الأرشيف الشهري: سبتمبر 2012

المئذنة

المئذنة عنق المدينة الطويل. فالمآذن في سماء المدينة نقاط على شبكة ثنائية الأبعاد لا يراها سوى الحمام الزاجل. والمآذن رايات ركزها الفاتحون وبنوا مسجدا بجوارها لتؤنسها. وهي مسلة لجمع النجوم الصغيرة التي تسيل من عباءة الليل. نزُلٌ للطيور المهاجرة، ترى الطيور من بعيد تحط على رؤوس المآذن المدببة كندف الثلج. تنقش هوية المدينة بصوت الأذان، وتطول لترفع سقف قبول الآخر في سماء ملبدة بالتيارات اليمينية المتطرفة. تضيء أحيانا وحدها شمعة في الليل، تمد يدا بانتظار قادم من الصحراء يسير على قدميه النحيلتين ويتعثر. وقد تتوارى بين نخلتين تتعانقان كسيفين، وساقية تنساب كحية بين العشب، تحك أحجارها وهي تختفي في عتمة النخيل الكثيف. وفي الليل، بعد أن تطفئ المدينة قناديل السكك الضيقة بين البيوت، وتمر العصافير في أعشاشها بين فروع الشجر وسقوف المنازل؛ تسند المدينة ظهرها إلى مئذنة عتيقة بانتظار ما لا يجيء. وفي المكان نفسه يجلس شاب ويسند ظهره ليكمل شرب شايه وهو يرى كيف يصنع السحاب من أنامله مغزلا ينشز من الشمس خيوطا ذهبية ينثرها كسنابل قمح على الدكاكين والبيوت الخضراء. فالمآذن تخبز الظل على القباب حتى إذا حان العصر ألقت به على الميادين كخبز التنور، تلعب فيه الأطفال وتثقبه النوافير. فالمئذنة استعارة معمارية لنخيل البادية. والبدوي الذي استودع نخيله في المآذن، بنى بساتينه من عقود المساجد. فكلما خرج المصلون من بساتينهم المجازية، ركض طفل يتخطى الجموع ليضع إذنه على حجر المئذنة وينصت: أكاد أسمع تسبيحها. سيضحك شيخ حين يسمع هذا الكلام: يا بني، صوت المأذن دم في عروق المئذنة. لكن الطفل سيركب دراجته مثل كل مرة، ليقنع أصحابه بالحقيقة: المآذن تصافح الغيم قبل المطر، وهي التي تضع فلفلا إيقاعيا في صوت المؤذن، والمآذن تطعم الشعراء لغة ليتغزلوا بها في النخيل ويمدحوا مدينتهم حين توشك أن تفلت منهم. فالمآذن أول الخاسرين في خراب الحروب، فهي أول من يتلقى طعون الغزاة، وهي التي تلوي على أصابعها عباءة التاريخ كلما حاول أن ينصرف هاربا من وحشية الإنسان. فليس أكثر عزة من مدينة محطمة تقف في منتصفها منارة مثقبة، وليس أكثر حزنا من مئذنة مكسورة نصفين.

الوسوم:

مرض الحنين وجمهورية البيروقراطية

يتقاطع الحنين والبيروقراطية في نقيض ما يبديان ويخفيان. فالحنين الذي يخفي مخالبه في فرو راحته، يليق اسمه بوردة لا بجزيرة نائية تورث الوحشة، تجاورها في بيوت من طين اللغة معان مليسة كأنما تحيط نفسها بقطعة من الحرير. فالحنين كلمة لها رقة الغروب حين يلون الأمواج التي تتفرق من قارب صغير ينسل من ماء البحيرة إلى اليابسة ببطء. لكن الحنين رغم ذلك، يخفي إبرا تحت مخمل الذكريات. فحاؤه التي تنعقف مثل منقار عصفور، تنكش في غفلة منك ما في ماضيك من ألم. فهو يريك ما يريد من الماضي بمرآته المهشمة: باباً أبيض ترسم دالية بالأصفر والأخضر له إطاراً، لكن لا يريك المظلة المثقوبة فوقك، ويريك ممراً طويلاً معبداً بحجر صغير ناعم كان يعجبك، ولا يريك الهاوية في آخره، يريك وجه الحب ولا يريك نمش الهجر. الحنين هكذا، فخ لذاكرة سقطت منها عدساتها الطبية، فالعالم بالنسبة إليها كلوحات مجلس الشعب للرسام الفرنسي (مونيه)، مشهد واحد بألوان متعددة كلها مكسوة بغبش الفجر. فلا يرى المصاب بالحنين إلا ما لا يناله من الماضي، ويفوته ما يمر من حوله من عربات قادمة من المستقبل. فاسمه المدور يغري من يمر به ليقف عند نافذته الأنيقة وستائره المعطرة طويلاً طويلاً دون جدوى.

