الأرشيف الشهري: يناير 2013

الجودة التي لا اسم لها

أن تكون الجودة التي تبحث عنها بلا اسم يعني اعترافك ضمناً إنك لم تستطع الوصول لحقيقة هذه الجودة التي تريد التعرف إليها، فلا يمكن لك قياسها، أو وصفها، أو إعادة إنتاجها، فيصبح الاسم بذلك وصفاً للمشكلة التي تتعلق بهذه الجودة لا دلالة إليها. ويصبح الاسم من مظاهر هذه المشكلة لا حلا لها. ويكون بذلك عدم اختيار الاسم اتهام للمصطلح نفسه، فقد يشير المصطلح إلى شيء ما، ثم ربما ينقلب المصطلح ليدل على الشيء ونقيضه، فيكون المصطلح خائنا للمعنى. لذا من الأفضل أن يحيد الاسم حتى يعرف المسمى جيداً.

أول من سك مصطلح (الجودة التي لا اسم لها) هو كريستوفر ألكساندر، أستاذ هندسة العمارة في جامعة كاليفورنيا (بيركلي). وألكساندر من الناقدين المتذمرين من مخرجات الحداثة وما بعد الحداثة التي تمثلت في معماريات عصره، واصفاً إياها بالقبح والسذاجة والإفلاس، وغيرها من النقود اللاذعة، محاولاً إعادة العمارة إلى عهد أكثر تناغماً مع الإنسان وسياقه الاجتماعي والروحي. ففي كتابه (الوسيلة الخالدة للبناء) حاول التدليل بأمثلة كثيرة على أوجه هذه الجودة التي لم يسمها. فتكون غالب أمثلته مستمدة من التراث، من البيوت القديمة والمعماريات العتيقة. يبحث في هذه البيوت عن حقيقة هذه الجودة فيجدها حاضرة بقوة بينما تغيب عن البيوت الحديثة وما يحيط بها من معماريات. وفي الأمثلة التي تدلل على هذه الجودة (الغامضة) يجد أنماطاً مشتركة رغم الاختلاف الحضاري عبر الزمان والمكان، ملامح خالدة موجودة في النسيج المعماري للمدن والقرى القديمة، نما هذا النسيج عبر عقود طويلة من التاريخ الإنساني عبر إضافات صغيرة وتداعيات شبه عفوية متواصلة.

يقابل ذلك النسيج المعماري الخالد، ثورة الحداثة المعمارية وما بعدها، بفعل التقانة التي أعطت الإنسان القدرة على النمو السريع والامتداد الأفقي والعمودي في البنيان. قدرة لم يمتلكها الإنسان من قبل. فكان من هذا الإنسان أن مزق هذا النسيج المعماري الخالد، فأصبحت الفردية تنعكس على المعمار، ففي كل مدينة رقع من الأشكال المعمارية المختلفة، تفتقد لهوية المجموعة وخاضعة لخيال الفرد. هذه الصورة التي يصفها ألكساندر لمعماريات عصره تمثل رفضاً للمنهجية التي يعبر بها مجموعة من المعماريين النافذين في مجتمع صناعة المقاولات، داعياً لأن يكون للإنسان المرتبط بهذه المعماريات دور أكبر في اتخاذ القرار في نوع العمارة التي يسكنها أو يعمل بها، لما لها من الأثر الروحي والاجتماعي على جودة حياته.

لا يحد ألكساندر مفهومه للجودة بمجال معرفي دون غيره، فليست هذه الجودة متعلقة بالعمارة فقط، بل ستجدها في نظام الأشياء: حركة الأنهار، غصن مثقل بالفاكهة، شمس تصبغ البيوت بلون الغروب. لكن هل يمكن مقاربة مفهوم (الجودة التي لا اسم لها) بكثير من مظاهر الإبداع الشعري القديم ومقارنتها بمنتجات الشعر الحديث؟ فالشعر العربي يملك مخزوناً معرفياً عميقاً يمتد من مئات السنين لتراث كرسه مبدعون ما زالت أعمالهم حية بعد رحيلهم، يشبه في ذلك التراث المعماري. يبدو لي إن في الشعر العربي قديمه وحديثه خصائص جمالية تستعصي على الوصف، فيحق فيها أن تسمى (الجودة التي لا اسم لها). ولعل ذلك يكون مبحثاً آخر.

