نيويورك

في أمريكا حيث يجر الول ستريت الحرية من جديلتها وهي تلوح جاهدة بشعلتها في شوارع نيويورك، يخرج الدولار كل صباح ليركب المترو إلى العمل بقبعته المثقوبة بسهم الهندي الأحمر وربطة عنقه المرتخية. أسأل خليليَّ: هل الطريق من الرأسمالية إلى الديموقراطية تمر من الماستر كارد ومكدونلدز؟ وهل الديموقراطية هنا فسيفساء من اشتراكية الرأي ودكتاتورية رأس المال الذي يغذي وريد السياسة؟ حديقة منهاتن المركزية شامة خضراء في وجه نيويورك المتعب بالعابرين، والدكاكين في (سوهو) نمش يكدسه رصيف لا يبالي بحنين زواره لما مضى من حياتهم في مدن أخرى بعيدة. في نيويورك سحاب تفرقه الناطحات وتملؤه بالندوب، كأنها قوائم خيل حوافرها ترقش سماء المدينة في الليل بنجوم جديدة وقمر أكبر. هاهي نيويورك تغمس سيقانها في المحيط الأطلنطي وهي تأكل كعكة (البيقل) بالتوت البري الأزرق، وتلقي سنارتها لتصيد قرى بين الجبال ليس لها اسم في القواميس، وتصيد مصارف تسبح في بركة العولمة الكبيرة مثل قوارب من ورق الدفاتر الملونة. أمشي في شوارعها الطويلة وبالكاد أجد بقع المارينز على فروها الرمادي، والحداثة وما بعدها تمسدها بالتكنولوجيا. الرأسمالية تقضم تفاحة أمريكا الكبيرة، وسكانها يتفرجون ولا يصنعون شيئا، سوى قهوة في الصباح المبكر، وحديثا سطحيا على هامش لعبة التنس الأرضي يوم الأحد. يسأل عابر: لماذا يضيع صوتي المسجل برقم واضح وطويل في دفاتر الانتخاب؟ لماذا يضيع أمام هدير محركات الفكر في جامعة كولومبيا؟ حيث تمسك معادلة رياضية الاقتصاد الوطني من ذيله مثل سنجاب يائس من الوصول إلى أعلى شجرة الرفاه الاجتماعي. ويسأل آخر: من يصنع من السندات أشرعة لهذه السفينة، حين ترقصها الريح فوق موج الأمل الذي ينحسر شيئا فشيئا؟ . سيارات الأجرة الصفراء تطن كالنحل في رئة المدينة المثقوبة بالوعود الكاذبة. ثقوب يرقعها كل يوم عدد جديد من الفاينانشيال تايمز. الثقوب بيوت في الضواحي معروضة للبيع. والضواحي أقراط كبيرة تعلقها المدينة وهي تنظر في مرآة مستقبلها الغامض وحاضرها المر. والديون التي يسكها مضارب مالي كالخطاطيف، تجر المدينة من أقراطها الكبيرة إلى الهاوية. غابة الإسمنت، نيويورك التي تفتح يديها للقادمين من الشرق بخيولهم المجهدة وفوانيسهم الخضراء، مكبلة. فلا تستطيع أن ترفع سماءها سنتميترا واحدا، ولا أن تهاجر. فالمدينة المسهدة التي لا تنام، تلتحف بالرسوم البيانية لحركة أسهم بورصة الداوجونز والنازداك، وتشبك مبنى الأمم المتحدة عروة في قميصها، وتجلس بانتظار من يخرجها من حطام نظامها المالي.

هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف مقالات. الوسوم: . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أجب على التالي من فضلك *