الأرشيف الشهري: مايو 2012

سهل الحولة

سهل الحولة. عدسة محمد بدارنة

بين حمص وحماة يولد سهل الحولة من حقول الرمان ومناديل النساء التي غرقت بالدموع. هناك حيث يجلس طفل على فوهة المدفعية ليأكل منقوشة الزعتر ويمرجح قدميه كما يفعل طفل آخر على سور حديقة منزله الخلفية في بلد مجاور، قال عابر عندما مر بالسهل ورأى رمانه: من هنا أخذ الشام حمرة وجنتيه. في الحولة حيث تختبئ طفلة من أمها خلف دبابة لأنها لم تكمل فروضها المدرسية قبل الغروب، يولد الخوف من أشياء صغيرة وعادية: دمية محترقة تحملها شجرة زيتون-محترقة هي أيضا، قطة رمادية لم تكن رمادية قبل رماد البيوت وحريق الحقول، حليب يتدفق ويتقاطع مع دم في منحدر ما في أكثر من اتجاه، غروب ينزع عن النهار وجهه المضيء ليشعل القرية بالنجوم والبرد. هناك يمكن لأي طفل يجلس على حافة الهاوية أن يدل الغريب على الفرق بين سجائر الجنود التي تضيء الليل وضوء عيون الذئاب التي تستدير مثل قناديل زجاجية. وربما أخذ طفل بيد الغريب ليقول له: رغم ما على أكتافك من سفر وحزن، أنا أكبر منك بعدد الطلقات التي حكت شحمة أذني وقصت لـمّتي وأكبر منك بالموتى الذين سلموني مفاتيح بيوتهم وهم ينطقون الشهادة. فيا غريب، لا تزرنا إلا وقد أعددت قلبك جيدا للركض في حريق الكارثة، وإلا كن وحدك ودع قلبك وراءك حيث جئت يلعب في صندوق رمل. إلا أن الطفل سيموت على الأرجح لأن الطريق طويلة وهو كثير الالتفات، ولن يجيء الغريب كذلك، لأن الطريق طويلة والغريب كثير الالتفات. هناك في الحولة حيث تتساقط الأجساد كأشجار الغابات الطويلة، و تعلو الأرواح كالياسمين على أكف الرياح، و ترفرف أسماء الموتى على رؤوس القباب والمآذن مثل رايات السفن؛ هناك شجيرات تتشابك مع غابة من البنادق الطويلة يتخاطف ظلها طابور من الأطفال الذين يلعبون كرة القدم ويموتون واحدا واحدا. في سهل الحولة حيث تفرش سجاجيد الشهداء، بيضاء منقشة بزهور وردية، أو رملية تملؤها رسومات لنوافير ذهبية، أو خضراء يحيط بها بحر أزرق منقش بالزبد؛ تعود السجاجيد حين تطوى بعد الدفن حمراء، تفيض دما وورودا. هناك حيث يخرج الدم إلى القرى وفي يده اليمنى شمعة تضيء له السكك النحيلة، يدق الدم أبواب البيوت بعصاه في الظلام وهو يقول: هاهو قمر الحقل أمسى أكبر، وقد فضت عن حاجة الشهداء، فقد حان أن تخرجوا أيها النائمون من رحم أحلامكم، اخرجوا! يصيح بهم في الساحات وحده: اخرجوا يخرج ذل معكمْ/ يخرج عز معكم فانطلقوا/ اخرجوا ينتثر الثلج على أكتافكم/ أغنية من كل صبح تشرقُ/ أخرجوا تنبت من أطرافكم/ أجنحة في كل أرض تخفقُ/ أخرجوا/ دمكم في قلبكم يختنقُ/ غربوا/ شرقوا/ اجتمعوا/ افترقوا/ اخرجوا! / عصفوركم في عشه يختنقُ.

