الأرشيف الشهري: فبراير 2013

النقد الكلي والجزئي

طرحت في مقالة سابقة مصطلح (الجودة التي لا اسم لها) وبينت أن هذا المصطلح يشير إلى غموض يصاحب فهمنا لجودة كلية شاملة لا يمكن تقسيمها إلى أجزاء، لذلك يستعصي وصفها. ومن عادة الباحثين على المنهج العلمي الذي وصفه ديكارت تقسيم الأشياء إلى أجزاء وعزل كل جزء ودراسته على حدة لفهم خصائصه. هذا هو المنهج العلمي المتبع عبر قرون، لكن يعيب هذا المنهج أنه يفقد فهم خصائص الكل الذي لا يمكن استنتاجها من الجزء.

وعند النظر إلى الشعر العربي، يمكن تتبع ملامح ما يمكن أن نطلق عليه (الجودة التي لا اسم لها) في كثير من النماذج الشعرية والمقولات النقدية المعتبرة من خلال العلاقة بين الجزء والكل. وكمدخل إلى مفهوم الجودة الجديد هذا نحتاج إلى النظر في الخصائص الكلية للأشياء في مقابل الخصائص الجزئية لها-باعتبار ذلك من سمات التعرف إلى هذه الجودة. وذلك لأن التعرف إلى (الجودة التي لا اسم لها) لا يأتي من دراسة الخصائص الجزئية بل من دراسة الخصائص الكلية أيضا. وعند مراجعة النقد القديم للشعر الكلاسيكي نجد أن المفاضلة بين الشعراء تأتي بالحكم في البيت والبيتين وبأحكام عامة ليست مجال مقارنة. فتجد عمرو بن العلاء مثلا، يصف الأعشى بالبازي الذي يضرب كبير الطير وصغيره، ثم يشبه جريرا بالأعشى، ويوزع الأمثال فيربط بين شعراء الجاهلية والإسلام، فنظير النابغة عنده الأخطل، ونظير زهير الفرزدق. والأمثلة لهذه الأحكام النقدية كثيرة في العصر الأول، وهي في الغالب نقولات شفوية وأحكام في سياق الإجابة عن سؤال عابر.

ظلت هذه النظرة تجري في ثنايا النقد العربي إلى عهد قريب مع تباين طفيف عبر العصور. ففي القرن الخامس الهجري قدم الجرجاني نظرية النظم التي يرى بعض النقاد المحدثين أن في هذه النظرية الكثير مما جاءت به البنيوية في النقد الحديث. إلا أن نظرية النظم كرست فهم علاقة الأجزاء ببعضها، الكلمة وما يجاورها، دون النظر إلى علاقة هذا التركيب على المستوى الجزئي بالسياق الكلي. وإن كان الجرجاني يحلل الإعجاز القرآني، إلا أن تطبيق هذا المفهوم في الشعر اقتصر على علاقة الكلمات وتجاورها ببعضها في البيت الشعري الواحد. فبنية القصيدة الكلاسيكية تعزز هذا المنظور كون عمود الشعر العربي يكرس استقلال البيت الشعري. فظل النظر إلى سر الإبداع في البيت الشعري وعلاقات الكلام ببعضه دون النظر إلى القصيدة كلها.

لكن عندما تغير نمط التفكير في العصر الحديث خرج كثير من الباحثين بنتائج جديدة وفي كثير من الأحيان مدهشة. من ذلك مقولات طه حسين في الشعر الجاهلي حين نظر إلى الشعر الجاهلي بحسبه وحدة متكاملة. وبغض النظر عن تفسيرات طه حسين للظاهرة التي رصدها، وهي التي جرّت عليه كثير من المواجهات العنيفة وقتها، إلا إن منهجية النقد الكلي أظهرت صورة جديدة لم يكن من الممكن الانتباه إليها من خلال النقد الجزئي المتبع سابقا. إن مفهوم (الجودة التي لا اسم لها) لا يمكن ملاحظته إلا عند ربط علاقات الأشياء ببعضها في منظور كلي. العلاقات هذه حين تجتمع في بيت أو في قصيدة أو مجموعة قصائد توحي في سياق كلي بجماليات لا يمكن التعرف إليها على حدة. ويبلغ ذروة تأثيرها في العلاقات الكلية الناتجة من ترابط الأجزاء ببعضها التي تكون شكلا أو انطباعا جديدا. وهذا الانطباع الجديد يحتاج تحليله وإرجاعه إلى بنيته الأصلية إلى منهجية جديدة.

الأوسمة: