البيوت

البيوت على وجهها حزن المسافر حتى يعود ومسحة الظل الصموت. ربما تؤنسها نخلة طويلة لا تفكر في غير انحناءة الوادي والحنين الذي يشدها إليه مذ كانت فسيلة بانتظار المطر. تطوف البيوت ببطء مثل السحابة دون أن يحس بها سكانها وهي تشد الطريق كحبل لعل تائها يمسكها في الليل فتدله.

للبيوت دكنة مسحتها السنين على ملامحها المجعدة بالطين والحجر. قد يحسن المعماري استدارة زواياها، ويجنبها حدبة في السقوف، وعطلا من النقوش، فإن لم يحسن ذلك كله، أو أي منه، فستبرد البيوت أطرافها بالقمر، وتفتح للريح نوافذها لتستدير الزوايا المدببة رويدا رويدا. والبيوت تعجن سكانها باستدارة التجربة حول وتر الشوق. نوافذها عيون زرقاء تطل على بهو الروح. فهي تتكور حول نفسها في الليل من قلة الزائرين وبرد المسافة. فقد يضع عابر وردة على جدار البيت تذكره بحديقة ما، فيفوح البيت بالذكرى، فيضع البيت عنوانه في جيب ذاكرته لعله يعود مرة أخرى.

والطفولة تعلق أسماءها على مزاريب البيوت، وتترك ألعابها على عتباتها فقد تفتح الباب أم حنون تلقف ما تبقى من شقاوتها وتكنسه تحت سجادة دفء الأمومة. والبيوت الصغيرة تجلس القرفصاء وهي تسند بظهرها دراجة حمراء لشاب لا يجيد قيادة السيارة، لكنه يجيد فك الرسائل المشفرة. على التلال تبدو البيوت طيورا محنطة توشك أن تطير، تسربلها الشمس بالذهب الأحمر. عجائز يجلسن لنشز شرشف الغروب تقية من ليل بارد يوشك أن يلقي سلاسله عليهن. وحين يوشك الفجر أن يسل خيوط الليل من أنامل الأمس، تصحو البيوت لتصقل نوافذها بزبد البحر، بانتظار غروب جديد.

الوسوم: ,

الأمير سلمان وجائزة التراث العمراني

توافق طرح موضوع التلوث المعماري لمدينة الرياض في المقالة السابقة مع منح الأمير سلمان بن عبدالعزيز جائزة الإنجاز مدى الحياة في مجال التراث العمراني التي نالها نظيراً لجهوده في المحافظة على التراث العمراني وإثرائه. وكان الحديث عن ملامح هذا المصطلح المجازي، ولم أذكر ما خالف هذا النمط من النماذج العمرانية التي تستوحي جمالياتها من التراث والسياق المحلي. وعند استعراض هذه الأمثلة في مدينة الرياض تحديداً تتشكل لدينا أنماط عمرانية متقاربة تمتد عروقها من جذور تاريخية راسخة وجماليات أصيلة، كلها ترتبط بالأمير سلمان بأكثر من وجه.

فإضافة إلى الوجه الإداري الهيكلي المتمثل في مؤسسة مثل الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، يظهر لنا وجه آخر يعرفه من عمل مع الأمير سلمان عن قرب، وهو رؤيته للسمة التراثية التي على العمران الحديث أن يكتسي بها. سيجد كل زائر للرياض هذا الوجه العمراني جلياً في مشاريع كبرى مثل حي السفارات ومركز الملك عبدالعزيز التاريخي ومنطقة قصر الحكم. هذا النسيج العمراني المتين، غير المتصل مكانياً أحياناً، المتصل فكرياً، يمثل رؤية جمالية لعمران مدينة الرياض الحديث تقف معترضة لأنماط عمرانية أخرى تمثل التلوث المعماري الذي أشرت إليه سابقاً.

