الأرشيف الشهري: ديسمبر 2012

الأمير سلمان وجائزة التراث العمراني

توافق طرح موضوع التلوث المعماري لمدينة الرياض في المقالة السابقة مع منح الأمير سلمان بن عبدالعزيز جائزة الإنجاز مدى الحياة في مجال التراث العمراني التي نالها نظيراً لجهوده في المحافظة على التراث العمراني وإثرائه. وكان الحديث عن ملامح هذا المصطلح المجازي، ولم أذكر ما خالف هذا النمط من النماذج العمرانية التي تستوحي جمالياتها من التراث والسياق المحلي. وعند استعراض هذه الأمثلة في مدينة الرياض تحديداً تتشكل لدينا أنماط عمرانية متقاربة تمتد عروقها من جذور تاريخية راسخة وجماليات أصيلة، كلها ترتبط بالأمير سلمان بأكثر من وجه.

فإضافة إلى الوجه الإداري الهيكلي المتمثل في مؤسسة مثل الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، يظهر لنا وجه آخر يعرفه من عمل مع الأمير سلمان عن قرب، وهو رؤيته للسمة التراثية التي على العمران الحديث أن يكتسي بها. سيجد كل زائر للرياض هذا الوجه العمراني جلياً في مشاريع كبرى مثل حي السفارات ومركز الملك عبدالعزيز التاريخي ومنطقة قصر الحكم. هذا النسيج العمراني المتين، غير المتصل مكانياً أحياناً، المتصل فكرياً، يمثل رؤية جمالية لعمران مدينة الرياض الحديث تقف معترضة لأنماط عمرانية أخرى تمثل التلوث المعماري الذي أشرت إليه سابقاً.

فعند النظر إلى اللون الأديمي الذي يكسو هذه المعماريات، يتضح لنا الانسياب الجمالي الذي يحدثه اللون مع التربة والأفق. يقابل ذلك المعماريات الزجاجية التي تشكل ما يشبه المرايا الحرارية في مدينة معبأة بالشموس. فمن أهم ملامح النمط المعماري لمشاريع مثل قصر الحكم، هو إعادة انتاج التراث من خلال وسائل البناء الحديث. فمن ينظر إلى مدينة الرياض القديمة، وأنماط البناء التي ما يزال بعضها قائماً، يرى أن المعمار الطيني أنتج نمطا من الانحناء العفوي غير المنتظم في الزوايا والمنائر نتيجة للتقنية البسيطة التي كان يستخدمها البنَّاء. هذه الانحناءات العفوية أصبحت سمة معمارية تراثية توحي بعفوية أقرب إلى طبيعة الإنسان القديم من الأشكال الهندسية المنضبطة التي جاءت نتيجة للتطور الهندسي الحديث. فمع بقاء هذه العفوية في أمثلة عمرانية متفرقة، إلا أن إعادة انتاج التراث لم تمنع من تمثل العصر الذي انتجت فيه هذه العمارة. فقد حافظت هذه الدقة الهندسية الحديثة ما للعمارة التراثية من بساطة، تتمثل في الأشكال الهندسية المنقوشة على الواجهات، والمثلثات التي تزين المنائر. ومع إعادة انتاج التراث المعماري في سياق التطور الهندسي نتجت عمارة تقترب في كثير من سماتها بالعمارة الإسلامية التاريخية في أوج تطورها، كالعمارة الأندلسية مثلاً.

إن منح جائزة مدى الحياة في مجال التراث العمراني يعد تتويجاً للرؤية الجمالية التي يمثلها الأمير سلمان من خلال المشاريع الكبرى التي تعيد تشكيل مشهد الرياض الفسيفسائي بعمارة أكثر نقاء وعذوبة، تقابلها أشكال عمرانية كدرة تمتد بطول الرياض وعرضها. فهذه الجائزة فرصة لإعادة النظر في الأساسيات الجمالية التي تقوم عليها عمارة مدينة الرياض، انطلاقاً من مقارنة ما تمتلكه عمارة الرياض الحديثة من قيم جمالية تراثية، مع ما تسرب إليها من قيم جمالية مجلوبة تسربت إلى مشهدنا المعاصر من مسام الحداثة.

الوسوم:

التلوث المعماري لمدينة الرياض

الرياض مدينة تنمو بسرعة سواء سكانياً أو عمرانياً. وهذا النمو السريع يأتي على حساب أمور كثيرة منها ما يمكن أن يسمى بالتلوث المعماري. فنحن نعرف أن الطرق المزدحمة قد تؤدي إلى تلوث صوتي، يسهم في تلوث البيئة كتلوث الماء والتربة والهواء. ودور العمارة في الحد من التلوث البيئي مطروح من خلال الترشيد في استخدام الطاقة والمساهمة في الحد من مخرجات العمران من النفايات وما إلى ذلك، كله يندرج تحت مفهوم العمارة الخضراء. إلا إنني لا أعني بالتلوث المعماري ما يخرج من هذه العمارة، بل ما ينتج من نظام العمارة نفسه بكل تحولاته وأثر ذلك في النسيج العمراني للمدينة منذ إنشائه حتى هدمه عند نهاية عمره الافتراضي.

