الأرشيف الشهري: أكتوبر 1999

رحيل بين قافيتين

١
أسافر من راحتيها بدون جناحينِ من نسْجِها،
و حرير يديها و لكن على فزةِ الشوقِ في مقْلتيها
أسافرُ في لغتي المرمريَّةْ

أسافرُ عكْسَ اتجاهِ السنابلِ، ضدَّ انشغالِ الحقولِ
إلى حيث أفقدُ تفَّاح وقتي و بوصلتي الذهبيَّةْ

إلى عالمٍ لا يراهُ سوايَ إلى حيثُ ينبتُ قلبُ
الغريبِ وروداً و تعشبُ كفُّ العطايا
مرايا على رعشاتِ الغديرِ كجيدِ صبيَّةْ

لأسقي البلاد كلاما
فتمطر حولي سلاماً
سلاماً
سلاما

٢
وحيداً أعدُّ رذاذَ المطرْ
وكلٌّ يداري حبيبتَهُ عن رشاشِ الوحولْ
وخلفَ زجاجِ محلٍّ تجاري
تناظرُ عينايَ عينا فتاةٍ تسيرُ
كأني أراها على هَوْدَجٍ تتهادى كغصنٍ رطيبْ
وقافلتي في جوار القليبْ
في انتظار السقايةْ

٣
على الشانزِ اجلسُ وحدي بطاولةٍ
ليس فيها سوى شبحٍ لرفاقِ الرياضِ
فاطلبُ قهوتي العربيةْ
يُسرُّ ليَ النادل المغربيّ
باني طلبتُ الذي يهربُ الناسُ منهُ
فقلتُ المماتَ أم الذكرياتْ
فيضحكُ ثمَّ يشيرُ بفنجالِيَ العربيّ !

٤
وفي الهَيدِبَاركَ أسرِّحُ قلبي ليلعبَ عند البحيرةِ
أرقدُ تحت سماءٍ تنشفُ خدِّي البليلْ
كأني أنختُ المطايا بظل النخيلْ
بمقربةٍ من دمشقْ

٥
على لغتي في برادْوي كأني على إبلي أتوشحُ بُرْدتيَ القرشيَّةْ
وجفني المسهَّد في حبِّ ليلى يفسِّرُ قافيتي
ففي مقلتيَّ ليالي الرياضِ
تراثُ أبي الأسود الدؤليِّ براحلتي
وصوتُ أبي الطيب المتنبي تسلَّقَ حنجرتي كحشيشةِ بحرٍ
وصوتي مع الآه يصعد من رئتي
كلَّ ستين ثانيةٍ كَحمامةْ

٦
بقرطبةٍ فوق تلٍّ فسيحْ
يخيَّلُ لي أنَّ مئذنةً أو فتاةً تصيحْ
يمرُّ البكاءُ بسمعي كدفقةِ ماءٍ وهبَّةِ ريحْ
فتأخذُني لفتةٌ في الفؤادِ و تغلبُني دمعةٌ في الوريدْ
و يمسكني حجرٌ من يدي
ويركضُ بي نحو سهلٍ بعيدْ
” ألستَ ابن زيدونَ يا سيدي
فهاهيَ ولادةٌ من جديدْ
هنا في انتظاركَ تحت الحديقةْ ”

٧
رحيلٌ طويلْ
تعاني يدي في الكتابةِ ذاك الرحيلْ
مذهبةٌ كلُّ أغنيةٍ من أغاني رحيلي
بنرجسةٍ وصهيلْ
أعود إليها على حجلٍ بين قافيتينِ
ولي دجلةٌ من فراتٍ و نيلْ
أعودُ لها موجةً ترتمي في يديها
معللةً بخضابِ الأماني
مضرجةً بدماءِ الأصيلْ
كأن الحياةَ تضيقُ و هذا الزمانُ بخيلْ

الأوسمة: