أسئلة الشهيد التي لا تموت

image
لكل شاعر كبير، وناثر كبير، اطَّرِحْ لغتك التي تشحذك كسيف طويل، فللشهيد لغة أخرى كاملة غير ما تعرف، وأنت تطيل الوقوف على الأطلال بمجاز جديد، وحزن جديد، اسأل أسئلة الشهيد التي لا تموت:

أين يتجه الحزن عندما تخفق رياح الشمال معلنة رحيل المراكب؟

كان يقف على سفح يودع الراحلين ويلوح لهم بيديه حتى تنسل مراكبهم تحت عباءة الغروب.

لماذا تجلس المعاني كالعصافير في أعشاشها إلى أن يهش عليها شاعر عصا التجربة؟

كان ينظم الشعر لكنه لا يجيده كأي شاعر متمرس، ويعجب من تسلسل القوافي في المعلقات كأنهن ظباء تحلقن حول ماء ونخيل.

لماذا لا ينصت سوى الضحية حين تتكلم الذخيرة الحية؟

كان يشاهد الضحية تولد من فم السياسيِّ، ولا أحد يرْكز بارودته في وجه الحقيقة ويعسْكر عندها. يقول في نفسه: ربما كانت (الضحية) محاولة يائسة في الدفاع عن غد لا يؤمن أحد بقدومه، أو محاولة طائشة لاختبار عزم العدو على رسم خريطته من طرف واحد. مهما يكن، تبقى (الضحية) مجهولة والحقيقة عَلَم على خط النار يحترق.

كيف يقول الشهيد عند الوداع الأخير لوطنه الذي يحبه: شكرا؟

كان يبحث عن فيلسوف يشرِّح مفهوم (الحب) و(الوطن) و(الوداع الأخير) معاً، لعله يجد كلمات مناسبة ليسرَّ بها في نفسه أو يبوح بها لأقرب جريح قبل نطق الشهادة. هل الروح كافية؟ يقول، وهل هي سدرة منتهى العشاق؟

كيف يستدير اسم الشهيد حين يمر في الذاكرة: مثل قمر أو قصيدة؟

كان يتذكر زملاءه الذين استشهدوا ويعلق أسماءهم مرة على عينينة أبي ذؤيب الهذلي، ومرة يعلق أسماءهم على مراثي متمم بن نويرة، وكان بعضهم يشع في قلبه قمرا فيستدير وجهه ألقا قبل أن يجهش بالبكاء.

هل الحب وردة تفترُّ من القلب، أم سكين يولد في الخاصرة؟

كان يعرف من الحب ما يسل من فمه ابتسامة دون أن يشعر، ويعرف من الحب ما يجعل عينيه تفيض مثل نافورة من الدموع. لكنه لا يعرف كيف للحب أن يستل سكينا ويقتله، ولا يعرف كيف يصبح قلبه علبة حلوى لطفل بكى من شدة الشوق، ولا يعرف كيف يصبح الحب قنديلا يطل من عينيه فيضيء طريقه في ظلمة المجهول.

ماذا حل برصاصتي التي أطلقتها قبل أن أموت؟

كان يراجع عمره كأي طالب نجيب يستعد لامتحانه النهائي. وكان يجيب على الأسئلة كلها:

أين ما ضاع من عمري؟

كيف نجوتُ من حزن كاد يعصف بي ويقتلني؟

إلى متى أحوم كالنحلة حول أحلامي، لا أنا أصيبها ولا هي تصيبني؟

لكن سؤالا واحدا أعياه ولم يجد طريقا للإجابة عنه: ما الذي حل بقاتلي؟

هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف الكتابة تقول لا, مقالات. الأوسمة: . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


5 − = 2