أما البيروقراطية، فتخفي خلف وجهها المتجهم جمهورية النظام وهندسة لغوية دقيقة لا ترى للأشياء غير المحسوسة كالسلطة والمعرفة والقوة. إلا أن البيروقراطية اتخذت لنفسها صورة خارجية لا تمتلكها ولا تستطيع أن تفكها. فأصبحت البيروقراطية أيقونة لعدم الكفاءة واسم لمرض النظام الذي يقتل العشب الذي يخرج من شقوق التجربة. تبدو البيروقراطية من بعيد فوضى تشوك كل فكر جديد يقترب منها، محاطة بسور مرتفع من العادات والتقاليد. تطول صيانة ماكينة البيروقراطية من الداخل، فيكثر العمل الجماعي حول المشكلة فيكون العمل الجماعي نفسه مشكلة. لا يغفر أحد لهذه الفوضى الخارجية ما في الداخل من نوايا حسنة للانضباط والسيطرة على أفراد على وشك الانفراط كالسبحة لولا قوة سلك الجماعة. فلا يبدو أن ما يُصنع في الداخل من حلول هندسية للإسراع من حركة ترس المؤسسة سيعيد للبيروقراطية واجهتها المعمارية المليئة بالأقواس والقبب الملونة.

لذا، ربما وقف عابر بالحنين والبيروقراطية ليستبدل الأقنعة في تجربة فكرية. للحنين شوكة البيروقراطية وفوضاها المستمرة. وللبيروقراطية ماء وجه الحنين العذب وغبش الفجر. عندها قد يصلح الحنين من خراب نفسه الداخلي فيصير بيروقراطية العاطفة. وقد تفسد البيروقراطية ما في داخلها من لغة لضبط ميزان العمل والقوة، فتصاب البيروقراطية بمرض الحنين.

الوسوم:

أسئلة خضراء

من يمسح عرق الظهيرة عن جبين طاحونة الهواء وهي تخفق الأكسجين في هواء قرية نائية في الشمال؟ قد يجيب رئيس البلدية: أنا منشغل بهندسة القرية عن هذه الشئون الصغيرة، فدعني وشأني.
ومن يوقف قافلة من المعدات الثقيلة لتمر دراجة هوائية يقودها طفل نحيل؟ قد يجيب شرطي المرور: عندما كنت في الكشافة كان حلمي أخف حملاً، أما الآن سأدعو الطفل أن يعود إلى بيته لكي لا يعطل قافلة التنمية.
وإلى أين تسافر الشحارير حين تقاطعها في الحقل حشرجة ماطور الكهرباء؟ سيجيب أستاذ علم الكائنات: ستذهب الشحارير إلى أقرب نبع يسك الغيوم وسائد بيضاء يطلقها كالمناطيد.
وبماذا تحدث الرياض نفسها عندما يخلع الغروب عباءته عن نخيل وادي حنيفة؟ سيقول صاحب مزرعة: سيعود الغروب غدا، فلماذا القلق؟
ولماذا يفك الأسفلت أيادي الحدائق المشتبكة ليمر مصنع صغير لإنتاج ثاني أكسيد الكربون بأربع عجلات؟ سيجيب صاحب محطة وقود: ليستمر شريان المدينة في الجريان.
ولماذا يكنس عامل مقهى إجابات الخريف القرمزية على أسئلة الصيف الزرقاء؟ سيجيب رحالة عابر يدعو إلى السلام العالمي: ليفتح الطريق للشتاء ليطرح ردوده البيضاء.
ومن يفك طوق المصانع عن عنق حقل صغير خائف كابن الغزالة؟ سيرفع شاب في آخر الصف إصبعه: لو تفرع النهر كما يريد مثل شجرة كبيرة لأصبح الريف قطيعاً من الحقول الملونة.
ومتى يحمي السرد رائحة الوردة من دخان المدن الصناعية؟ سيبتسم فيلسوف يحمل على عنقه نظارة طبية للقراءة: سينجح السرد في أن يكون مكيفاً لهواء المدينة حين يخلع قبعة الفضيحة ويلبس قبعة كبيرة من القش.
وكيف تجد الخراف طريقاً لصيد الكلأ، دون أن يروعها بوق سيارة تعترضها؟ ستطرح هذا السؤال معلمة الروضة على الأطفال وتطلب منهم أن يرسموا خريطة للمدينة.
وأين تجد البيئة مطبخاً نظيفاً لتعد وجبة فطور للطيور المهاجرة؟ سيخرج مسئول كبير خريطة من جيبه للوطن الكبير وينشرها على طاولة الاجتماعات الكبيرة ثم يشير بعد تردد: هنا أو هنا.