الوسوم:

قمة اقتصاديات الأمل

١

ذكر الأمير سعود الفيصل في كلمة له أن الأسباب الحقيقية لهذا الشتاء العربي الطويل، الذي سمي مرة ربيعا، هو الفشل في تحقيق التنمية، هذا يعني إن الأنظمة التي تستثمر في نفسها لتعزيز قدرتها على حفظ النظام والانضباط فشلت في التزاماتها نحو المحافظة على تحرك عربة التنمية إلى الأمام. لكن ما الذي يجعل الشعوب تنتظر رغم أنها يمكن أن تستشعر هذا التعطل في مدة أقصر من التي أخذته لتتحرك وتغضب؟ إنه مخزون الأمل في دم الشعوب، فالخوف من اليأس يأخذ بيد الشباب ليرميهم من أعلى طابق للغضب. فالتنمية التي تتعطل بظروف داخلية أو خارجية تمثل ضغطا كبيرا على مستوى جودة الحياة. فما القمة التي تعقد لبحث التعاون في مجال التنمية إلا قمة في اقتصاديات الأمل.

٢

الأمل في (الوطن العربي) سكين يسافر في زبدة الخاصرة. مهرجان من الدم المتطاير، و الموت الحر يملأ المكان. هذا الأمل المعدني الرنان، الخاوي من أي شيء، هو ما تراه في أزقة مدننا العربية. الجامعات مصانع ل(المارشملو) الذي يحترق ساعة يخرج من علبته البيضاء المنمقة إلى العالم. الحرية غزال شرده الصيد الجائر، وما بقي منه تطارده الذئاب البوليسية. ليله مرصع بالرصاص لا بالنجوم. فالأمل عاطل من العمل، والشهداء يقتسمون رغيف الذاكرة تماما كما تقتسم المقاهي أرصفة المشاة في المدن العربية.

٣

كنا نقول لا نكبة بعد النكبة،

فتوالت النكبات وتساقطت الملكيات،

وكنا نقول لا نكسة بعد النكسة،

فتوالت النكسات وتساقطت القوميات،

وكنا نقول لا سلام ولا استسلام،

فتوالى الاستسلام وراء الاستسلام ولا سلام،

واليوم تتساقط الدكتاتوريات كحبات البلوط فنتعثر فيها في طريقنا إلى التنمية.

٤

إن من يصنع الأمل من الداخل أو يصدره من الخارج ينظر إلى هذه الفوضى العارمة ليقول إن ما يجري ليس سوى فوضى خلاقة. غير أن المتفحص لما نحن فيه من حال، سيجد أننا نحكم البيروقراطية في شئوننا بحذافيرها، وهي أكثر الأنظمة الإنسانية صرامة ضد كل أشكال الفوضى. فمن أين تجيء هذه الفوضى إذن؟ لا شك أن مفهوما جديدا يمكن أن نخرج به من هذا الواقع، وهو فوضى الفوضى الخلاقة. فلا يمكن الاتكال على خروج الشيء من اللاشيء، أو ما يبدو لنا عدما. هكذا ينظر إلى حركة التاريخ، مجموعة من الكواكب التي تتصادم مع بعضها لتنتج لنا كرة أرضية جديدة. إن هذه الصورة العدمية تضع الأمل بعيدا من التحقق، أعلى من أن يمشي مع الناس على الأرض، وهي الشر الذي يقف وراء هذه الفوضى غير الخلاقة.

٥

إن الأمل، وصناعته، لا يقف عند المعنى البسيط لمفردة (الأمل) وحسب. بل يتعدى إلى معان أخرى. فالأمل زيت محرك العزيمة القوي، وهو رياح سفينة الإبداع الشراعية أيضا، وطوق السعادة وكعبها العالي. الأمل هذا الاستسلام الطبيعي العفوي لتداعي الأشياء حول حركة الزمن في انتظار أسطورة المستقبل، هو ما يمكن أن يصنعه مقهى جديد، وقافية يتدلى من تويجها الشذى. إنه (الأمل) الذي باستطاعته أن يصنع من مدينة حجرية إلى واد من الكروم.

لكن إن كل ما حولك فخ لهذا الظبي الشريد، فما العمل؟

الوسوم:

اللغة العربية تلتف كالحلزون

١

تنكفئ اللغة العربية على نفسها كالحلزون كلما مر وحش التقانة المعدني. تختفي خلف حشائش الماضي كأي غزال مذعور. وكلما حاول الصبية الاقتراب منها هربت منهم لكثرة ما جرحتها أشواك التجربة. لذلك نحن بحاجة إلى مؤسسات لنحبس هذا الغزال الشرود ليقترب منه أطفالنا فيروه من قريب، ويلمسوا فروه الناعم ووجهه النحيل.

الكتاب والكتابة وخيال الكاتب سجن للكلمة. لن تنطلق الكلمات حرة مثل العصافير إلا من قفص الفم. ولغتنا تختبئ بين الأوراق الصفراء والكتب السميكة مثل كنز مدفون. وهي بذلك تترهل وتصبح أقل قدرة على الحركة والمناورة والهروب من وحشة الغرابة وفخ الماضوية. فعلى اللغة أن تسير في طريقها الطويل وإن تعثرت، وإن حاربت رياح التغيير بسيف من خشب، وإن لم تستطع أن تحبس أنفاسها في بحر الأخطاء الشائعة.

الشفوية أخت العفوية، فإن خرجت اللغة من الكتاب إلى السوق فعليها أن تمتزج بلهجة البلد، وتذوب فيها كقطعة سكر. فالكلمات التي تجري على اللسان تسافر كالعطر في المسامع، وتفتر كالوردة في دم الفكر. ولا حاجة لمراجعة الكلمة المقولة حين تنطلق من عنانها، فذلك ضد التلقائية التي لا تبال بلبس النعال بين غابة من البساطير المتجهمة.

٢

توجد مبادرات تعمل مثل مكيفات الهواء في الصيف، لدفع عجلة اللغة في آلة التنمية. مثل مركز الملك عبدالله الدولي لخدمة اللغة العربية، ومبادرة الملك عبدالله للمحتوى العربي، وارتباط كلا المبادرتين باسم الملك عبدالله لا يخلو من دلالة عميقة لأصالة متجذرة  في صاحب الإسم. لكن مع هذه المبادرات المؤسسية، تقوم اللغة على تفرد الفرد في غزل لغته الخاصة من خلال الكتابة والقول. فالفرد مؤسسة أخرى، يجب تنميتها بالإبداع. لذلك تعميق هذه الفرادة في استخدام اللغة تأتي من دعم الفنون التي تضيء اللغة بطريقتها الخاصة، كالشعر والرواية. فكل جائزة تشير بإصبع نحيل إلى عمل أدبي جيد، تقوم بتحريك فنجان التفرد والإبداع في الحياة اليومية. وعلى كل المؤسسات الرسمية أن تعترف بالذات المبدعة مؤسسة قائمة لدعم اللغة العربية.

٣

عصارة الشعر، كما تبدو لي، هي إضاءة ظلال المعاني التي تولد من حركة اللغة في المجتمع. فقوة اللغة تستمد من المجتمع وتظهر في الشعر. وإلى ذلك كان يشير ابن المعتز في قوله: فلا تعجل بذمي إن رقصي/على مقدار إيقاع الزمان. فأي مقالة في انحسار الشعر، هي مقالة في ذم المجتمع الذي لا يفهم لغته، ولا يريد أن يستكشف سلالة المعاني التي تلتف مثل خريطة جينية في جسد كل منا لحضارة تمتد عبر العصور. الشعر هو الرئة التي تتنفس بها اللغة، وعافية اللغة من عافية الشعر، وعلى المجتمع أن يحمي رئة اللغة من أن تعبأ بالكربون وعوادم الحداثة.

الوسوم:

رسائل الربيع المستعجلة

تصلنا رسائل الربيع في شتاء يخفي مخالبه. سينظر كل منا إلى ساعته وتقويمه السنوي: تأخر هذا الربيع الذي ما عدنا نفهمه جيدا، والآن جاءت رسائله في غير موعدها، رسائله التي تفوح برائحة الحقول والسكك الضيقة. سيختلف اثنان على موعد دخول المربعانية، ولن يغير ذلك من الأمر شيئا: رسائل الربيع تسقط على الطرقات كالياسمين فيخلع الناس ما عليهم من خريف وشتاء ليقرأوا ملامح الورد في الحروف، سيبحث قارئ جيد للتاريخ عن قلم ليكتب في دفتره الصغير عن السنة التي تعلم فيها الربيع الكتابة ورد على بريد المعجبين، ستبحث عائلة صغيرة عن حديقة تطل على بحر أو بحيرة ليتمرن طفلها الوحيد على ركوب دراجته دون عجلات رديفة. سيجد شاعر قريحته أكثر عافية في هذا الربيع المبكر. سيجد روائي عقدته الفنية التي كان يبحث عنها تحت ركام أوراق الخريف في طرقات السرد كمن يبحث عن مفتاح بيته داخل البيت. سيجد رسام لونه المفضل لحظة ما يطأ الربيع على طرف عباءة الشتاء فينكشف الخريف المعتق بلون جديد. سيتغير لون البادية أكثر من مرة: فمرة سيتفتح لونه كحقل قمح تجدله ريح الشمال، ومرة سيصبح داكنا كصخرة أمطرتها سحابة صيف شردت من قطيع الغيم الأسمر. سيميل نخيل وادي حنيفة إلى الغرب أكثر كأن الغروب يشد سعفه قليلا ليمشطه بأشعة الشمس. سيكون المناخ السياسي أكثر لزوجة وأبطأ حركة، لا الاتقافيات البينية تقدم حلولا للتحرك إلى الأمام أو إلى الخلف، ولا معاهدات السلام تفكك عقد التوتر بين أضلاع القضية. سيتضخم الاقتصاد أكثر، رغم كل العقوبات الاقتصادية التي تملأ العالم بأمل شفيف. وربما تمدد العشب ليخفي خطوط الجغرافيا الوهمية على ورق الخريطة، ليأكلها قطيع من الماعز يقوده رعاة حفاة صقلوا ناياتهم بعبير الربى. سيأخذ ساعي البريد إجازة مفاجئة ليملأ كيسه من بريد الربيع المستعجل ويأخذ زاوية نائية بين شجرتين عظيمتين ليقرأ رسائله رسالة رسالة:

.. الورد ينبت خجلا على خد رابية رأت نفسها في مرآة غيم صافية ..

.. خطي ربيعي لكن على لغتي أوراق الخريف ..

.. الشتاء نسيج من الهجر والجفوة تمزقه ابتسامة دفء حانية ..

.. أعد قهوتي برائحة البندق في انتظار أن ينتهي الشتاء من أعماله اليدوية ..

.. الخريف ما تبقى من الحزن والشوق في جوف الآنية ..

.. لكل الذين تحلقوا على النار هذا الشتاء، صورتي هذه السنة ملونة بالأقلام الخشبية ..

.. الربيع سماء مفرقة وقطعة حلوى وماء يجري في عروق القافية ..

الوسوم:

البيوت

البيوت على وجهها حزن المسافر حتى يعود ومسحة الظل الصموت. ربما تؤنسها نخلة طويلة لا تفكر في غير انحناءة الوادي والحنين الذي يشدها إليه مذ كانت فسيلة بانتظار المطر. تطوف البيوت ببطء مثل السحابة دون أن يحس بها سكانها وهي تشد الطريق كحبل لعل تائها يمسكها في الليل فتدله.

للبيوت دكنة مسحتها السنين على ملامحها المجعدة بالطين والحجر. قد يحسن المعماري استدارة زواياها، ويجنبها حدبة في السقوف، وعطلا من النقوش، فإن لم يحسن ذلك كله، أو أي منه، فستبرد البيوت أطرافها بالقمر، وتفتح للريح نوافذها لتستدير الزوايا المدببة رويدا رويدا. والبيوت تعجن سكانها باستدارة التجربة حول وتر الشوق. نوافذها عيون زرقاء تطل على بهو الروح. فهي تتكور حول نفسها في الليل من قلة الزائرين وبرد المسافة. فقد يضع عابر وردة على جدار البيت تذكره بحديقة ما، فيفوح البيت بالذكرى، فيضع البيت عنوانه في جيب ذاكرته لعله يعود مرة أخرى.

والطفولة تعلق أسماءها على مزاريب البيوت، وتترك ألعابها على عتباتها فقد تفتح الباب أم حنون تلقف ما تبقى من شقاوتها وتكنسه تحت سجادة دفء الأمومة. والبيوت الصغيرة تجلس القرفصاء وهي تسند بظهرها دراجة حمراء لشاب لا يجيد قيادة السيارة، لكنه يجيد فك الرسائل المشفرة. على التلال تبدو البيوت طيورا محنطة توشك أن تطير، تسربلها الشمس بالذهب الأحمر. عجائز يجلسن لنشز شرشف الغروب تقية من ليل بارد يوشك أن يلقي سلاسله عليهن. وحين يوشك الفجر أن يسل خيوط الليل من أنامل الأمس، تصحو البيوت لتصقل نوافذها بزبد البحر، بانتظار غروب جديد.

الوسوم: ,