الوسوم:

البيروقراطية

البيروقراطية تخنق العالم العربي بيديها. وعندما تفتَّح ورد الربيع العربي، اتخذت البيروقراطية ركناً قصياً من مقهى قريب من ميدان التحرير. وجلست واضعة قدماً على الأخرى، تشرب الكوكاكولا وتأكل الفشار المملح بالزبدة وهي تشاهد عجلة الثورة تدور. ستبقى البيروقراطية بلا عمل حقيقي بانتظار أن ينتهي الشباب من صيحاتهم. لكنها ستعود إلى العمل ريثما تنتهي الصحافة من قياس المسافة بين السياسة والإقتصاد، وحتى ينتهي أستاذ الاجتماع من تفكيك الثورة نظرياً في مقابلة صحفية قصيرة-اختاره الصحفي لأن في صوته أمل مبحوح أعجبه لسبب غير مهني؛ وريثما يبدأ الجيش في حك تاريخه المذهب بمخلب السبابة ليرى نور المستقبل الذي يجيء من بعيد. ستقوم فجرا كعادتها كل يوم، لتبحث عن نفسها في مرايا المدن العربية قبل الخروج، ثم تراجع سجل المواليد، فربما فاتها ولادة مؤسسة في منتصف الليل وهي مشغولة، تنقح معجمها في أصول الإدارة بقلم الرصاص وهي تنعس. تجلس البيروقراطية خلف مكتبها الكبير لتعد اللجان التي تتشكل من لاشيء لتحكم في اللاشيء تقريبا. وتربت على رؤوس البيروقراطيين الصغار كالسناجب وهي تطعمهم فستقا مقشرا، قبل أن تطلقهم إلى الحديقة الوطنية في يوم يفرق سحابه صحو مؤقت. البيروقراطية تربي شجيرات الفساد الصغيرة في أصص من الفخار، وتنشرها في زوايا المدينة، ثم توهم أنها نبتت هكذا، كعشب يطل على العابرين من شقوق الرصيف. وهي وإن كانت مدربة في الانضباط العسكري فإنها قادرة أيضا على التنكر والتمويه بين حشائش الماضي والتدفق من ثقوب أحلامنا إلى المستقبل. فتستطيع البيروقراطية أن تتنكر في زي علم الأحياء الدقيقة-إذا لزم الأمر-لتمر من نقطة تفتيش تحول بينها وبين مؤسسة حديثة تطل من شبابيك مبادئها ورود الحرية الفردية. وهي قادرة على إعادة هندسة الأنظمة، فكلما أرخى مفكر مِـرْود النظام بأنامله المجعدة بالطباشير، شدته البيروقراطية بمفك الخصوصية والمصلحة العامة. فهي تدق في مفاصل المؤسسة مساميرها الذهبية، وتجلس على كرسي من الخوص لتطل من ربوة على كلابها وهي تطارد غزال الإبداع الرشيق. وحين تطوف البيروقراطية في البلاد تهدي أكثر طلابها إخلاصاً وحماساً كتيباً لمقولاتها الشائعة: الفرد ترس في ماكينة الجماعة؛ الحب حرية العاطفة المدنية في قوالب الانضباط العسكري؛ يُـحفظ الصالح العام بكرب قيد الرقابة جيداً حول عنق التنمية؛ اللامركزية هندسة فراغية في مكان غير موجود لعمارة لا تُرى. وحين تدون إهداءها على الصفحة الأولى من كتيبها الصغير تقول: عزيزي البيروقراطي، ستجد في هذا الكتاب أكثر مقولاتي أهمية، فاتخذها بردعة لحمار التقنية في طريقك الطويل إلى السلطة.

الوسوم:

نيويورك

في أمريكا حيث يجر الول ستريت الحرية من جديلتها وهي تلوح جاهدة بشعلتها في شوارع نيويورك، يخرج الدولار كل صباح ليركب المترو إلى العمل بقبعته المثقوبة بسهم الهندي الأحمر وربطة عنقه المرتخية. أسأل خليليَّ: هل الطريق من الرأسمالية إلى الديموقراطية تمر من الماستر كارد ومكدونلدز؟ وهل الديموقراطية هنا فسيفساء من اشتراكية الرأي ودكتاتورية رأس المال الذي يغذي وريد السياسة؟ حديقة منهاتن المركزية شامة خضراء في وجه نيويورك المتعب بالعابرين، والدكاكين في (سوهو) نمش يكدسه رصيف لا يبالي بحنين زواره لما مضى من حياتهم في مدن أخرى بعيدة. في نيويورك سحاب تفرقه الناطحات وتملؤه بالندوب، كأنها قوائم خيل حوافرها ترقش سماء المدينة في الليل بنجوم جديدة وقمر أكبر. هاهي نيويورك تغمس سيقانها في المحيط الأطلنطي وهي تأكل كعكة (البيقل) بالتوت البري الأزرق، وتلقي سنارتها لتصيد قرى بين الجبال ليس لها اسم في القواميس، وتصيد مصارف تسبح في بركة العولمة الكبيرة مثل قوارب من ورق الدفاتر الملونة. أمشي في شوارعها الطويلة وبالكاد أجد بقع المارينز على فروها الرمادي، والحداثة وما بعدها تمسدها بالتكنولوجيا. الرأسمالية تقضم تفاحة أمريكا الكبيرة، وسكانها يتفرجون ولا يصنعون شيئا، سوى قهوة في الصباح المبكر، وحديثا سطحيا على هامش لعبة التنس الأرضي يوم الأحد. يسأل عابر: لماذا يضيع صوتي المسجل برقم واضح وطويل في دفاتر الانتخاب؟ لماذا يضيع أمام هدير محركات الفكر في جامعة كولومبيا؟ حيث تمسك معادلة رياضية الاقتصاد الوطني من ذيله مثل سنجاب يائس من الوصول إلى أعلى شجرة الرفاه الاجتماعي. ويسأل آخر: من يصنع من السندات أشرعة لهذه السفينة، حين ترقصها الريح فوق موج الأمل الذي ينحسر شيئا فشيئا؟ . سيارات الأجرة الصفراء تطن كالنحل في رئة المدينة المثقوبة بالوعود الكاذبة. ثقوب يرقعها كل يوم عدد جديد من الفاينانشيال تايمز. الثقوب بيوت في الضواحي معروضة للبيع. والضواحي أقراط كبيرة تعلقها المدينة وهي تنظر في مرآة مستقبلها الغامض وحاضرها المر. والديون التي يسكها مضارب مالي كالخطاطيف، تجر المدينة من أقراطها الكبيرة إلى الهاوية. غابة الإسمنت، نيويورك التي تفتح يديها للقادمين من الشرق بخيولهم المجهدة وفوانيسهم الخضراء، مكبلة. فلا تستطيع أن ترفع سماءها سنتميترا واحدا، ولا أن تهاجر. فالمدينة المسهدة التي لا تنام، تلتحف بالرسوم البيانية لحركة أسهم بورصة الداوجونز والنازداك، وتشبك مبنى الأمم المتحدة عروة في قميصها، وتجلس بانتظار من يخرجها من حطام نظامها المالي.

الوسوم:

زوجة الدكتاتور

ربما تقف خمس دقائق أمام الشرفة لتطعم العصافير حبيبات البارود من يدها المليئة بالخواتم. ويمر أطفال إلى الموت في طابور يبدو من الشرفة كسلم خشبي بلا عتبات. تحييهم بيدها النحيلة وتبتسم ثم تسأل: إلى أين هم ذاهبون؟ لا يجيب أحد، فالحقيقة هنا تعدم في يوم ولادتها، فتولد من جديد مرة أخرى، هكذا إلى ما لا نهاية. ستجلس بعد ذلك على كرسي صغير لتعد الأحجار الكريمة التي تملأ صندوقا مطرزا بالصدف الأبيض، والناس في الخارج يعدون موتاهم، وحين يخطئون يطيلون البكاء وهم يكتبون أسماء الموتى بخط تعرجه رعشة في اليدين. ستخط ثلاث رسائل الكترونية من جهاز التفاحة الشخصي الخاص بها، في كل رسالة وصف هندسي دقيق لحجر نفيس، يبرق في القلب مثل الموشح. في مكان آخر طفلة تصف في رسالة قصيرة من هاتفها الخليوي كيف مات أبوها، وصف تنقصه دقة ما، لأن غصة في الحلق تملأ صدرها بالحشرجة من عبرة تصيب لغتها بمرض غامض، فتخطئ. ستطيل السيدة الأولى التفكر في أظافرها المصقولة كالماء وتقارنها بصفاء الياسمين، وفي الوقت نفسه تحك امرأة أربعينية الطين من أظافرها بعد أن أخرجت أخاها من تحت ركام بيت تهدم. ستجلس السيدة الأولى في مكان خال من الدخان، كثير السحاب، غيمة بيضاء تعلو غيمة أخرى، كأن كريات من القطن مركبة فوق بعض في قناة شفافة تمتد بين السماء والأرض. أما في مكان آخر فتجلس عجوز أمام خراب مدينة: بيوت بلا سقوف، طوابق بلا جدران، دخان يمتد من الأرض إلى السماء كنخلة محترقة. ستجلس السيدة الأولى في مكان ما في الحديقة على كرسيها الهزاز لتستمع إلى المفرقعات النارية التي تضيء السماء الخالية من القمر. وفي الوقت نفسه في مكان آخر تجلس سيدة في ركن مظلم من البيت لتنظر إلى القنابل-ربما نفسها التي تشاهدها السيدة الأولى من بعيد-وهي تطرز الليل المهجور بدوي يهشم زجاج الروح. ستسير السيدة الأولى في نزهة برية مسافة ثلاثة أميال أو أكثر قليلا ذهابا إيابا، وهي تتوكأ عصا من الألياف الزجاجية. في قرية بعيدة تبدأ امرأة وأطفالها الخمسة مسيرة مئتي ميل في الهجرة من بلدتها المحطمة إلى الحدود عبر الشعاب وهي تتوكأ على غصن أصفر وجدته في أول الطريق. ربما تصحو السيدة الأولى فَزِعةً من كابوس يكون حقيقة لا يمكن أن تصحو منه امرأة أخرى. وربما تدلف امرأة إلى مرمر جنةٍ حين تغفو هاربة من كابوسها الواقعي، فلا تصحو من غفوتها لأن قذيفة أصابت غرفة نومها فغيرت شكل المكان، لتبقى محبوسة في غفوتها إلى الأبد. زوجة الدكتاتور تعد حياتها كحفلة عرس على مهل وما حولها يحترق.

الوسوم:

عجز الكلمات

أحس بعجز الكلمات البيضاء من أن تكوم نفسها بما يكفي لتحشو جرح طفل يبكي من الألم في ضاحية من ضواحي مدينة محترقة. يعجز الفعل المضارع أن يبني جسراً يكفي لنقل الطعام والمعونات الإنسانية للمحاصرين في غرفة معزولة في بلد تتفجر فيه البراكين كل صباح. فالجملة الاسمية التي يفرش بها الشعراء أول كلامهم كحبيبات الحصى، لا تستطيع أن تنبت من جراح الضحايا شقائق النعمان. والجملة الفعلية التي تجر بغلة المعنى من أول النهار إلى آخره، ستفشل من أول يوم في إدارة شئون قلب صغير وقع في أزمة دبلوماسية. والأبجدية التي نفتح بها نوافذ زجاجية تطل على البحر، لا تصلح أن تفتح قلب الدكتاتور النحاسي المصفح بطبقة سميكة من الرصاص. قد تصلح حروف اللين مراوح أنيقة في الصيف، وقد تصلح أيضاً سواراً على معصم غض، لكنها لا تصلح أن تكون سكيناً يقطع بها سياسي حبلاً يلتف حول رقبة شعب يشنق في غبش الفجر، قرب شجرة زيتون على تلة بين قريتين. وإن حركتَ بحرف الألف النحيل كوب قهوتك الساخن حتى تذوِّب مكعبين من السكر النباتي وأنت تشاهد موجز الأنباء على شاشة التلفزيون، التي يكاد ينساب منها دخان دبابة محترقة إلى غرفة الجلوس؛ فإنك في الغالب لن تتخذ الألف عصا تتوكأ عليها في الطريق الطويل إلى نفسك، أو تصنع منها مكنسة لتخفي بها غبار الماضي تحت سجادة روحك المجعدة، أو تطارد بها شبح الحنين حين تقف أمام المرآة. ولو أجهشتْ لغتنا المهشمة هذه بالبكاء، هل سينبت من تحت أجفانها نخلة تظلل أحزاننا في هذا الهجير العربي الكبير؟ كأن الكلمات حقيقة تبتعد كلما اقتربنا منها، كظباء تجري من بعيد خلف مشهد تراجيدي، فمن يشاهد لا يملك بندقية أو سهاماً لصيدها، وليس للظباء حكمة رياحين غرناطة حين تسلم نفسها لمستشرق يعكر تاريخ المكان بصفو اللغة. فإن كان الشاعر الجاهلي وحده يمسك بتلابيب لغته، فيفرش معلقته مثل العباءة على الرمل، ليرى نفسه في ماء كلماتها قمراً، ويرى حركة الكواكب تسيل من أفق المعاني، ويرى مواقع النجوم التي تدله على الطريق من نجد إلى مكة. فلماذا إذن حين ينظر شاعر اليوم في قصيدته لا يرى فيها سوى طبلة للأيدولوجيا. ولماذا يظل ينظر في قصيدته ولا يرى طريقاً واحدة إلى القدس؟

الوسوم: