الأرشيف الشهري: مارس 2013

خمسة عشر عنصراً للجمال

عرجت في المقال السابق على ثلاثة عناصر للجمال كما وصفها المعماري ألكساندر في أربعة مجلدات ضخمة الموسومة (طبيعة النظام). ورغم أن هذه المجلدات الأربعة تبحر في شؤون نظام الطبيعة وعلاقتها بالفن والحياة وطبيعة الأشياء إلا أن هذا العمل يرتكز في الأساس على خمسة عشر عنصرا للجمال يدور حولها هذا العمل الضخم. كل عنصر له مظهر جمالي يمكن أن يفهم وآخر وظيفي ما زال مجهولا. والربط بين الجانبين، حسب ألكساندر، قد يكون فاتحا لفهم أعمق لطبيعة الأشياء. ورغم أن الاهتمام بهذه العناصر ينبع من القيمة الجمالية المرتبطة بها، إلا أن الرغبة في البحث عن المدهش تلح علينا في التحقق من وجود عمق وظيفي لهذه العناصر الجمالية لم يكتشف من قبل. وفيما يلي سرد للعناصر الخمسة عشر:

1. المركز القوي: المركز القوي هو العنصر الذي تعمل بقية العناصر الأخرى لتحقيقه وتوثيقه من خلال التجاور الأفقي أو التسلسل العمودي. فحسب هذا المفهوم، فإن إضافة نقطة إلى منتصف دائرة فارغة يمثل إضافة جمالية لا تتحق لو أضيفت هذه النقطة في مساحة هامشية خارج الدائرة، مثلا.

2. ميزان الأحجام: فوجود تنوع في أحجام الأشكال في الفراغ بمقياس منتظم يحقق إيقاعا كليا، يزيد من ترابط الشكل الجمالي. فمثلا، يمكن رسم هلال معقوف بدوائر مرصوفة تبدأ صغيرة من الأطراف لتتسع شيئا فشيئا حتى تعود إلى حجمها الصغير الذي بدأت به أول مرة. تعمل هذه الدوائر سويا بتشكيل صورة الهلال كمنظومة بناء على التباين بين الأحجام.

3.التناظر المحلي: في هذا العنصر تقوم الأشكال بإحياء المركز من خلال التناظر المحدود في المركز دون الامتداد إلى غيره. ونتيجة لصفته المحلية هذه، يحقق التناظر قدرة على الاستجابة لمتطلبات السياق كون التناظر لا يجبر منظومة الأشكال كلها بالانقياد إلى صورة جميلة رسما لكن قبيحة واقعا. وتوجد أمثلة عديدة لهذه التناظر المفتعل في مخططات بعض المدن الحديثة. حيث يؤخذ في الاعتبار الشكل الجمالي على الورق دون النظر إلى الحاجة الواقعية على الأرض.

4. الأطر السميكة: في هذا العنصر يتم تحقيق الترابط بين الأشكال وتعزيز وجودها برسم أطر سميكة حول منظومة من الأشكال أو حول كل شكل على حدة. وقد يكون الإطار نفسه مكونا من مراكز متسلسلة تعمق من قوة الإطار نفسه وتأثيره على ما يحيط به.

5. التكرار التبادلي: في هذا العنصر تقوم عدة أشكال بالتتابع على خط واحد، إما في نظام ثنائي وإما في نظام ثلاثي، بحيث يصنع هذا النظام إيقاعا بين الأشكال سواء كانت هذه الأشكال المتتابعة متماثلة في الحجم أو متباينة.

6. الفراغ الإيجابي: عندما تتكون منظومة من الأشكال المترابطة تتكون فراغات ضمن هذه المنظومة، تتشكل هي نفسها لتكون نظاما خاصا بها بحيث يكون الفراغ مكونا أساسيا. فالفراغ الإيجابي ليس ما يتبقى من منظومة الأشكال، بل هو مركز له مكون ذاتي يكاد يكون مستقلا.

7. الشكل الجميل: سواء كان هذا الشكل مكونا من منظومة من الأشكال المترابطة أو كان وحده، فإن النتيجة أن ينتج شكل كلي يمكن التعرف إليه بأقل جهد بصري.

8. التداخل العميق الغامض: عندما تتداخل الأشكال في منظومة ما يصعب التفريق بين الأشكال إلا بعد النظر بتمعن في مكوناته. هذا التشابك القوي بين الأشكال يعزز من قوة المنظومة بما يشبه النسيج الحيوي الذي لا تنفك عناصره من الترابط مثل خيوط القماش.

9. التباين: مما يعزز الترابط بين منظومة المراكز هو تباينها على مستوى اللون والشكل. هذا التباين يقوم بتفعيل الفراغ ليشارك بناء المنظومة إيجابيا.

10. التدرجات: تقوم منظومة الأشكال بالتدرج في الانتقال على مستوى اللون من الشفافية إلى الدكنة موجهة نحو اتجاه واحد. فإما أن يقوم هذا التدرج وحده بخلق مركزه أو أن يعزز مركزية شكل مكون مسبقا.

11. الخشونة: رغم وجود نظام بين الأشكال يعمل لصناعة شكل كلي قوي، إلا أن كل شكل يتعامل مع السياق المحيط به بإيجابية بحيث يكسر التماثل أو التطابق أو التوازي بالحد الأدنى الذي يضمن الاستجابة لما حوله. من خلال هذا العنصر يتم النظر إلى كل منظومة شكلية ضمن منظومة أكبر تمثل السياق الذي يحيط بها.

12. الفجوة: في قلب النظام الكلي الذي يمثل أعلى درجات التكامل، توجد فجوة فراغية تمثل بعدا يوحي باللانهائية، يشكل تباينا قويا بين ما حوله من مكون مليء بالأشكال وما في هذه الفجوة من عدمية.

13. الصدى: عندما يقوم شكل بالتردد والتكرار في منظومة الأشكال في أكثر من مكان، سواء كان ذلك بالتوالي أو موزعا، يتحقق الترابط بين نظام الأشكال على المستوى الكلي.

14. البساطة والهدوء الداخلي: التبادل بين الفراغ الإيجابي والفجوة في منظومة الأشكال وتوزيع المساحات يخلق روحا من البساطة والليونة التي تكسر جمود الأشكال الغنية بالتفاصيل. فالنظام الكلي يعمل كوحدة مترابطة للمحافظة على هوية كل مركز على حدة مبتعدا به عن التزاحم والتكثيف الذي يفيض عن الحاجة الجمالية.

15. عدم الانفصال: مع الترابط الذي يحدث بين مكونات النظام من خلال الأشكال الجزئية والكلية، يقوم النظام بالمحافظة على الانسيابية والترابط مع أنظمة أخرى سابقة له لا تتطابق مع هويته إلا أنها لا تتنافر معه أيضا.

إن هذه العناصر جميعها تترابط وتعمل لتكون صورة جمالية واحدة ليست موجودة فقط في الأعمال المعمارية أو الفنية. لكن هذه العناصر المذكورة موجودة في أمثلة من الحياة الطبيعية، مثل تشكل سرب من الطيور في ساعة المغيب، أو تبلور ندف الثلج وهي تذوب تحت أشعة الشمس، أو تشقق الأرض عن دلتا نهر يتدفق نحو البحر. في كل هذه العناصر أمثلة من الحياة تمر من حولنا دون أن نقف لنتأملها.

الأوسمة: