الأرشيف الشهري: يوليو 2012

عشر نصائح لكتابة الشعر

أولا، ضع الكلمات مثل الورود على شرفة الذاكرة واجلس بانتظار غيمة سكوب كنخلة طويلة بين هلالين رمليين متقابلين. قد تعصف بك ريح شديدة فتميل معها، وقد يحط على أكتافك سرب من اليمام ولا يطير بك معه، وقد تمر بك غُييمات كقطيع من الماعز ولا تمطر شيئا، ولكنك تبقى طويلا تستهدي بك القوافل والرعاة في البادية. ثانيا، سر كل يوم في معجم قديم وحدك، تطيل النظر في الكلمات حتى تعرف سلالتها، وتجلس تحت ظلال المعاني، لترى كيف يصيد الشعراء ظباء القوافي الشاردة في براري اللغة. ستعرف كيف تصنع من فحمة لؤلؤة سوداء، وكيف تفرق بعصا الإيقاع النحيلة بين الحصى والزبرجد. ثالثا، مرن قلبك على الامساك بمبرد وجدك المتوقد لتنحت من اللغة ما يسيل من قبة خيالك الفلكية من صور ثلاثية الأبعاد. هكذا سيصبح صوتك صافيا كمرآة نبع تصقلها أنفاس الربى. رابعا، اقطف من كل كتاب تقرؤه تفاحة واحدة على الأقل، لتقضمها فرس القريحة من راحة يدك المبسوطة وأنت مغمض العينين. لعل صهيلك يصبح أعلى في بهو قصيدتك الخضراء. خامسا، دع نبض القصيدة يقودك في الطريق إلى ظلمة ما لا تعرف، فالقصيدة تنقش دربك بالقناديل الصغيرة. ومثل كل مرة، ستجلس في نهاية القصيدة مع نفسك كأنك تلتقيها أول مرة. سادسا، فتش عن الشعر في الشعراء القدامى، ولا تفتش عن الشعراء القدامى في الشعر. ستسمع كلاما كثيرا عن الشعر والشعراء، كيف يعلقون القوافي على أكتافهم كالجدائل، وكيف يصنعون من المعاني سيوفا مرصعة بالجواهر، لكن ابحث فيهم عن نفسك حيث تكون، ففيك غمد المعنى. سابعا، سر وحدك لكن اخطُ بقدميك خطوات من سبقوك. فقد تكون أنت نسيجا وحدك، لكنَّ مغزل شعرك مشترك. ثامنا، لا تفتش عن سر العاطفة، ودع غموضها يبني أشجاره رويدا رويدا في حائط قلبك حتى تذلل فيك عناقيدها الدانية. عندها ستشع العاطفة منك في ظلام حزنك كنجمة ساطعة. تاسعا، تترك الوزن يرسم حدوده على خرائط الكلام، ولا تقف عند النزاع الحدودي بين الشعر والنثر، وكن سائحا يصافح الجميع ويمر بسلام. عاشرا، انصت جيدا لنداء الموهبة.

الوسوم:

حوار افتراضي مع طاغية غير افتراضي

لماذا تكسر مئذنة نصفين؟ يجيب وهو متكئ على يمينه: لأن أعدائي يستخدمونها رايات، ويستخدمونها رماحاً أحياناً أخرى. ولماذا تثقب قباب المساجد؟ يشعل غليونه وينفخ مرتين، فتمتلئ الغرفة بالدخان: لأن أعدائي يلبسونها قبعات ويمشون بها في الطرقات. في انتظار أن ينقشع ضباب الغليون بيننا، وكلانا ينظر إلى الآخر من وراء الدخان الذي يشف رويدا رويدا: هل دخان المدن المحترقة من هذا الغليون؟ يعتدل في جلسته: إن ما نقوم به تطهير للأحياء من الأوباش، وما تراه من دخان إنما هو غمام أسود يولد من الدكاكين الصغيرة في السكك الضيقة كأسطورة معاصرة. لكن هذه الأحياء مليئة بالموتى-قلتُ له-فهل تقوم بما تستطيع لحماية الأحياء؟ عدوي ذئب في صوف خروف، ولا يستطيع أحد أن يفرق بين قطيع من الذئاب المتخفية في صوف الخراف حين تختلط بقطيع من الخراف المتخفية في جلود الذئاب. عند ذلك، دثرني حزن بعد أن ارتعشت من خوف غامض دب في أطرافي. فبأي ذنب تأخذ حياة صغار الذئاب وصغار الخراف كما وصفتهم، أليست الطفولة واحدة؟ بدت مني ابتسامة ساخرة ولم انتبه حتى انتهيت من سؤالي، وبادلني هو بابتسامة مثلها ولم انتبه حتى قهقه بثلاث كلمات: ليس للخيانة عمر. كان الصمت أول حبل تمسكت به قبل أن يفلت مني صوابي. فوزعت نظراتي على السقف المنقش بالخزف الملون، ومررت بصري على المكتبة عن يميني، حتى استقر نظري على شباك مفتوح وراءه يطل على نافورة في منتصف حديقة مسورة بشجر الصفصاف. يبدو كتاب (الأمير) لنكولا ماكيافيلي قريباً منك-قلت له وأنا أشير إلى الكتاب المجلد الذي يستقر وحيدا على منضدة جانبية قرب مقعده-أتقرؤه باستمرار؟ أخذه من المنضدة ووضعه على فخذه وضرب براحة يده على غلافه المجلد مرتين: أريد أن يدرس هذا الكتاب في كل مدرسة، وأن يدخل كل بيت. أحفظ مقاطع منه وأجعله قريباً مني دائماً وأحمله معي في رحلاتي الخارجية. هل وجدتَ فيه ما يبرر تدمير المنازل بالمدفعية، وتهجير النساء والعجائز من القرى؟ أعاد الكتاب إلى مكانه وأخذ نفساً طويلاً: تطبيق النظرية أمر مختلف حسب ما يقتضيه واقع الحدث، والتجربة تملي أخطاءها، والإصلاح خيار استراتيجي تمليه الإرادة الشعبية. لكن أليست هذه شعارات لم يعد لها علاقة بالواقع الذي يفوح بالمذابح ورائحة البارود والمشانق المعلقة على أبواب المدينة؟ ألا تشعر بالمسئولية تجاه كل ذلك؟ لم يجب على السؤال الأخير، واكتفى بالنظر في ساعة الحائط المعلقة خلفي، بانتظار سؤال آخر ربما. بعد دقيقة صمت، أعدت كتابة السؤال على ورقة كبيرة كانت على طاولة بيننا، وانصرفت.

الوسوم:

شباك القصيدة

اختيار القصائد شأن خاص، كاختيار السماوي لوناً لقميصك لأن الطقس صحو مطرز بالعصافير الملونة. فالقصائد شبابيك تطل منها على شيء لم تصل إليه بالطرق التقليدية: ككتابة رسالة نثرية إلى صديق قديم، أو شرب كوب من العصير أمام مرج من العنب، أو السير طويلاً في طريق ممهدة تحيط بمزرعة من الدراق. فقد تقف وأنت تمر في شارع ضيق لتختار قصيدة من وراء زجاج أغنية كمن يختار خاتماً أو باقة ورد. فتطل من القصيدة على حديقة نفسك التي لم تهذب شجيراتها نهار الخميس كعادتك. القصائد شبابيك مفتوحة على مدن تسكنك لم تزرها قط. فربما تسأل أول عابر: أترى ما أرى، حديقة مربعة وشجرة في المنتصف؟ فإن كان غريباً مثلك سيقف قليلاً: لا أرى شيئا لكنني أشم رائحة البحر وأسمع تكتكة القوارب الخشبية. فقد يختلف الغرباء في كل شيء لكنهم يتفقون في الحنين. وقد تطل من قصيدة منشورة في صحيفة يومية على خراب يشبهك، فتغضب. فتطوي الصحيفة كاسطوانة وتهش بها على حزن اقترب ليقضم ما تبقى فيك من فرح ذاك الصباح. وربما تجلس في مقهى قريب بانتظار شاعر القصيدة حتى توبخه على ما أراك من نفسك، فيطول انتظارك وتدخل في جدل حول ناديك الرياضي المفضل مع جارك في المقهى، ثم تنسى وتقول: مالذي جاء بي إلى هنا؟ وقد تطل من قصيدة من سيفيات أبي الطيب المتنبي وأنت تسل فاتورة الماء من ديوانه. تضع الفاتورة في جيبك وتنظر في السيوف: كيف لسيف نحيل كهذا أن يشطر بلداً نصفين كتفاحة. ستبقى تتفكر في السيوف وهي تحدودب إذا قلبتها لليمين وتقعس إذا قلبتها للشمال. وقد تبحث-على الأرجح-عن ناقد يدلك كيف يدق الشاعر بمطرقة المجاز معدن اللغة ليصنع منها سيوفاً هندية؟ سينقطع الماء عن منزلك لأن الدواوين ليست صناديق لحفظ الفواتير، وستذكر أنك لم تسدد فاتورة الماء عن جارك الفقير منذ شهرين. ستجلس وحدك في مقعد مجاور لنافذة قطار يمر بقرية ريفية، وتسمع جدلاً ساخناً بين اثنين: أريد من القصيدة أن تحرك قارة، لا أن تحرك قلبي، يقول الأول. أنت تخطئ في وصفك، وتخلط بين العادي والأسطوري، حتى تكاد تطلب من القصيدة أن تعد فطورك، يقول الآخر. ستتلكأ في مشاركتهم النقاش، وقد تبتسم مرة أو مرتين، ثم تشرح لهم رؤيتك: القصيدة مثل هذه النافذة الزجاجية، وحياتك مقيدة بالقضبان كهذا القطار، ونفسك في الخارج حرة.

الوسوم:

صيب البكى

كغيم يمر العمر مرا ببالكا
وذكراه ظبي أبيض في رمالكا

سلوت كأن الحزن سرب من القطا
يطير إذا ما زرته في خيالكا

وضقت كأن الحزن يبني بيوته
بقلبك حتى صار بعض ظلالكا

فإن طال حزن فالحياة قصيرة
وإن الردى هذا قريب كآلكا

فهل للربى والأرض صوت تعيده
تداوي به نفسا شقتْ من سؤالكا

أما لك من دمع تبل به اللحى؟
فتطفئ قلبا ما بكاه بذلكا

تمر على نجد ترى صيب البكى
وأم القرى والطائفين هنالكا

وسيل قوافي الحزن بين جفونها
نجوم من المعنى تسد المسالكا

على نايف في أي دار نزلتها
ستلقى دموعا كالندى في رحالكا

حمت كفه خدَ الجزيرة إذ صلت
لهيبا وغدرا أسود الليل حالكا

فسيج بالبارود والورد نخلها
ودافع بالسيفين عنها المهالكا

ووطأ فيها سنة المصطفى التي
أنارت قرى من هديها وممالكا

لذلك فاسكبْ من دموع دموعها
وما كان من نزف القلوب كذلكا

فإن كان من حزن لبست بروده
ستلبسك الأيام ما لست مالكا

الوسوم: