الأرشيف الشهري: أغسطس 2012

الطريق إلى آخر الأمل

سر في الطريق واعقد قلبك فيها وردة، وقف لتشم رائحة الصنوبر والسنديان إذا كان الوقت يسمح، ولم تجد ما يكفي من الياسمين. ولا تنس مهما اقتسمت الخبز في دربك مع العابرين أنك وحدك. فالوصول قمر مؤجل على الطريق، وهو في نهاية الأمر يخصك دون غيرك. ستطول المسافة وأنت تسير متكئاً مرة على عصا منقشة بالصدف، ومرة تمرجح رجليك جالساً في عربة للشعير وأنت تعد أشجار المكان، ومرة أخرى تنعس بحافلة كبيرة يتطاير فيها الدجاج. الطريق طويلة حتماً، فإذا توعرت فعبدها بمهباج خيالك النحاسي، فربما صادفت صفاة ملساء فضربتها لتقدح فكرة جديدة تضيء بها كالنجوم ليلك الحالك. كن قليل الالتفات إلى الوراء واحفظ صورة المدى تماماً: خط الأفق يرسمه سحاب شفيف يحك رؤوس الجبال المدببة، قطيع من الماعز الجبلي يرسم على تل حجري أسود عقداً من اللؤلؤ، كوخ يلبس قبعة من الثلج والقرية الصغيرة في السهل أسفل منها تمسح عن جبينها عرق الظهيرة؛ فاحفظ مداك من النسيان فهو دليلك الوحيد في أي اتجاه سلكت. وإن توقفت قليلاً لتأخذ قيلولة تحت نخلتين مثلاً، والتفت وراءك لتعرف كم مشيت، سترى الحنين يحرك كوب قهوته بملعقة بانتظارك. فاترك مسافة بينك وبينه وتأمله من بعد: أليست في الحنين هناك صورة مني ليست أنا، لكنها آخر كنته أمس، أقل معرفة وإحباطاً؟ ربما يمر أطفال يلعبون الكرة وقرويون يحملون على أكتافهم جراراً من العسل، فيلقون التحية، فتحن إلى شيء غامض، ربما إلى رفيق درب ضاع منك في غابة شوق، فتركته وسرت لأنك إن أطلت الانتظار نسيت أينك. فسر عكس تيار الحنين كسمك النهر، ولا بأس إن تعرجت بك الدروب قليلاً. لكن اختر بعناية أي درب أكثر عشباً وأي سماء أكبر كوكباً وأوسع رؤيا. وأنت تمر في مدن الحداثة الكبرى لا تبال بحرب صغيرة بين حلمين: واحد يريد أن يبني مستعمرة على ما تبقى من مساحة في رأس دبوس، وآخر يريد أن يصيد فراشة بقوة الإرادة وحدها. فكن حيادياً، لا تطيل التأمل في تجعدات وجهك حين تشرب من ماء الغدير، ولا تكثر من الحديث عن الماضي الذي يطل عليك من مستقبل لا تراه حتى يمر. فليس لديك حياة أخرى موازية لتبني فيها حديقة شخصية تجلس فيها على كرسي معدني لتلعب الورق مع المجهول لتعرفه أكثر، ولا أن تطيل التفاوض حتى الفجر مع موج همومك الذي لا يتوقف عن لطم صخرة عمرك. لذلك لا تبال، والق التحية على من يحطبون الأمل، فالحياة مركب صعب وعمرك فان.


الدراجة الهوائية

دراجة

الدراجة الهوائية بنت الحقل. وهي وحدها من تخصر القرى والمدينة بحزمة قمح لا تُرى. عجلاتها مراوح تدور في رئة المدينة المتعبة بالكربون وقلة الضباب. رشيقة مثل غزال معدني يلاعب ظله في غابة من الأسمنت المسلح. تسير على حبل مشدود بين الحقيقة والمجاز، نحيلة كسكين تشق حرير النسيم الذي يجره الغيم على صخور الرابية. تمر بين البيوت كغيمة رصاصية في حلم واقعي أبيض، فتخيط جرح البيئة المفتوح، وتزيد من نسبة الأكسجين في دم المدن الصناعية. لذلك تحملها القرى على ظهرها لتصعد سلم المدنية الطويل. خفيفة الظل على الرصيف المطرز بالعشب الذي يقاوم سلطة البلدية في حربها على العشوائية. لذلك يسند طفل دراجته بزاوية مائلة على جدار دهن حديثاً ويجري إلى البقالة دون أن يلتفت إلى الدراجة وهي تغير شكل المكان. وقد يمر مصور أجنبي فيطلب من سائق الأجرة أن ينزله فجأة: قف هنا، ها قد وجدت نفسي مرة أخرى. تتحرك الذاكرة كشريط سينمائي مشدود بين عجلتين صغيرتين تديرها ساقين نحيلتين لطفل لم ينتبه أن رجلاً بنظارته السميكة ينظر إليه سارحاً وقد تدلت من رقبته آلة تصوير كبيرة واغرورقت عيناه بالدموع. ففي قلب كل رجل في الخمسين دراجة بيضاء يحوم بها كنحلة حول حديقة قلبه الدائرية كلما مر بمشكلة لم يستطع حلها، كأن يمد يده في كيس أمسه فيجده خاليا. فالدراجة صندوق ذاكرة متحرك مفتوح على طرق ترابية تؤدي إلى الحنين. وهي فراشة الحداثة، ترفرف بالعجلات على وردة التكنولوجيا. تقشر الحضارة كبرتقالة تتساقط منها قشرة الكربون على مائدة التاريخ. فالدراجة سبط طاحونة الهواء، وهي خدن الفيزياء النظرية. فكيف لسرب من الدراجات الهوائية أن يعيد إلى المدينة الكبيرة إيقاع القرية الصغيرة؟ فربما ركب السياسي دراجة في صباح يوم ما من عطلة نهاية الأسبوع ليستعيد توازنه، فلا يميل إلى اليمين ولا يميل إلى اليسار، ولا يتقدم أكثر كي لا يكذبه من تأخر، ولا يتقهقر أكثر كي لا يكذب هو من تقدم. وربما أجاب عن السؤال المبرح: كيف أدحرج ثمر الفلسفة على سيف التجربة الواقعية دون أن تشطره نصفين؟ وربما في مكان ما في الريف، سيمضي بالدراجة شاب مغامر إلى المنحدر في يوم شديد الحرارة ليطلق يديه مستسلماً للجاذبية وهي تركل الدراجة إلى أن تقع به في الغدير. سيخرج من الماء وهو يضحك: حياتي دراجة هوائية في منحدر العاطفة. سيسند دراجته إلى طاحونة هوائية زرقاء ويأخذ قيلولة تحت شجرة تفاح نائية. سيمر المصور الأجنبي نفسه بالدراجة عند الطاحونة الهوائية ويقول لسائق الأجرة: قف هنا، ها قد وجدت نفسي مرة أخرى.

الوسوم:

لا تحزن إن الله معنا

(ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع أبا يحيى). إلى مثل هذه الكلمات زحف صهيب الرومي من التعب على يديه وركبتيه إلى رسول الله-صلى الله عليه وسلم-في مسجده ليضع رأسه في حجره، والرسول ينفض عن رأسه الأذى وقد قضى عشرة أيام يسير على قدميه مهاجراً من مكة بعد أن أخذت قريش راحلته. ليست هذه الكلمات وحدها التي تشع من عصر النبوة مثل الأقمار الصغيرة في الذاكرة. (ما فعل رسول الله؟) أول ما نطق به أبو بكر رضي الله عنه حين قام من غشية أدركته بعد أن ضربه المشركون ضرباً شديداً. كل عبارة تصنع نفسها مشجباً للتاريخ، يتساقط منها ما يتساقط من الحنين والشجو المفرق في غرف العاطفة كالياسمين. (أو تجلس فتسمع؟) سؤال استقبل مصعب بن عمير به اثنين من سادات الأوس-سعد بن معاذ و أسيد بن حضير-كلاهما يأتي إليه مغاضباً ينهره ليصده عن الدعوة، حتى إذا سمع الأول من مصعب أسلم، ثم جاءه الآخر فسمع كما سمع الأول فأسلم هو أيضا. (اذهبوا فأنتم الطلقاء) قول النبي صلى الله عليه وسلم حين أقبلت عليه قريش بعد الفتح وفيهم سهيل بن عمرو الذي قال: أخ كريم وابن أخ كريم. هي كلمات كالشمس شعت على ما جرى في النفوس من ماء الظنون حين قال النبي: ما تظنون أني فاعل بكم؟ (لا تحزن إن الله معنا) أطناب تثبت قلباً يخفق كالخيمة من رياح الخوف التي هبت من كل جانب. كلمات طمأن بها رسول الله صاحبه أبا بكر وهما في الغار. كلمات كالغدران التي تعكس قمر الحقيقة كل ليلة فيظمأ إليها المسافر فيملأ منها قربته. لكن يبقى ما يرن بين جنبي الراحل من الباطل إلى الحق كلمات تدق حديد النفوس كصانع ماهر للسيوف، تتردد صدى في الصدى، تدق: أحد، أحد. تدق بصوت بلال، هكذا إلى الأبد.