اللغة العربية تلتف كالحلزون

١

تنكفئ اللغة العربية على نفسها كالحلزون كلما مر وحش التقانة المعدني. تختفي خلف حشائش الماضي كأي غزال مذعور. وكلما حاول الصبية الاقتراب منها هربت منهم لكثرة ما جرحتها أشواك التجربة. لذلك نحن بحاجة إلى مؤسسات لنحبس هذا الغزال الشرود ليقترب منه أطفالنا فيروه من قريب، ويلمسوا فروه الناعم ووجهه النحيل.

الكتاب والكتابة وخيال الكاتب سجن للكلمة. لن تنطلق الكلمات حرة مثل العصافير إلا من قفص الفم. ولغتنا تختبئ بين الأوراق الصفراء والكتب السميكة مثل كنز مدفون. وهي بذلك تترهل وتصبح أقل قدرة على الحركة والمناورة والهروب من وحشة الغرابة وفخ الماضوية. فعلى اللغة أن تسير في طريقها الطويل وإن تعثرت، وإن حاربت رياح التغيير بسيف من خشب، وإن لم تستطع أن تحبس أنفاسها في بحر الأخطاء الشائعة.

الشفوية أخت العفوية، فإن خرجت اللغة من الكتاب إلى السوق فعليها أن تمتزج بلهجة البلد، وتذوب فيها كقطعة سكر. فالكلمات التي تجري على اللسان تسافر كالعطر في المسامع، وتفتر كالوردة في دم الفكر. ولا حاجة لمراجعة الكلمة المقولة حين تنطلق من عنانها، فذلك ضد التلقائية التي لا تبال بلبس النعال بين غابة من البساطير المتجهمة.

٢

توجد مبادرات تعمل مثل مكيفات الهواء في الصيف، لدفع عجلة اللغة في آلة التنمية. مثل مركز الملك عبدالله الدولي لخدمة اللغة العربية، ومبادرة الملك عبدالله للمحتوى العربي، وارتباط كلا المبادرتين باسم الملك عبدالله لا يخلو من دلالة عميقة لأصالة متجذرة  في صاحب الإسم. لكن مع هذه المبادرات المؤسسية، تقوم اللغة على تفرد الفرد في غزل لغته الخاصة من خلال الكتابة والقول. فالفرد مؤسسة أخرى، يجب تنميتها بالإبداع. لذلك تعميق هذه الفرادة في استخدام اللغة تأتي من دعم الفنون التي تضيء اللغة بطريقتها الخاصة، كالشعر والرواية. فكل جائزة تشير بإصبع نحيل إلى عمل أدبي جيد، تقوم بتحريك فنجان التفرد والإبداع في الحياة اليومية. وعلى كل المؤسسات الرسمية أن تعترف بالذات المبدعة مؤسسة قائمة لدعم اللغة العربية.

٣

عصارة الشعر، كما تبدو لي، هي إضاءة ظلال المعاني التي تولد من حركة اللغة في المجتمع. فقوة اللغة تستمد من المجتمع وتظهر في الشعر. وإلى ذلك كان يشير ابن المعتز في قوله: فلا تعجل بذمي إن رقصي/على مقدار إيقاع الزمان. فأي مقالة في انحسار الشعر، هي مقالة في ذم المجتمع الذي لا يفهم لغته، ولا يريد أن يستكشف سلالة المعاني التي تلتف مثل خريطة جينية في جسد كل منا لحضارة تمتد عبر العصور. الشعر هو الرئة التي تتنفس بها اللغة، وعافية اللغة من عافية الشعر، وعلى المجتمع أن يحمي رئة اللغة من أن تعبأ بالكربون وعوادم الحداثة.

هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف مقالات. الوسوم: . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أجب على التالي من فضلك *