كل ليلة على رغم المسافة والزمن اللذين يفصلاننا عن التاريخ والمكان. ومن الغريب أن هذا السقوط وقع في زمن فيه عزة ومنعة للإسلام في العصر العثماني، ذلك العصر الذي ألفت فيه شمس المغرب وبزغت فيه شمس المشرق. لا زلت أؤمن أن التاريخ يعيد نفسه وأن الأسئلة التي سئلت ما زالت تسأل إلى يومنا هذه. إنني أعمل على أن أعيد عبر هذه القصيدة رائحة التاريخ إلى حاضرنا عبر رمز السقوط الإسلامي في الأندلس آخر ملوك غرناطة أبي عبد الله الصغير. لكنني من هنا لا أحاول أن أزحزح حجراً في التاريخ عن مكانه أو أن أزرع وردة في تربته لتذبل بعد حين، إلا أنني أكتب بين السطور لعل رسالتي التي ألقيت زجاجتها في البحر تصل لأحد في الشط الآخر تسكنه كما تسكنني.

هذه التدوينة كُتبت في التصنيف لقاءات. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أجب على التالي من فضلك *