عجز الكلمات

أحس بعجز الكلمات البيضاء من أن تكوم نفسها بما يكفي لتحشو جرح طفل يبكي من الألم في ضاحية من ضواحي مدينة محترقة. يعجز الفعل المضارع أن يبني جسراً يكفي لنقل الطعام والمعونات الإنسانية للمحاصرين في غرفة معزولة في بلد تتفجر فيه البراكين كل صباح. فالجملة الاسمية التي يفرش بها الشعراء أول كلامهم كحبيبات الحصى، لا تستطيع أن تنبت من جراح الضحايا شقائق النعمان. والجملة الفعلية التي تجر بغلة المعنى من أول النهار إلى آخره، ستفشل من أول يوم في إدارة شئون قلب صغير وقع في أزمة دبلوماسية. والأبجدية التي نفتح بها نوافذ زجاجية تطل على البحر، لا تصلح أن تفتح قلب الدكتاتور النحاسي المصفح بطبقة سميكة من الرصاص. قد تصلح حروف اللين مراوح أنيقة في الصيف، وقد تصلح أيضاً سواراً على معصم غض، لكنها لا تصلح أن تكون سكيناً يقطع بها سياسي حبلاً يلتف حول رقبة شعب يشنق في غبش الفجر، قرب شجرة زيتون على تلة بين قريتين. وإن حركتَ بحرف الألف النحيل كوب قهوتك الساخن حتى تذوِّب مكعبين من السكر النباتي وأنت تشاهد موجز الأنباء على شاشة التلفزيون، التي يكاد ينساب منها دخان دبابة محترقة إلى غرفة الجلوس؛ فإنك في الغالب لن تتخذ الألف عصا تتوكأ عليها في الطريق الطويل إلى نفسك، أو تصنع منها مكنسة لتخفي بها غبار الماضي تحت سجادة روحك المجعدة، أو تطارد بها شبح الحنين حين تقف أمام المرآة. ولو أجهشتْ لغتنا المهشمة هذه بالبكاء، هل سينبت من تحت أجفانها نخلة تظلل أحزاننا في هذا الهجير العربي الكبير؟ كأن الكلمات حقيقة تبتعد كلما اقتربنا منها، كظباء تجري من بعيد خلف مشهد تراجيدي، فمن يشاهد لا يملك بندقية أو سهاماً لصيدها، وليس للظباء حكمة رياحين غرناطة حين تسلم نفسها لمستشرق يعكر تاريخ المكان بصفو اللغة. فإن كان الشاعر الجاهلي وحده يمسك بتلابيب لغته، فيفرش معلقته مثل العباءة على الرمل، ليرى نفسه في ماء كلماتها قمراً، ويرى حركة الكواكب تسيل من أفق المعاني، ويرى مواقع النجوم التي تدله على الطريق من نجد إلى مكة. فلماذا إذن حين ينظر شاعر اليوم في قصيدته لا يرى فيها سوى طبلة للأيدولوجيا. ولماذا يظل ينظر في قصيدته ولا يرى طريقاً واحدة إلى القدس؟

هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف مقالات. الوسوم: . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

تعليق واحد على: عجز الكلمات

  1. Hassan Almari كتب:

    Nice, Abo AduAlziz

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أجب على التالي من فضلك *