فعند النظر إلى اللون الأديمي الذي يكسو هذه المعماريات، يتضح لنا الانسياب الجمالي الذي يحدثه اللون مع التربة والأفق. يقابل ذلك المعماريات الزجاجية التي تشكل ما يشبه المرايا الحرارية في مدينة معبأة بالشموس. فمن أهم ملامح النمط المعماري لمشاريع مثل قصر الحكم، هو إعادة انتاج التراث من خلال وسائل البناء الحديث. فمن ينظر إلى مدينة الرياض القديمة، وأنماط البناء التي ما يزال بعضها قائماً، يرى أن المعمار الطيني أنتج نمطا من الانحناء العفوي غير المنتظم في الزوايا والمنائر نتيجة للتقنية البسيطة التي كان يستخدمها البنَّاء. هذه الانحناءات العفوية أصبحت سمة معمارية تراثية توحي بعفوية أقرب إلى طبيعة الإنسان القديم من الأشكال الهندسية المنضبطة التي جاءت نتيجة للتطور الهندسي الحديث. فمع بقاء هذه العفوية في أمثلة عمرانية متفرقة، إلا أن إعادة انتاج التراث لم تمنع من تمثل العصر الذي انتجت فيه هذه العمارة. فقد حافظت هذه الدقة الهندسية الحديثة ما للعمارة التراثية من بساطة، تتمثل في الأشكال الهندسية المنقوشة على الواجهات، والمثلثات التي تزين المنائر. ومع إعادة انتاج التراث المعماري في سياق التطور الهندسي نتجت عمارة تقترب في كثير من سماتها بالعمارة الإسلامية التاريخية في أوج تطورها، كالعمارة الأندلسية مثلاً.

إن منح جائزة مدى الحياة في مجال التراث العمراني يعد تتويجاً للرؤية الجمالية التي يمثلها الأمير سلمان من خلال المشاريع الكبرى التي تعيد تشكيل مشهد الرياض الفسيفسائي بعمارة أكثر نقاء وعذوبة، تقابلها أشكال عمرانية كدرة تمتد بطول الرياض وعرضها. فهذه الجائزة فرصة لإعادة النظر في الأساسيات الجمالية التي تقوم عليها عمارة مدينة الرياض، انطلاقاً من مقارنة ما تمتلكه عمارة الرياض الحديثة من قيم جمالية تراثية، مع ما تسرب إليها من قيم جمالية مجلوبة تسربت إلى مشهدنا المعاصر من مسام الحداثة.

الوسوم:

التلوث المعماري لمدينة الرياض

الرياض مدينة تنمو بسرعة سواء سكانياً أو عمرانياً. وهذا النمو السريع يأتي على حساب أمور كثيرة منها ما يمكن أن يسمى بالتلوث المعماري. فنحن نعرف أن الطرق المزدحمة قد تؤدي إلى تلوث صوتي، يسهم في تلوث البيئة كتلوث الماء والتربة والهواء. ودور العمارة في الحد من التلوث البيئي مطروح من خلال الترشيد في استخدام الطاقة والمساهمة في الحد من مخرجات العمران من النفايات وما إلى ذلك، كله يندرج تحت مفهوم العمارة الخضراء. إلا إنني لا أعني بالتلوث المعماري ما يخرج من هذه العمارة، بل ما ينتج من نظام العمارة نفسه بكل تحولاته وأثر ذلك في النسيج العمراني للمدينة منذ إنشائه حتى هدمه عند نهاية عمره الافتراضي.

ففي مدينة الرياض يمكن تلمس قماشة المدينة العمرانية بالنظر إلى الصورة الناشئة من تجاور البنيان على امتداده في كل اتجاه. فالعمران، مثلا، على جانبي طريق التخصصي الممتد من الجنوب إلى الشمال، يولد شريطاً عمرانياً متصلا يتكون ويتحول تدريجياً يوما بعد يوم: بناية بناية، رصيفا رصيفا، شباكا شباكا. وعند تفحص هذا النسيج، ستجد أن لملمسه خشونة تتناقض مع نعومة بيئته المحيطة به: تضاريس البادية الخالية من الزوايا الحادة تقريبا، وليل كعباءة البدوي مثقبة بالنجوم، ومشهد صحراوي خال من الكثافة. ستجد بالمقارنة على امتداد مدينة الرياض: زوايا حادة للهياكل العمرانية المكعبة، بياض مفرط في التفاؤل لا يبقى طويلا، كثافة ممتدة لا تنقطع إلا ببقع معزولة مليئة بالنفايات. هذا التناقض بين البيئة الهادئة المحيطة وهذه الواحة الإسمنتية يوحي أن تجربة التنمية العمرانية حتى الآن لا تقوم على مبادئ مشتركة مستمدة من التراث.

فبمقارنة مدينة الرياض القديمة والرياض الحديثة على مستوى الشخصية المعمارية سنجد إن البيوت توحي لمن يراها أنها طالت مع النخيل ونبتت من الأرض كما نبتت من الأكف الأنامل. فعمران الرياض القديم يشكل نسيجاً متكاملا من الأنماط المعمارية نتيجة لما له من بساطة وعفوية. البيوت أكثر التفافا، والطرقات أقل صرامة وأكثر استجابة للسياق الذي يحيط بها. يقابل ذلك ما للرياض الحديثة من صرامة معمارية تستجيب للمسطرة والفرجار على الورق ولا تستجيب للتلال والأودية على الأرض. الصورة الفسيفسائية المكونة من أنماط معمارية متباعدة روحا المتلاصقة مكانا هي ما يمكن أن نعرف به التلوث المعماري. هذا التلوث المعماري الذي لا يستجيب للنسيج السياقي المحلي المتنوع، إنما يستجيب لسياق خارجي يعيش غريباً بيننا.

الوسوم: ,

سبع فوائد من وجود جغرافيا للشر

الفائدة الأولى، حتى وإن كانت الحدود خلافية مرسومة بعصا نحيلة على الرمل، يمكن محوها بقدمك وأنت تسير عصرا في يوم جميل، فإن وجود الشر جغرافيا على الخريطة يعطي مصداقية لحقيقة وجوده. فتستطيع معاينة حركته الصباحية والمسائية، وطبيعة اللغة التي يستخدمها للتعبير عن نفسه في مؤتمر عالمي لمحاربة الفقر، مثلا.

الفائدة الثانية، أن الشر يمكن أن يكون عملا مؤسسيا من خلال نظام عنصري دموي. فنظام مثل هذا يمكن أن يمارس مهمته بكفاءة عالية، ومن الممكن قياس انضباط أفراده في تنفيذ أهداف المؤسسة أيضا، وما يتحلى به أعضاء هذه المؤسسة من أمانة وإخلاص في تأدية المطلوب منهم بما يحقق الأهداف والرؤية المستقبلية المعلنة للنظام.

الفائدة الثالثة، أن الجمال الظاهري لا يعكس بالضرورة قبحا داخليا يليق بالشر في هيئته المؤسسية والمستقرة على الخريطة. فقد تقضي وقتا جميلا على الساحل في نطاق الشر الجغرافي دون أن تشعر بوجوده من حولك. وقد تخونك فطنتك من أن تراه يمر من جانبك في سوق شعبي مزدحم بعيدا عن نطاقه الجغرافي المعروف.

الفائدة الرابعة، أن للشر اقتصادا عندما ينتقل من صورته المعنوية إلى صورته الجغرافية. ولهذا الاقتصاد ديناميكية لا تختلف كثيرا عن غيره من الاقتصاديات الأخرى سواء ديناميكية الاقتصاد الجزئي منه أو الكلي. لكن لا تعول كثيرا على دور الأخلاق كثيرا في اقتصاد مثل هذا يركب الشر فيه دراجة هوائية صديقة للبيئة في الطريق إلى مفاعل نووي سيفجر العالم.

الفائدة الخامسة، أن الشر حين يحل في الجغرافيا يفرخ أطفالا غير مجازيين، يركضون إذا وجدوا مساحة مفتوحة في سماء يوم أزرق، ويعثرون كما يعثر أي طفل في عامه الثاني في أي مكان آخر. لكن للشر طريقته في إخفاء أنيابه وراء ابتسامة طفل مليء بالعافية، وهو يعرف كيف يجعل من الطفل فاتحة لحديث عابر مع غرباء تائهين في زحمة مدينة كبيرة.

الفائدة السادسة، أن للشر قدرة على الرواية التاريخية ينفذ منها إلى الجغرافيا من ثقوب السياسة. فالشر يستطيع أن يستفيد من آليات الاقناع المتوفرة للجميع كاللغة والمنطق والفن، وربما تفوق في استخدامها. فقد يكون للشر شعراء مَهَرة يجيدون ثني الكلام وتدجين المجاز، وقد تكون له مؤسسات أكاديمية لأعضائها صور فوتوغرافية جذابة توحي لمن يراها بالحضارة والمدنية.

الفائدة السابعة والأخيرة، أن للشر أقنعة كثيرة ووجود جغرافيا له يسهل من رؤية أصحابه وهم يخلعون الأقنعة عند دخولهم إلى أجوائه الإقليمية. فتخلع الأقنعة عند المصافحة والعناق الحار، وتخلع الأقنعة عند تبادل النكات وسماع الضحكات الصادقة، وتخلع الأقنعة عند اقتسام كعكة كبيرة في حفلة خيرية لجمع التبرعات لضحايا حقول الألغام.

