راحل مركبه مناه

إلى إبن خالي عبدالله بن عبدالعزيز آل الشيخ رحمه الله الذي توفي في العشرين من عمره في حادث سير

حكت لي حين نامت مقلتاهُ
حكت لي ما نراه ولا نراهُ

حكت لي أن قلبي صار ناياً
مذ ارتعشتْ لميتته الشفاهُ

تحير كل قلبٍ أين يبكي
وأين تراه قدْ يبرى تراهُ

شكا لله ما يلقى ويشقى
أغير الله يشكو ما ابتلاهُ

فإن لم يشتكِ البلوى لديهِ
ويفضي ما به فلمن عساهُ

فمنذ جرتْ من الجفن المآقي
وغابتْ كالقناديل الجباهُ

شكا الدمع السفيح بكل خدٍ
قذى في العين لا يجلى قذاهُ

حكتْ عشرينه عني وعنهُ
عن الطرف المسهد إذ بكاهُ

وعن أيامه وعن الليالي
صباهُ وما يعلله صباهُ

فعبدالله رمحٌ سمهريٌ
ونخلٌ لا يظلله عَداهُ

وساقية تسير بغير نبعٍ
ونبعٌ لا يكدره حصاهُ

وصفوانٌ يزل الرمل عنهُ
ترقرقَ في صفاوتهِ ظماهُ

وغيم أكحلٌ حبست يداهُ
فلم يفتحْ لربوته حشاهُ

وقد نعمت به نجدٌ سنيناً
يفوح على مضاربها نشاهُ

ويزهر كل دربٍ سار فيهِ
فكم درباً إلى الحسنى مشاهُ

فأضحى الماء يطلبه صفاءً
وتطلبه الحدائق ما اكتساهُ

***

وعبدالله حقلٌ كان يلهو
بسنبله وربوتهِ مداهُ

يطرزه السحاب بوابلٍ منْ
عبير الليل ينزله هواهُ

ويكسوه الندى غضَّاً طرياً
ويلحفه برقته سناهُ

له دربٌ تعبِّده السجايا
ترتبه على مهل يداهُ

يمرُّ بقلبه المخضرِّ ليلاً
وتجري في حواصله المياهُ

فتشرب ظبية الأشواق ما لا
تكدِّره من الأحزان آهُ

طيور الأيك فيه مغرداتٍ
على نبعٍ مشعشة رباهُ

إلى بيت تصفقه الأماني
من العز المؤمَّل لبنتاهُ

قناديلُ المحبة فيه شعتْ
فيشعلها ويوقدها جواهُ

بناه ولم تمهِّلْه الليالي
ليكمل ساعدٌ ما قد بناهُ

شبابٌ لاح من جفنيه حتى
أشعَّتْ بالفتوة مقلتاهُ

وسالتْ من أنامله السواقي
وفاح على جوانحه حياهُ

بقلب ٍ في حديقته ظلالٌ
تُراكض في ملاعبها ظباهُ

توسِّدهُ غيومٌ من ورودٍ
وقد سكبتْ شذاها في شذاهُ

على قللٍ من الغيماتِ فاضتْ
جوانبها فسالت خفقتاهُ

ولكن بوح هذا الدوح فانٍ
ورياه الجديد وما رواهُ

قوافلُ في المدى مرتْ سريعاً
هو العمر القصير وما حواهُ

جرى فينا ونجري فيه
. يوماً نجاذبه ، وتجذبنا عراهُ

نطاعنه بزهر الروح منا
ويطعننا وتطحننا رحاهُ

***
وعبدالله رحّالٌ بقفرٍ
بلا رحْلٍ ومركبه مناهُ

توقفَ تحت ظلٍ فوق عشبٍ
وهبت نسمة وجرى صَباهُ

وأطفأ ناره لما أضاءتْ
وأسرج ليله وسرى سراهُ

تضوَّع عمره الورديّ ، دانٍ
جنى العشرين في دمه جناهُ

عناقيد الحياة دنتْ ولكنْ
أيادي الموت ما قطفتْ سواهُ

له اسمٌ ياسمينيٌّ نقيٌ
سقاه من المكارم ما سقاهُ

يظل النحل ينزل فيه حتى
يجود بما يجود له نداهُ

هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف شعر, مدونة ميدان التحرير. الوسوم: , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أجب على التالي من فضلك *