ففي مدينة الرياض يمكن تلمس قماشة المدينة العمرانية بالنظر إلى الصورة الناشئة من تجاور البنيان على امتداده في كل اتجاه. فالعمران، مثلا، على جانبي طريق التخصصي الممتد من الجنوب إلى الشمال، يولد شريطاً عمرانياً متصلا يتكون ويتحول تدريجياً يوما بعد يوم: بناية بناية، رصيفا رصيفا، شباكا شباكا. وعند تفحص هذا النسيج، ستجد أن لملمسه خشونة تتناقض مع نعومة بيئته المحيطة به: تضاريس البادية الخالية من الزوايا الحادة تقريبا، وليل كعباءة البدوي مثقبة بالنجوم، ومشهد صحراوي خال من الكثافة. ستجد بالمقارنة على امتداد مدينة الرياض: زوايا حادة للهياكل العمرانية المكعبة، بياض مفرط في التفاؤل لا يبقى طويلا، كثافة ممتدة لا تنقطع إلا ببقع معزولة مليئة بالنفايات. هذا التناقض بين البيئة الهادئة المحيطة وهذه الواحة الإسمنتية يوحي أن تجربة التنمية العمرانية حتى الآن لا تقوم على مبادئ مشتركة مستمدة من التراث.

فبمقارنة مدينة الرياض القديمة والرياض الحديثة على مستوى الشخصية المعمارية سنجد إن البيوت توحي لمن يراها أنها طالت مع النخيل ونبتت من الأرض كما نبتت من الأكف الأنامل. فعمران الرياض القديم يشكل نسيجاً متكاملا من الأنماط المعمارية نتيجة لما له من بساطة وعفوية. البيوت أكثر التفافا، والطرقات أقل صرامة وأكثر استجابة للسياق الذي يحيط بها. يقابل ذلك ما للرياض الحديثة من صرامة معمارية تستجيب للمسطرة والفرجار على الورق ولا تستجيب للتلال والأودية على الأرض. الصورة الفسيفسائية المكونة من أنماط معمارية متباعدة روحا المتلاصقة مكانا هي ما يمكن أن نعرف به التلوث المعماري. هذا التلوث المعماري الذي لا يستجيب للنسيج السياقي المحلي المتنوع، إنما يستجيب لسياق خارجي يعيش غريباً بيننا.

الوسوم: ,

سبع فوائد من وجود جغرافيا للشر

الفائدة الأولى، حتى وإن كانت الحدود خلافية مرسومة بعصا نحيلة على الرمل، يمكن محوها بقدمك وأنت تسير عصرا في يوم جميل، فإن وجود الشر جغرافيا على الخريطة يعطي مصداقية لحقيقة وجوده. فتستطيع معاينة حركته الصباحية والمسائية، وطبيعة اللغة التي يستخدمها للتعبير عن نفسه في مؤتمر عالمي لمحاربة الفقر، مثلا.

الفائدة الثانية، أن الشر يمكن أن يكون عملا مؤسسيا من خلال نظام عنصري دموي. فنظام مثل هذا يمكن أن يمارس مهمته بكفاءة عالية، ومن الممكن قياس انضباط أفراده في تنفيذ أهداف المؤسسة أيضا، وما يتحلى به أعضاء هذه المؤسسة من أمانة وإخلاص في تأدية المطلوب منهم بما يحقق الأهداف والرؤية المستقبلية المعلنة للنظام.

الفائدة الثالثة، أن الجمال الظاهري لا يعكس بالضرورة قبحا داخليا يليق بالشر في هيئته المؤسسية والمستقرة على الخريطة. فقد تقضي وقتا جميلا على الساحل في نطاق الشر الجغرافي دون أن تشعر بوجوده من حولك. وقد تخونك فطنتك من أن تراه يمر من جانبك في سوق شعبي مزدحم بعيدا عن نطاقه الجغرافي المعروف.

الفائدة الرابعة، أن للشر اقتصادا عندما ينتقل من صورته المعنوية إلى صورته الجغرافية. ولهذا الاقتصاد ديناميكية لا تختلف كثيرا عن غيره من الاقتصاديات الأخرى سواء ديناميكية الاقتصاد الجزئي منه أو الكلي. لكن لا تعول كثيرا على دور الأخلاق كثيرا في اقتصاد مثل هذا يركب الشر فيه دراجة هوائية صديقة للبيئة في الطريق إلى مفاعل نووي سيفجر العالم.

الفائدة الخامسة، أن الشر حين يحل في الجغرافيا يفرخ أطفالا غير مجازيين، يركضون إذا وجدوا مساحة مفتوحة في سماء يوم أزرق، ويعثرون كما يعثر أي طفل في عامه الثاني في أي مكان آخر. لكن للشر طريقته في إخفاء أنيابه وراء ابتسامة طفل مليء بالعافية، وهو يعرف كيف يجعل من الطفل فاتحة لحديث عابر مع غرباء تائهين في زحمة مدينة كبيرة.

الفائدة السادسة، أن للشر قدرة على الرواية التاريخية ينفذ منها إلى الجغرافيا من ثقوب السياسة. فالشر يستطيع أن يستفيد من آليات الاقناع المتوفرة للجميع كاللغة والمنطق والفن، وربما تفوق في استخدامها. فقد يكون للشر شعراء مَهَرة يجيدون ثني الكلام وتدجين المجاز، وقد تكون له مؤسسات أكاديمية لأعضائها صور فوتوغرافية جذابة توحي لمن يراها بالحضارة والمدنية.

الفائدة السابعة والأخيرة، أن للشر أقنعة كثيرة ووجود جغرافيا له يسهل من رؤية أصحابه وهم يخلعون الأقنعة عند دخولهم إلى أجوائه الإقليمية. فتخلع الأقنعة عند المصافحة والعناق الحار، وتخلع الأقنعة عند تبادل النكات وسماع الضحكات الصادقة، وتخلع الأقنعة عند اقتسام كعكة كبيرة في حفلة خيرية لجمع التبرعات لضحايا حقول الألغام.

الوسوم:

أنف عدونا الكبير

ما زالت غزة تلقي بنفسها من أعلى المقاومة ولا يتلقفها أحد. دمها الذي تنزفه زكاة المقاومة والقضية. القضية التي ترسم خريطة العالم دولة دولة، وحين يقترب قلمها الرصاص الخفيف من القدس تبدأ يدها في الارتعاش، فينكسر القلم الهش ويسيل الدم في عروق المدينة. غزة على الخريطة المنقوصة مرسومة مثل سكين لكنها هي الجرح، وهي المرسومة مثل المسدس لكن الرصاصة الفضية في رئتها. وهي مرآة عدوها تكشف ملامح قبحه المتعددة: أنفه الكبير الذي تتربع عليه قاعدة عسكرية مدججة بالمدافع التي تطل على طفل صغير يبني بيتاً رملياً على الساحل؛ أظافره الطويلة التي تستظل تحتها بوارج رمادية تجرح البحر؛ أنيابه الطويلة المغروزة في لحم الأرض المحتلة منذ ستين سنة. فالأرض المرضوضة ببساطير الجنود محاصرة بالدموع والبنادق، والسماء مسقوفة بالطيور الحديدية وفقاعات الأمل الملونة، والبحر مرصوف بنزيف الشهداء وعلب الكولا الزجاجية التي يأرجحها الموج محشوة برسائل الأطفال إلى العالم. فما زالت غزة تطرق باب الحرية الكبير حتى تقرحت يدها الصغيرة، وما زالت تسير حافية في سكك السياسة الدولية حتى تفطرت قدماها. وعدوها يعرق من لعبة القولف ويشتكي من حرارة الصيف وهو يشرب شاياً مثلجاً ويراقب حركة البورصة. فعدوها قادر على أن يقنع العالم بموقفه الملطخ بالدم لأن ربطة عنقه أنيقة وليست مرتخية أمام الكميرات، ولأن إنجليزيته قادرة على أن تملأ الصورة بالضباب فلا يرى أحد ما خلفه من الخراب والدخان. وهو إضافة إلى كل ذلك يملك مهاراة نادرة في خفة اليد. ففي كل اجتماع دولي يقف ويلبس قفازاته البيضاء ليبدأ عرضه المكرر: يخرج أرنباً ناصع البياض من قبعته السوداء الطويلة فيصفق أعضاء المؤتمر، ثم يعيد الأرنب إلى القبعة من جديد ويخرج منها حمامة، حمامتين، ثلاثاً، فيقاطعه الحضور بالتصفيق الحار والصفير. لكن عندما يعرض لهم عرضه الأخير وهو يقسم جسد الأرض المحتلة بمنشار المستوطنات الطويل، لا يصدق أحد أن ما يراه حقيقيا/واقعيا/تراجيديا/مأساويا. وأنه ليس فيلماً سينمائياً مدهشاً يعرض لأول مرة، أو خدعة فنية أعدت مسبقاً في مختبر لتقنية الألعاب البهلوانية. إلا أن الحضور يصمت لدقائق قليلة ليسترد أنفاسه المحبوسة، ثم يعود للتصفيق والصفير.

الوسوم: