الأرشيف الشهري: نوفمبر 2002

أبو عبدالله الصغير في فاس

إنه الصوتُ الذي يأتي من البحر إذنْ
من أي بابٍ نايُهُ ينزل في منحدر الروحِ
إلى أي اتجاه يدفعُ العشب الذي يصعد من ذاكرتي
مينائي المهجور منفاي البعيدُ

يرجع الصوت:
( أبي رملٌ على ريح..
فتاتُ المدن الكبرى أم الحظ السعيدُ ؟!
لغة الأرض هو الرملُ وواشيك الوحيدُ !)

من يعيدُ النار للجوف على خرقة صوفٍ
لتنير الدرب من فاس لغرناطةَ
( فانوسين في مركب صيد في بلنسيةَ )
أم من يعبر البحر معي للضفة الأخرى
ومن يشعلُ من نرجستي رغبة موتي
قبل أن تصبح أشجاراً ونخلاً
قد تركتُ الباب للماء لكي يدخل للقارب من تحتي
ولم أرع خرافي بعصا موسى
ولم أعزف على الناي لأفعى
كانت القرية لا تسمعني حين أنادي:
“الحقوا هاجمني الذئب.. أغيثوني!”
بعيداً كنت في الغابة وحدي
كنت أدري أن صوتاً مثل صوتي لا يفيدُ

( يا أبي أنظر هنا!
أسماءهم مدفونة في الظل
كالوردة في ذاكرة الدم..
أجل كنتُ أرى أسماءهم يدفنها شخصٌ غريبُ
بينما تنفضُ عن لحيته الرمل
فلا تعبث بها يا ولدي!)

عندما كنا على الخيل وهم يطوون سجادة أحلامي
مع الليل رأيناهم مصابيح خبت في ظلمة الكهفِ
رأيناهم جلوساً يشعلون النار في مئذنةٍ
قصوا لحاهم ، أكلوا تفاحة الإثم ،
رأيناهم يعودون إلى الأرض حمامات وغرباناً
( أبي ما عنبٌ تتركه مراً بكأسي
غير غرناطة في ملك يبيدُ )

ما الذي يتركه أسري وهم يقتلعون الشجر النامي
على بوصلتي ساقيةً ساقيةً، غير الذي تحفره الريحُ
على خاصرة القرية، ما تنقشه النارُ على الخوصِ
فمغلولٌ إلى الغيم ولا غيمَ
ومدفونٌ بي الصخر ولا صخرَ
( ألا أخرج من أحجارهم عشباً ؟! )
على قرطبةَ الغراء ما من هدهدٍ يعرفني
لا حلبٌ تسمعني لا خشبٌ في النهرِ
لا قافية أرسلها في فم عصفورٍ تعودُ

ضيقوا زنزانتي من بعد أن قلتُ لهم:
“موتي ولا أدفعُ بالملك إليكم”
هي غرناطة لي من فرعها غصنان من ورد وفُلٍ
ودمي ليس لي الآن، لها تفعل في حمرته ما تشتهي
تصنع زيتاً منه كي تشعل قنديلاً على شرفتها،
تجعلُ من صفحته مرآتها،
تسكبه في وردةٍ تذبلُ في لثغة نبعٍ لا يجودُ

كتبوا: “الرايةُ من قمصان جند الجيش بيضاء َ
وحصنين على الساحل من مملكتي في كيسهم”
أرسل من يخبرهم كيف نربي الخيلَ
من يحملهم للهند أو للصين لا فرقَ
وأن لا أطأ الأرض التي حرمها قسيسهم
أن أترك الحقل لهم ترعى به أنعامهم
أن أدفع الجزية ضعفين فقط !
( حتى سقوا من قدحي ما عصروا من عنبي
ثم أراقوا ما أراقوا )
وقعت زفرتيَ الأولى على الأرض وسالتْ
بينما النور الذي فيَّ رويداً راح يخبو
بقيت في جسدي بقعة ضوءٍ وتلاشتْ
عندما وقَّعْتُ في الأسفل باسمي..!