الوسوم:

ماذا بعد عمر؟

وضع مسلسل عمر أوزاره بعد أن علق التاريخ على مشجب الكاميرا. لكن ما زال الاختلاف حول المسلسل قائماً، والسؤال الذي يستحق إجابة جادة: ماذا بعد؟ أما وقد هتكنا حجاب صورة عمر بن الخطاب الذهنية فماذا سيسيل منها؟ هل سيتلو هذا العمل مزيد من الأعمال التي ستطرح رؤيتها لهذه الشخصية الأساسية في التاريخ الإسلامي بشكل أكثر جرأة في صناعة الحبكة الدرامية بما لا يتماشى مع صحيح المرويات عن ذلك العهد؟

كان واضحاً أن العمل يواجه مشكلة درامية عندما كان التركيز ينصب على شخصيات غير محورية في حياة عمر رضي الله عنه. كانت الفترة المكية من أكثر الفترات في العمل تقشفاً في عرض شخصيته، خصوصاً بعد إسلامه. وسبب ذلك أن القائمين على العمل احترموا خصوصية هذه الشخصية كونها من كبار الصحابة، حيث إن ما تقوم به من قول أو فعل يمكن أن يحتج به فقهياً. فالقيام بعرض أقوال وأفعال لم ترو لغرض درامي يعد اعتداءً على الشريعة. لذلك ظهر العمل في كثير من مشاهده وهو يتحاشى إظهار عمر بتقديم شخصيات درامية متداولة سابقاً في أعمال أخرى كثيرة لا يترتب عليها محاذير، مثل شخصية وحشي الذي أخذ العمل يطيل في عرضها دون مبرر.

لكن المسلسل كان مجبراً أن يصور الفترة المدنية بما يختلف عليه فقيهاً من مظاهر حياة الصحابة وقتئذ. وتحاشي ذلك يعني مزيداً من الضعف الدرامي بما يخل بصدقية المسلسل كونه يصور حياة المسلمين في عهد النبوة وصدر الإسلام. ويتضح من الخيارات التي اتخذها فريق العمل أن تحاشي خيانة التاريخ بالشروط التي تحافظ على صورة المجتمع الإسلامي حسب المرويات الصحيحة يعد أمراً صعباً. فإن تجنب العمل ما لم يصح، فهو مجبر على ترجيح الخلاف في أمور فقهية كثيرة مثل كشف الوجه والجهر بالبسملة، وهو ما ليس من حق العمل ابتداءً.

لكن بعد أن اتضحت لنا من خلال المثال كيف يمكن معالجة مشكلة تعارض التاريخ مع الدراما حسب ما قدمه مسلسل عمر، هل يحق لأحد أن يكرر التجربة ويقوم بخيارات أخرى تجعل تاريخ الصحابة خرقة تتنازعها أنامل المخرجين؟ إن أشد ما يخشى منه أن تكون شخصيات مثل شخصية عمر مرتعاً للدراما الرخيصة التي لا تبال بالالتزام بالمصادر التاريخية الصحيحة متلقفة المرويات حسب ما يخدم الدراما وحاجة السوق. العمل رغم نجاحه في صناعة لغة قريب من لغة صدر الإسلام الأول وإخفاقه في مواضع، لم يستطع أن يمسك بنسيج درامي متين يقنع المشاهد بهذا العمل، ويقنع أن صناعة عمل مثل هذا بالطرق التقليدية ممكن.