الوسوم:

أنف عدونا الكبير

ما زالت غزة تلقي بنفسها من أعلى المقاومة ولا يتلقفها أحد. دمها الذي تنزفه زكاة المقاومة والقضية. القضية التي ترسم خريطة العالم دولة دولة، وحين يقترب قلمها الرصاص الخفيف من القدس تبدأ يدها في الارتعاش، فينكسر القلم الهش ويسيل الدم في عروق المدينة. غزة على الخريطة المنقوصة مرسومة مثل سكين لكنها هي الجرح، وهي المرسومة مثل المسدس لكن الرصاصة الفضية في رئتها. وهي مرآة عدوها تكشف ملامح قبحه المتعددة: أنفه الكبير الذي تتربع عليه قاعدة عسكرية مدججة بالمدافع التي تطل على طفل صغير يبني بيتاً رملياً على الساحل؛ أظافره الطويلة التي تستظل تحتها بوارج رمادية تجرح البحر؛ أنيابه الطويلة المغروزة في لحم الأرض المحتلة منذ ستين سنة. فالأرض المرضوضة ببساطير الجنود محاصرة بالدموع والبنادق، والسماء مسقوفة بالطيور الحديدية وفقاعات الأمل الملونة، والبحر مرصوف بنزيف الشهداء وعلب الكولا الزجاجية التي يأرجحها الموج محشوة برسائل الأطفال إلى العالم. فما زالت غزة تطرق باب الحرية الكبير حتى تقرحت يدها الصغيرة، وما زالت تسير حافية في سكك السياسة الدولية حتى تفطرت قدماها. وعدوها يعرق من لعبة القولف ويشتكي من حرارة الصيف وهو يشرب شاياً مثلجاً ويراقب حركة البورصة. فعدوها قادر على أن يقنع العالم بموقفه الملطخ بالدم لأن ربطة عنقه أنيقة وليست مرتخية أمام الكميرات، ولأن إنجليزيته قادرة على أن تملأ الصورة بالضباب فلا يرى أحد ما خلفه من الخراب والدخان. وهو إضافة إلى كل ذلك يملك مهاراة نادرة في خفة اليد. ففي كل اجتماع دولي يقف ويلبس قفازاته البيضاء ليبدأ عرضه المكرر: يخرج أرنباً ناصع البياض من قبعته السوداء الطويلة فيصفق أعضاء المؤتمر، ثم يعيد الأرنب إلى القبعة من جديد ويخرج منها حمامة، حمامتين، ثلاثاً، فيقاطعه الحضور بالتصفيق الحار والصفير. لكن عندما يعرض لهم عرضه الأخير وهو يقسم جسد الأرض المحتلة بمنشار المستوطنات الطويل، لا يصدق أحد أن ما يراه حقيقيا/واقعيا/تراجيديا/مأساويا. وأنه ليس فيلماً سينمائياً مدهشاً يعرض لأول مرة، أو خدعة فنية أعدت مسبقاً في مختبر لتقنية الألعاب البهلوانية. إلا أن الحضور يصمت لدقائق قليلة ليسترد أنفاسه المحبوسة، ثم يعود للتصفيق والصفير.

الوسوم:

تزور مدنا جديدة

تزور مدناً جديدة تصافحك بغصون الشجر الرطب وتحضنك بالشواطئ. في كل مدينة جديدة تزورها، قوارب شراعية تروح وتذهب فيك. كأن حزناً ما يمشط رملك الداخلي بانتظار أن تنقشه قدما قرية صغيرة تمرك على الطريق بين مدينتين. تذهب بعيداً ليبللك مطر عابر ليس له مظلة. كأن كل ما فيك من صحراء ونخيل بانتظار أن تصبح الصحراء صخورا والنخيل أعشاب بحر بانتظار موجة مشغولة بالزبد. تحتاج أن تمر نافورة واحدة منقشة بالصدف لتتغرغر بماء حزنك حتى يتكدس الورد في دمك. تحتاج لأمل عشوائي يتساقط عليك مع أوراق الخريف لتعرف أن ما ينقصك لتكون آخرك الذي ينتظرك في المستقبل هو أن تكون أنت أناك تماما. فربما تنقصك شمس صغيرة تحمص ما بين وجنتيك من حنطة ليستدير وجهك كالرغيف فتختفي زوايا حزنه المدببة. وربما تحتاج إلى أن تمشي ونفسك طويلاً لتجعل من ماضيك سلماً لتصعد به إلى المستقبل.

تزور مدناً جديدة لأن كوباً واحداً من القهوة لا يكفي لتسرد قصة عمرك، ولأن الطرق الحجرية التي تؤدي إلى مقهى يطل على البحر ليست واحدة، ولأن حقائب حزنك كثيرة. فقد تقف عند أول مقهى تمره كنحلة تبدأ الورد من أول الحقل، وتسند رأسك إلى الخلف لتعد الحمام الذي يشكل غيمة رصاصية تمر من فوقك، وتسأل عامل المقهى: أشاهدت غيماً كهذا قبل ذلك؟ فيرد جارك في الطاولة الأخرى: أرأيت حماماً كذلك قبل هذا؟ فيقول عامل المقهى: هذا موسم السياح الذين يكثرون من الأسئلة ولا يدفعون كثيراً.

تزور مدناً جديدة لتكثر من السير وحدك في حديقة خالية إلا من العشب. فتقيس ظل شجرة في المنتصف بملاعق القهوة: ما ضر الشاعر الإنجليزي لو قاس عمره بملاعق الحساء الطويلة ولو مرة. وبماذا أقيس عمري لو لم أجد غير عينيها الذابلتين؟ ستصل إلى نهر ما حتماً، وتستسلم لصوته الناعم، كأن النهر يمر بين الأحراش على أطراف أصابعه. وربما تغمس قدميك المقرحتين من السير طويلاً في رمضاء الحب في انتظار قارب ملون يدعوك للصعود في رحلة قصيرة إلى حيث يختفي النهر حين ينزوي وراء القلعة.

قد ترى الغيم الذي يشبه الحمام الذي يقلد الغيمة الرصاصية فلا تبلغ قائد القارب لكي لا تخل بتوازنه الهش، وقد يراه وأنت منشغل بمرآة نفسك في سواد النهر. ستقول: الليل مرآة ثقبتها النجوم، ويقول قائد القارب: بل الليل عباءة مخرقة للنهار. سيصل القارب إلى آخر النهر، وتصل أنت إلى نهاية نهرك الشخصي، ثم تعود.

الوسوم:

اقتصاديات سوق الثقافة

كلما دخلت متجر (بارنز آند نوبل) في أي مدينة أزورها اتجه إلى قسم الشعر تلقائيا مثل من يبحث عن بيت خارج بيته. لكن المساحة الممنوحة للشعر في مكتبة من دورين ومقهى في المنتصف تضيق عن المدى الذي يفتحه الشعر في سماء اللغة. الشعر يأخذ بالكاد متر وسبعون سنتميترا وأسماء تتكرر من مدينة إلى أخرى، الأسماء نفسها والمساحة هي هي. الشركة التي تعطي كتب الطبخ وتطوير الذات حيزا أكبر في كل فرع من فروعها في العالم لا تعبر بذلك عن ذوق رئيسها التنفيذي، بل تعبر عن رؤية الشركة وفهمها لاهتمامات القارئ ورغبته الشرائية.

فالمتاجر الكبرى مثل (بارنز آند نوبل) تفتح نافذة للمتابع على اقتصاديات سوق الثقافة. فهذه المتاجر تتبع ديموقراطية مجازية تتمثل في ديموقراطية السوق أو ديموقراطية رأس المال. وهذا النموذج الاقتصادي مقبول إلى حد كبير في سوق الخدمات أو سوق التقنية حيث يتبع المصنع رغبة المشتري ويقبل نقده لجودة المنتج، والمعادلة النسبية بين السعر والجودة. لكن عندما يتعلق الأمر بالفكر المتمثل في الكتاب، فالأمر يختلف قليلا.

فمع نمو صناعة متطورة للكتاب، تدخل فيها تقنيات عالية من تصميم الغلاف إلى مادة الورق، إضافة إلى الكتاب الإلكتروني، يظل المحتوى-مادة الكتاب الأساسية-محل خلاف واضح. فهل يمكن اعتماد القارئ مقيما أساسيا لجودة مادة الكتاب على اختلاف موضوعه؟ عندما تقف عند زاوية الشعر في المكتبات الكبرى، مثلا، لن تجد إلا عددا قليلا من الكتاب الحائزين على جائزة نوبل ممثلين على الرفوف. هذا الغياب يدل على التباين بين حركة السوق الاقتصادية وحركة النقد، الذين لا يعترف أحدهما بالآخر. فالمكتبة التي تسعى إلى الربح لن تعترف إلا بأرقام المبيعات. أما لجان الجوائز فلا تأخذ بالاعتبار إلا الجودة بمفهومها المعياري الذي يعرفه النقد النظري أو التطبيقي. في حالة النقد، قد يتخلى ناقد حاذق عن أدواته التقليدية وربما ذوقه الشخصي، ليحاول فهم اقتصاديات السوق الثقافية. ما الذي يجعل كتابا ما أكثر رواجا؟ وفي جانب الإبداع، قد يتخلى كاتب عن تقاليد مدرسته الإبداعية ليحقق رواجا وربحا لا يمكن أن يصل إليهما بموهبته وحدها. وفي هاتين الحالتين نوع من التنازل عن قناعات مسبقة، وشيئا من البراغماتية التي تتعامل مع واقع لا يمكن تجاهله.

إلا أن جانبا أخلاقيا ومسئولية أدبية لا زالت قائمة لا يمكن تجاهلها عندما يتعلق الأمر بالأدب دون غيره من مجالات المعرفة. ففي كتب المعرفة المختلفة، الفيزياء مثلا، يمكن أن تقدم مادتها بشيء من التبسيط، بمعادلات أقل، بلغة صحفية تصل إلى أكبر عدد ممكن من القراء المهتمين دون أن يتخلى الكاتب عن حقيقة المادة العلمية. هذا التقسيم، مادة أصيلة وأخرى مبسطة، ليست ممكنة في الأدب. فإما أن تكون قابلية النص للقراءة الجماهيرية عالية أو لا تكون. فلا توجد للنص نسختان: واحدة تملك كل ما يعرفه الناقد من جماليات فنية، وأخرى تتخفف من ثقلها الجمالي لتحملها روح قارئها إلى أبعد من نفسه.

الوسوم:

التقنية ودمقرطة الثقافة

بين الديموقراطية والتقنية علاقة متبادلة، فحين تخدم التقنية الديموقراطية في تحصيل أصوات الناخبين مثلا، محققة سرعة فائقة في تعداد الأصوات؛ تقوم الديموقراطية في خدمة التقنية بشكل غير ظاهر. فجوجل مثلا تستخدم الديموقراطية لتصنيف مواقع الانترنت التي تعرضها حين يقوم المستخدم بالبحث من خلال كلمة مفتاحية. حيث تبحث جوجل أولا في المواقع التي تحصل على أصوات أعلى، بحيث تتفاضل المواقع بعدد الأصوات كما يحدث في انتخابات الرئاسة. فكل رابط يضعه موقع ما يؤدي إلى موقع آخر، تعده جوجل مثابة صوت يمنحه الموقع الذي يحمل الرابط إلى الموقع الآخر. فمثلما يقوم المنتخبون بمنح أصواتهم للناخبين من خلال تعبئة نموذج انتخابي، يقوم الموقع بمنح رابط لزائريه ليرشح موقعا ما. بهذه الطريقة تكون جوجل قد تنازلت عن سلطتها في تصنيف المواقع ومنحتها إلى جمهور صانعي المواقع بترشيح من يرونه مناسبا. وما على جوجل سوى أن تحصل الأصوات بشكل دوري وتعرض النتائج كلما قام مستخدم بالبحث عن كلمة مفتاحية.

من خلال تقنية البحث هذه، تقوم جوجل بجعل مادة الانترنت خاضعة لديموقراطية منشئي المواقع الذين يملكون الأصوات من خلال الروابط. يقابل هذه التقنية ما يقوم به أفراد يتولون مسئولية تمثيل الذوق العام حسب القيم التي يلتزمون بها والقيم التي تسنها سياسة المؤسسة التي يعملون بها لاختيار المادة الثقافية. ورغم أن القارئ يمارس حقه في الاختيار بين المطبوعات بشكل غير مباشر، وهو بحد ذاته يمثل تصويتا للمطبوعة بمجملها، إلا أن الديموقراطية التي تقوم عليها تقنية البحث في جوجل أكثر ديناميكية وشفافية في عرض الرأي الجمعي حول مادة ما.

مثل جوجل، تقوم تويتر بصناعة الثقافة بناء على أسس ديموقراطية أيضا. فمقابل أن يقوم الموقع بترشيح موقع آخر من خلال رابط الكتروني، يقوم مستخدم تويتر بإعادة نشر المادة الثقافية، بحيث يتم تدويرها من أكثر من مستخدم بما يشبه عملية ترشيح آنية تبلغ ذروتها في حدود بضع دقائق. وتتراوح إعادة التدوير، أو الترشيح، من مادة أقل من مئة وأربعين حرفا إلى كتاب بأكمله. وعلى نمط تويتر نفسه، يقوم الفيسبوك بترشيح المادة الثقافية بطريقة مشابهة. وفي كلا الحالتين، تويتر وفيسبوك، تمنح شبكة التواصل الاجتماعي قدرة أكبر على تحقيق مفهوم الديموقراطية على أجزاء من العمل الثقافي وبشكل آني. أجزاء فسيفسائية من المشهد الثقافي المعاصر، في مقابل ما تحققه جوجل من ترشيح مواقع بأكملها.

عند استعراض المشهد الثقافي، وقنواته الإعلامية في الخصوص، يتبين أن التقنية تقوم بتمكين أفراد المجتمع في ممارسة حقهم في الاختيار والترشيح بشكل أدق. فمن الاختيار الذي يقوم به القارئ للمادة الثقافية من خلال مطبوعة ما بممارسة التصويت ضمن ما يمكن أن يسمى ديموقراطية اقتصاديات السوق، تأتي تقنية جوجل وتويتر وفيسبوك بإعطاء القارئ حقه في التصويت خارج اقتصاديات السوق، أي دون أن يكلف القارئ التصويت ماديا. فإن كان كثير من المحللين يرون تحول الثقافة إلى شبكة التواصل الاجتماعي نوع من تمكين الفرد من صناعة مادته الإعلامية أو الثقافية بنفسه، فإن المحفزات والتحديات التي تقوم عليها صناعة المادة الثقافية في الإعلام التقليدي ومجتمع شبكات التواصل الاجتماعي لم تتغير كثيرا. فإن كان الإعلام التقليدي يخضع لاقتصاديات السوق، فإن شبكات التواصل الاجتماعي هي الآخرى تخضع لاقتصاديات المرشح.

الوسوم:

الثقل الجمالي للقصيدة

قد تمر بأرض قليلة النبات، شحيحة الظل، بلا طعم ولا رائحة، لكنها تعجبك لما ليس فيها، لما تريك من الغياب. وقد تمر بحقل يسيل الظل من أكمامه، وتفوح رائحته من الدراق والبرتقال، وتمتلئ رئتك منه بالعافية، إلا إنك تمل منه لما فيه من الثقل الجمالي. هذا الثقل هو ما يخيل إلي إنه وراء فشل القصيدة الحديثة في استدراج قارئها إلى منطقة بيضاء لتبادل المعنى. فالقصيدة ليست وحدها مولدة للمعنى بل القارئ أيضا. فالقارئ يبحث عن فراغ في القصيدة، عن نقص ليكمله بقطعة منه. لذلك يقف القارئ أمام القصيدة المثقلة بالاستعارة والمجاز ليقول: أين أنا من كل هذا؟ فإن لم يجد نفسه أدار ظهره وانصرف.

القصيدة الحديثة تحاول بكل جهدها وما تملك من قوة اللغة أن تكون في حد ذاتها حدثا. وذلك بما تملك من مهارة سحرية في صنع العبارة. لكن حين تكون القصيدة مركزا، تصبح في أفضل حالاتها كوكبا جميلا لا يزوره أحد. فلا يجب أن تشعر حين تقرأ قصيدة أنك تدخل إلى معمل كيميائي/حيوي لإعادة هندسة اللغة جينيا. وإن كان معمل كهذا يخدم اللغة حقا، فلا يجب أن ينتشر كالفطر البري على واجهات الصحف كل يوم.

فالقصيدة الحديثة انشغلت بصورتها في الماء ولم تنتبه لحركة النهر. انشغلت بالمرآة وبرد الأظافر والمحافظة على رشاقتها اللغوية، بينما الرواية تخرج كل يوم إلى العمل على قدميها النحيلتين صباحا لتعد الفطور للمدينة، وتدعك زجاج الشبابيك في الليل ليدخل ضوء القمر إلى البيوت أكثر. وقد نسيت القصيدة كيف تمسك بالسكين لتقطع قضية نصفين، بينما تقشر المقالة فكرة جديدة كل يوم للرأي العام.

فعلى القصيدة أن تراقب معدل استهلاكها للمجاز كما يراقب رجل مريض بالقلب نسبة السكر في دمه. وكلما تركت القصيدة مساحات بيضاء أكبر للقارئ ليضع حقائبه وأغراضه الشخصية، أحس القارئ بغربة أقل حين يسافر في لغة جديدة. ففي كل قصيدة جيدة لغة جديدة، عشب للخيال لم يرقد عليه أحد، حصيات صغيرة ملساء لم تمش عليها أقدام غضة بعد، لكن لا أحد يحب أن يدخل مكانا لا يعرف كيف يخرج منه. فالقصيدة ليست مغارة جحا، لكنها جسر بين سياقين.

الوسوم:

٣٢ بيانا حول كتابة الشعر

مارفن بل (شاعر أمريكي)

١. كل شاعر شاعر تجريبي.
٢. تعلم الكتابة عملية سهلة: اقرأ شيئا، ثم اكتب شيئا، اقرأ شيئا آخر، ثم اكتب شيئا آخر. ودع ما تقرأ يظهر في ما تكتب.
٣. لا توجد طريقة واحدة للكتابة، ولا توجد طريقة صحيحة للكتابة.
٤. الأشياء الجيدة والأشياء غير الجيدة كلها جزء من الشيء نفسه. لا أشياء جيدة دون أشياء غير جيدة.
٥. تعلم القواعد، اكسر القواعد، كون قواعد جديدة، اكسر القواعد الجديدة.
٦. أنت لا تتعلم من العمل الذي يشبهك بالقدر الذي تتعلم من العمل الذي لا يشبهك.
٧. الأصالة مزيج جديد من المؤثرات.
٨. حاول أن تكتب قصائد لا يحبها واحد على الأقل في الغرفة.
٩. الأنا في القصيدة ليست أنت، بل شخص يعرف عنك الكثير.
١٠. السيرة الذاتية منتنة.
١١. القصيدة تستمع إلى نفسها وهي تمضي.
١٢. ليس ما تبدأ به هو المهم، إنما المهم نوعية الاهتمام الذي توليه بعد ذلك.
١٣. اللغة ذاتية ونسبية، لكنها تتقاطع أيضا، فافهمها.
١٤. كل كاتب للشعر الحر عليه أن يعيد اختراع الشعر الحر.
١٥. النثر نثر لما يحتويه، والشعر شعر لما ليس فيه.
١٦. القصيدة القصيرة ليست بالضرورة صغيرة.
١٧. الوزن والقافية يقبلان التجريب أيضا.
١٨. في الشعر محتوى، لكن الشعر ليس محتواه على وجه الدقة. قصيدة تحتوي شجرة ليست بالضرورة عن شجرة.
١٩. لا تحتاج إلى شيء أكثر من أشياء عادية موجودة عند الجميع لتكتب قصيدة.
٢٠. صميم الجمال الشعري مبني على الإطناب، إنه يعرف مصطلحاته ويستهلكها إلى أقصى حد.
٢١. ضريبة تعلم الشعر هي الذهنية، لكن فات الأوان على الجهل.
٢٢. عندما يقال: الكلمات عاجزة عن التعبير؛ هنا يكون دور الشعر. الشعر يستخدم الكلمات ليذهب إلى ما هو أبعد من الكلمات.
٢٣. لا يتعلم أحد إذا قام معلمه بالعمل كله.
٢٤. المعجم جميل؛ لبعض الشعراء، يُعد كافياً.
٢٥. كتابة الشعر مكافأة بحد ذاتها، ولا تحتاج إلى شهادة لذلك. الشعر كالماء يبحث عن مجراه.
٢٦. القصيدة المنتهية مسودة لقصيدة أخرى جديدة.
٢٧. الشاعر يرى الفروقات بين قصائده، القارئ يرى التشابه.
٢٨. الشعر تعبير عن أشياء أكثر أهمية. فمرة: إنه الشعر! ومرة أخرى: إنما هو شعر.
٢٩. من منظور معين، بارناسوس جبل صغير جداً.
٣٠. الورشة الشعرية الإبداعية الجيدة تشعرك أن الجميع جزء من العملية نفسها، بما في ذلك المعلم.
٣١. (أنشودة الكساد الكبير) يمكن أن تعبر عن كتابة الشعر: استهلكها/ اتلفها / تدبر بها/ أو استغن عنها.
٣٢. الفن طريقة حياة، وليس مهنة.

الوسوم: ,