الأرشيف الشهري: أبريل 2012

مجلس الأمن

في مجلس الأمن ربطات عنق معقودة بمهارة، وعيون بألوان مختلفة، وأناس يروحون ويجيئون فرادى ومجتمعين مثل عمال حقول الشاي وأياديهم مليئة بأوراق يابسة كأوراق الخريف. طاولة دائرية في منتصف القاعة كأنها أعدت حلبة لمعركة بين ديكين، سوى أن التدخين ممنوع، وأن لكل فرد في القاعة مكاناً محدداً سلفاً. سقف القاعة عال بما يكفي لإطلاق طائرتين ورقيتين لطفلين، ولكن لا يمكن الركض بالطائرتين بحرية سوى في اتجاه واحد لكثرة المقاعد الثابتة وقلة المساحات المفتوحة. المقاعد إما رمادية كغمامة توشك أن تمطر، وإما سماوية كسماء فاجأها الصحو وهي تلملم أجراسها بعد مطر خفيف، وإما حمراء كوردة. وسجادة القاعة ذات اللون الرملي قد توحي لأول وهلة لطفل عابر أن هذه القاعة صندوق رمل واسع يلعب فيه الكبار من كل مكان. وأمام مهرجان الألوان هذا، لا يسمح لبائع بالونات مثلا في الدخول إلى القاعة حتى وإن كان الطقس في الخارج مشمساً وجميلا. ففي القاعة قناصون لمعالم الفرح الموشح بالطفولة والبراءة. فعندما يدخل أعضاء المجلس تقف العصافير عن التغريد بانتظار طلقة رصاص-تفلت من هنا أو من هناك-من مسدس الفيتو. فأعضاء المجلس عشرة، خمسة طواويس تفرد ريشها الملون فلا تطير ولا تتحرك من مكانها على مدار العام وهي على هذه الحال منذ أكثر من ستين سنة، أما الخمسة الآخرون فطيور من أجناس مختلفة لها هجرة واحدة في السنة، وحين تترك المجلس لا أحد يعرف متى تعود. وكل طاووس من الطواويس يتحسس مسدس الفيتو الخاص به مع كل قرار يعرض على طاولة النقاش. فهو غالبا ما يخفيه تحت ريشه البراق، لكن ربما فرد ريشه ليرى الآخرون مسدسه المذهب على الخاصرة، وربما وضعه على الطاولة بجانب قلم الرصاص والدباسة، وربما أطلق طلقة واحدة من مسدسه متى أحس بالسأم من نقاش طويل. فكل مسودة قرار، وإن كانت ورقة بيضاء خالية من الصور والحروف الأبجدية، مهددة بأن تثقب برصاصة في أي وقت. فلغة المجلس عاطلة من البلاغة، معانيها باردة كسمكة مثلجة، وحروفها من البلاستيك مطاطية وبلا عافية. لذلك ربما أوقد المترجمون رءوس الفواصل شموعاً لتذيب الجليد بين الفواصل وتنير نواحي الكلام. وكثيرا ما أقول لنفسي كلما نظرت إلى قاعة مجلس الأمن: بماذا فكر النرويجي الذي صمم القاعة حين جعلها مربعة والطاولة مستديرة؟ هل أراد لمجلس الأمن أن يكون ناعورة العلاقات الدولية؟ وحين رسم أيقونات القمح على الجدران، هل فكر أن قرارات المجلس ستكون أقل مرارة لأن ما ينقص الأمن العالمي حفنة من الحنطة؟ لابد أن أحداً مثلي جلس قبالة اللوحة الرمزية الكبيرة المنصوبة في قلب القاعة لينظر إلى طائر العنقاء الذي يتوسط شخوص اللوحة ليقول: هل هذا الطائر أقل احتراقاً اليوم من أي وقت مضى؟ لكن سؤالاً مثل هذا سيضيع في زحمة الحاضرين، وتبقى حقيقة واحدة: مجلس الأمن ربطة عنق أنيقة تخنق العالم.

الوسوم:

على الجسر الذي لا ينتهي

في رؤياي أسير وحيداً سوى من الإيقاع على هذا الجسر الذي لا ينتهي. أحرك قهوتي بيدي في كوبها الورقي بحركة نصف دائرية وأطيل التأمل في المدى. كأن هذا المدى سيف محدب، على فضته نقشَ الغروب قصة قومي بذهب الحزن العتيق. أعد بأصابعي زفراتي التي تتكثف في هذا البرد الخفيف وأخطئ. هل الجسر هذا معنويّ كما أظن، مثل جسر جويّ بين دولتين، واحدة سماؤها صافية ومشغولة بالنجوم وأخرى دخانية مليئة بالنسور؟ ففي الحلم يلتبس المعنوي بالمادي، وتصير المسافة وهمية، والوقت دائرياً وليس له عمل واضح. أمشي وأسأل: ما اسم هذا الجسر؟ لعله الجسر الذي يمتد بين اللفظ والمعنى. فبينهما -في كثير من الأحيان- منطقة حرة لقياس النوايا وسوء الفهم، ومن عادتي أن أسافر بينهما في الطريق إلى القصيدة. لكنني لا أرى معجماً واحداً على هذا الجسر يدلني على حقيقة الأشياء في لغتي. فلو كان هذا الجسر ما أظنه لوجدت ابن منظور يدق نحاس الكلام بلسان العرب. ولرأيت بوقاً للمفردات القديمة ينفخ فيه الشعراء معاني جديدة. فالمفردات القديمة تتكور في المعاجم لتبدو من بعيد مثل بيوت الطين بين النخيل. وقد يزورها مستشرق فيسل منها خيوطاً تعلق الواقع من رجليه، لتبدو الحقائق مقلوبة. وقد يكون للجسر عمل آخر أقل غموضاً فلا يشير إلى شيء محدد، كأن يكون جسراً مادياً، تفوح منه رائحة الملح والصدأ، بناه مهاجرون جدد هدموا ما فيهم من ماضٍ بكل مطرقة ضربوا بها مسامير هذا الحديد. لكنني لم أنتبه لواقعية الجسر في الحلم: فكل شيء رمادي وداكن لأن الضباب البعيد يلوّن المشهد، وظلال الطيور المرسومة على الماء تكبر حتى تختفي كلما ارتفعت في السماء لأن الشمس شبه عمودية، وصوت الخطوات يعلو ويهبط حسب رطوبة أحذية العابرين. فقد يكون الحلم أصدق من حقيقته رغم فرط هشاشته، فالحقيقة مليئة بالإبر. وكلما سألت على الجسر عن الفرق بين الحقيقة والحلم صاح بي عابر: الرائحة!

الوسوم: ,

في وصف الحالة السورية

عند وصف الحالة السورية ستمتلئ الكلمات وهي تمر في عرباتها بالدموع. وستذوب كالملح في ماء الحزن فهي لا تجيد السباحة. فإن قلتُ إن المآذن في حمص مذبوحة وتنزف بالأذان، ستفيض نافورة الدمع من العيون وتغرق الكلمات. عندها سيدلني قارئ جديد لا يعرفني جيدا إلى حل: غط كلماتك بقماشة من المجاز الكثيف لتمر الكلمات دون بلل. وابتعد عما يوجع من وصفك الجريء مثل: يثقب مراقب عربي-بطريقة غير مباشرة طبعا-قلب طفل يركض خائفا في سكة ضيقة في الحي القديم، لأن المراقب تلكأ في الانسحاب من بعثة المراقبين العرب. لكن قل ساخرا: إن الطفل تعثر في حجر ومات، فقد كان يشكو من هشاشة العظام لأنه لا يشرب الحليب كل صباح. وإن قلتُ: إن الحياة مشنوقة في حماة بالدخان على باب المدينة. قد يمر بي قارئ آخر لينصحني بترك المجاز: ابرد كلماتك المربعة ذات الزوايا الحادة بالدبلوماسية لتصير دائرية إلى حد ما، فالحياة مصالح والكل يخطئ والصلح خير. سأشكره طبعا لأن النصيحة بنت التجربة، لكنني سوف أمضي على مهل إلى مقهى قريب لأنظم خرز الكلمات من جديد. وقد يمر بي مزارع بعربة مليئة بالبرتقال تصرصر عجلاتها وأنا أقول: إن الذي تبقى من الياسمين في البلاد تحشو به الأمهات جراح الصغار المفتوحة كفم السمكة. سيقول المزارع: سمعتُ ما قلتَ، لكنني أمر بعربتي هذه وأنا أبكي على ما أراه من قتل كل يوم في الصحافة والتلفزيون؛ والبرتقال في عربتي لا يذوب، لذلك لا أستطيع فهم مشكلتك. فإن تركني وشأني بدأت في سن كلماتي بالتفاعيل حتى تصير مدببة كالسكاكين وطويلة كرمح إفريقي، استعدادا لوصف آخر. لكن قد يمر بي رقيب نحيل-على الأرجح هو يقرأ هذه الكلمات الآن-ليقول لي: غير العربة، فأنت محتاج إلى مدرعة. فالحالة السورية مليئة بمدافع الهاون والقناصة، فإن مرت كلماتك من مقصي فهل ستمر من الآلة العسكرية؟ لكنني غالبا سأمضي لأعبئ كلماتي بالقوافي هكذا: يمر الكلام على موت طفل كبسملة الأم والفاتحةْ/يمر كرمح طويل تسدده دعوة صالحةْ/ وينزل بين العيون دموعا ولا لون فيه ولا رائحةْ. عندها سيطوي هذه الصحيفة ناقد متوسط الحجم، ويقول: سأسأله إن التقيته، من أين لشعرك كل هذا النمش؟

الوسوم:

محطة الباص

يلقي الغيم ما على جيده من سلاسل تفرقع مطرا على الرصيف والناس تحت مظلة محطة الباص واقفون. هو مجبر أن يقف هنا لأن سيارته خلف كلية الهندسة التي تطل من أعلى التل مثل صقر محنط مغمض العينين. يقول: لو كانت كلية الهندسة كلية العلوم السياسية لكانت على شكل سحابة، كل يراها كما يريد: مرة في شكل أرنب كبير، ومرة في شكل قطة تلاعب كرة من الصوف، ومرة أخرى في شكل سلة فاكهة صيفية؛ فالسياسة كالنبع مرآة لكل العابرين تدلل قمرا بين الضلوع وتجرحه بالوعود. نظرت إليه امرأة وهي تصعد الباص وقالت: السياسة كهذا الباص، إما أن تركب، وإما أن يسير ويتركك. كانت المرأة مشغولة بقراءة كتاب في اللسانيات، لكنها ملت من انتظار الباص رقم ثمانية وأحست بالحنين إلى الصحو، وحدثت نفسها: سأركب أول باص يمر، لقد ضاع ما ضاع من عمري في انتظار الحقيقة والحب وعودة الماضي. قال آخر وهو يشعل غليونه: السياسة دم تلونه الخطابة بالكناية والحكاية والمجاز، حلوى تقدمها الشعوب هدية للشعوب. لذلك لست ضد الربيع العربي ولا معه، ولا ضد من هم معه أو مع الذين هم ضده، لكنني ضد أن يضع الأجنبي يده في جرة البسكويت الزجاجية فإنه عبثا سيحاول إخراجها. إلا أن شابا يمرجح دراجته الهوائية بين قدميه وهو واقف قال: السياسة قدرة الفرد أن يصف المستحيل للجماعة بلا لغة ويقنعهم بلا سكاكين أو ابتسامة ساحرة، لذلك أحب الاقتصاد والألعاب الأولمبية. توقف الكلام قليلا لأن عصا التجربة أوقفت عجلة الفكر عن الدوران، ولأن السياسة ملأى بالدبابيس، فالحديث فيها نوع من الألم الناعم. انقطع المطر فجأة وقد توقف الباص رقم ثمانية ونزل منه رجل خمسيني يحمل في يده مجلة فورن بوليسي ثم قال: كيف أصل إلى كلية العلوم السياسية؟ ابتسم له الأول ثم مشى دون أن يقول شيئا إلى سيارته خلف مبنى كلية الهندسة. صاحب الغليون رفع قبعته للتحية ومشى على الرصيف شمالا متكئا على مظلته الملونة. أما الشاب فتوجه إلى الباص ودراجته النحيلة على كتفه وهو يعد نقوده المعدنية. أما أنا فعدت لكتابة هذا المقال في انتظار الباص الذي لا رقم له.

الوسوم: ,