الأرشيف الشهري: نوفمبر 2012

تزور مدنا جديدة

تزور مدناً جديدة تصافحك بغصون الشجر الرطب وتحضنك بالشواطئ. في كل مدينة جديدة تزورها، قوارب شراعية تروح وتذهب فيك. كأن حزناً ما يمشط رملك الداخلي بانتظار أن تنقشه قدما قرية صغيرة تمرك على الطريق بين مدينتين. تذهب بعيداً ليبللك مطر عابر ليس له مظلة. كأن كل ما فيك من صحراء ونخيل بانتظار أن تصبح الصحراء صخورا والنخيل أعشاب بحر بانتظار موجة مشغولة بالزبد. تحتاج أن تمر نافورة واحدة منقشة بالصدف لتتغرغر بماء حزنك حتى يتكدس الورد في دمك. تحتاج لأمل عشوائي يتساقط عليك مع أوراق الخريف لتعرف أن ما ينقصك لتكون آخرك الذي ينتظرك في المستقبل هو أن تكون أنت أناك تماما. فربما تنقصك شمس صغيرة تحمص ما بين وجنتيك من حنطة ليستدير وجهك كالرغيف فتختفي زوايا حزنه المدببة. وربما تحتاج إلى أن تمشي ونفسك طويلاً لتجعل من ماضيك سلماً لتصعد به إلى المستقبل.

تزور مدناً جديدة لأن كوباً واحداً من القهوة لا يكفي لتسرد قصة عمرك، ولأن الطرق الحجرية التي تؤدي إلى مقهى يطل على البحر ليست واحدة، ولأن حقائب حزنك كثيرة. فقد تقف عند أول مقهى تمره كنحلة تبدأ الورد من أول الحقل، وتسند رأسك إلى الخلف لتعد الحمام الذي يشكل غيمة رصاصية تمر من فوقك، وتسأل عامل المقهى: أشاهدت غيماً كهذا قبل ذلك؟ فيرد جارك في الطاولة الأخرى: أرأيت حماماً كذلك قبل هذا؟ فيقول عامل المقهى: هذا موسم السياح الذين يكثرون من الأسئلة ولا يدفعون كثيراً.

تزور مدناً جديدة لتكثر من السير وحدك في حديقة خالية إلا من العشب. فتقيس ظل شجرة في المنتصف بملاعق القهوة: ما ضر الشاعر الإنجليزي لو قاس عمره بملاعق الحساء الطويلة ولو مرة. وبماذا أقيس عمري لو لم أجد غير عينيها الذابلتين؟ ستصل إلى نهر ما حتماً، وتستسلم لصوته الناعم، كأن النهر يمر بين الأحراش على أطراف أصابعه. وربما تغمس قدميك المقرحتين من السير طويلاً في رمضاء الحب في انتظار قارب ملون يدعوك للصعود في رحلة قصيرة إلى حيث يختفي النهر حين ينزوي وراء القلعة.

قد ترى الغيم الذي يشبه الحمام الذي يقلد الغيمة الرصاصية فلا تبلغ قائد القارب لكي لا تخل بتوازنه الهش، وقد يراه وأنت منشغل بمرآة نفسك في سواد النهر. ستقول: الليل مرآة ثقبتها النجوم، ويقول قائد القارب: بل الليل عباءة مخرقة للنهار. سيصل القارب إلى آخر النهر، وتصل أنت إلى نهاية نهرك الشخصي، ثم تعود.

الوسوم:

اقتصاديات سوق الثقافة

كلما دخلت متجر (بارنز آند نوبل) في أي مدينة أزورها اتجه إلى قسم الشعر تلقائيا مثل من يبحث عن بيت خارج بيته. لكن المساحة الممنوحة للشعر في مكتبة من دورين ومقهى في المنتصف تضيق عن المدى الذي يفتحه الشعر في سماء اللغة. الشعر يأخذ بالكاد متر وسبعون سنتميترا وأسماء تتكرر من مدينة إلى أخرى، الأسماء نفسها والمساحة هي هي. الشركة التي تعطي كتب الطبخ وتطوير الذات حيزا أكبر في كل فرع من فروعها في العالم لا تعبر بذلك عن ذوق رئيسها التنفيذي، بل تعبر عن رؤية الشركة وفهمها لاهتمامات القارئ ورغبته الشرائية.

فالمتاجر الكبرى مثل (بارنز آند نوبل) تفتح نافذة للمتابع على اقتصاديات سوق الثقافة. فهذه المتاجر تتبع ديموقراطية مجازية تتمثل في ديموقراطية السوق أو ديموقراطية رأس المال. وهذا النموذج الاقتصادي مقبول إلى حد كبير في سوق الخدمات أو سوق التقنية حيث يتبع المصنع رغبة المشتري ويقبل نقده لجودة المنتج، والمعادلة النسبية بين السعر والجودة. لكن عندما يتعلق الأمر بالفكر المتمثل في الكتاب، فالأمر يختلف قليلا.

فمع نمو صناعة متطورة للكتاب، تدخل فيها تقنيات عالية من تصميم الغلاف إلى مادة الورق، إضافة إلى الكتاب الإلكتروني، يظل المحتوى-مادة الكتاب الأساسية-محل خلاف واضح. فهل يمكن اعتماد القارئ مقيما أساسيا لجودة مادة الكتاب على اختلاف موضوعه؟ عندما تقف عند زاوية الشعر في المكتبات الكبرى، مثلا، لن تجد إلا عددا قليلا من الكتاب الحائزين على جائزة نوبل ممثلين على الرفوف. هذا الغياب يدل على التباين بين حركة السوق الاقتصادية وحركة النقد، الذين لا يعترف أحدهما بالآخر. فالمكتبة التي تسعى إلى الربح لن تعترف إلا بأرقام المبيعات. أما لجان الجوائز فلا تأخذ بالاعتبار إلا الجودة بمفهومها المعياري الذي يعرفه النقد النظري أو التطبيقي. في حالة النقد، قد يتخلى ناقد حاذق عن أدواته التقليدية وربما ذوقه الشخصي، ليحاول فهم اقتصاديات السوق الثقافية. ما الذي يجعل كتابا ما أكثر رواجا؟ وفي جانب الإبداع، قد يتخلى كاتب عن تقاليد مدرسته الإبداعية ليحقق رواجا وربحا لا يمكن أن يصل إليهما بموهبته وحدها. وفي هاتين الحالتين نوع من التنازل عن قناعات مسبقة، وشيئا من البراغماتية التي تتعامل مع واقع لا يمكن تجاهله.

إلا أن جانبا أخلاقيا ومسئولية أدبية لا زالت قائمة لا يمكن تجاهلها عندما يتعلق الأمر بالأدب دون غيره من مجالات المعرفة. ففي كتب المعرفة المختلفة، الفيزياء مثلا، يمكن أن تقدم مادتها بشيء من التبسيط، بمعادلات أقل، بلغة صحفية تصل إلى أكبر عدد ممكن من القراء المهتمين دون أن يتخلى الكاتب عن حقيقة المادة العلمية. هذا التقسيم، مادة أصيلة وأخرى مبسطة، ليست ممكنة في الأدب. فإما أن تكون قابلية النص للقراءة الجماهيرية عالية أو لا تكون. فلا توجد للنص نسختان: واحدة تملك كل ما يعرفه الناقد من جماليات فنية، وأخرى تتخفف من ثقلها الجمالي لتحملها روح قارئها إلى أبعد من نفسه.

الوسوم:

التقنية ودمقرطة الثقافة

بين الديموقراطية والتقنية علاقة متبادلة، فحين تخدم التقنية الديموقراطية في تحصيل أصوات الناخبين مثلا، محققة سرعة فائقة في تعداد الأصوات؛ تقوم الديموقراطية في خدمة التقنية بشكل غير ظاهر. فجوجل مثلا تستخدم الديموقراطية لتصنيف مواقع الانترنت التي تعرضها حين يقوم المستخدم بالبحث من خلال كلمة مفتاحية. حيث تبحث جوجل أولا في المواقع التي تحصل على أصوات أعلى، بحيث تتفاضل المواقع بعدد الأصوات كما يحدث في انتخابات الرئاسة. فكل رابط يضعه موقع ما يؤدي إلى موقع آخر، تعده جوجل مثابة صوت يمنحه الموقع الذي يحمل الرابط إلى الموقع الآخر. فمثلما يقوم المنتخبون بمنح أصواتهم للناخبين من خلال تعبئة نموذج انتخابي، يقوم الموقع بمنح رابط لزائريه ليرشح موقعا ما. بهذه الطريقة تكون جوجل قد تنازلت عن سلطتها في تصنيف المواقع ومنحتها إلى جمهور صانعي المواقع بترشيح من يرونه مناسبا. وما على جوجل سوى أن تحصل الأصوات بشكل دوري وتعرض النتائج كلما قام مستخدم بالبحث عن كلمة مفتاحية.

من خلال تقنية البحث هذه، تقوم جوجل بجعل مادة الانترنت خاضعة لديموقراطية منشئي المواقع الذين يملكون الأصوات من خلال الروابط. يقابل هذه التقنية ما يقوم به أفراد يتولون مسئولية تمثيل الذوق العام حسب القيم التي يلتزمون بها والقيم التي تسنها سياسة المؤسسة التي يعملون بها لاختيار المادة الثقافية. ورغم أن القارئ يمارس حقه في الاختيار بين المطبوعات بشكل غير مباشر، وهو بحد ذاته يمثل تصويتا للمطبوعة بمجملها، إلا أن الديموقراطية التي تقوم عليها تقنية البحث في جوجل أكثر ديناميكية وشفافية في عرض الرأي الجمعي حول مادة ما.

مثل جوجل، تقوم تويتر بصناعة الثقافة بناء على أسس ديموقراطية أيضا. فمقابل أن يقوم الموقع بترشيح موقع آخر من خلال رابط الكتروني، يقوم مستخدم تويتر بإعادة نشر المادة الثقافية، بحيث يتم تدويرها من أكثر من مستخدم بما يشبه عملية ترشيح آنية تبلغ ذروتها في حدود بضع دقائق. وتتراوح إعادة التدوير، أو الترشيح، من مادة أقل من مئة وأربعين حرفا إلى كتاب بأكمله. وعلى نمط تويتر نفسه، يقوم الفيسبوك بترشيح المادة الثقافية بطريقة مشابهة. وفي كلا الحالتين، تويتر وفيسبوك، تمنح شبكة التواصل الاجتماعي قدرة أكبر على تحقيق مفهوم الديموقراطية على أجزاء من العمل الثقافي وبشكل آني. أجزاء فسيفسائية من المشهد الثقافي المعاصر، في مقابل ما تحققه جوجل من ترشيح مواقع بأكملها.

عند استعراض المشهد الثقافي، وقنواته الإعلامية في الخصوص، يتبين أن التقنية تقوم بتمكين أفراد المجتمع في ممارسة حقهم في الاختيار والترشيح بشكل أدق. فمن الاختيار الذي يقوم به القارئ للمادة الثقافية من خلال مطبوعة ما بممارسة التصويت ضمن ما يمكن أن يسمى ديموقراطية اقتصاديات السوق، تأتي تقنية جوجل وتويتر وفيسبوك بإعطاء القارئ حقه في التصويت خارج اقتصاديات السوق، أي دون أن يكلف القارئ التصويت ماديا. فإن كان كثير من المحللين يرون تحول الثقافة إلى شبكة التواصل الاجتماعي نوع من تمكين الفرد من صناعة مادته الإعلامية أو الثقافية بنفسه، فإن المحفزات والتحديات التي تقوم عليها صناعة المادة الثقافية في الإعلام التقليدي ومجتمع شبكات التواصل الاجتماعي لم تتغير كثيرا. فإن كان الإعلام التقليدي يخضع لاقتصاديات السوق، فإن شبكات التواصل الاجتماعي هي الآخرى تخضع لاقتصاديات المرشح.

الوسوم: