الكتابة تقول لا


الكتابة تقول: لا الصادر عن الدار العربية للعلوم ناشرون يعالج قضايا معاصرة سياسية واجتماعية من خلال نصوص نثرية قصيرة، يلجأ الكاتب إلى لغة شعرية وساخرة أحيانا ليعبر عن موقفه من الحروب غير العادلة، والدكتاتورية، والثورات العربية، كما يتناول الكاتب قضايا أخرى، مثل البيئة والعمارة والفن، ومع أن الكتاب يعبر عن قضايا معاصرة إلا إنه يخلو من أي إشارة مباشرة للأماكن والشخصيات ذات العلاقة. فالنصوص تعبر عن الخاص بلغة العام مجردة من الزمان والمكان. يجد القارئ ذكرا لمدن ومؤسسات مثل نيويورك ومجلس الأمن، وشخصيات مثل نيرون وابن منظور ومحمود درويش، وباستعراض عنوانات النصوص الأربعة والأربعين تجد موضوعات متفرقة مثل الدراجة الهوائية، والبيروقراطية بوصفها سببا في فشل التنمية، والمئذنة باعتبارها أيقونة للمدينة الإسلامية. يقدم الكتاب نصوصا تتمرد على التصنيف، فمن عنوان الكتاب، تقول النصوص “لا” للشعر والنثر، فالكتاب ليس نثرا خالصا وليس شعرا أيضا، وليس كتابا سياسيا وليس كتابا في الدفاع عن البيئة، لكنه يقترب من كل هذه الموضوعات ولا ينتمي إليها. من أجواء الكتاب:

في مجلس الأمن ربطات عنق معقودة بمهارة، وعيون بألوان مختلفة، وأناس يروحون ويجيئون فرادى ومجتمعين مثل عمال حقول الشاي وأياديهم مليئة بأوراق يابسة كأوراق الخريف. طاولة دائرية في منتصف القاعة كأنها أعدت حلبة لمعركة بين ديكين، سوى أن التدخين ممنوع، وأن لكل فرد في القاعة مكان محدد سلفا.


أسئلة الشهيد التي لا تموت

image
لكل شاعر كبير، وناثر كبير، اطَّرِحْ لغتك التي تشحذك كسيف طويل، فللشهيد لغة أخرى كاملة غير ما تعرف، وأنت تطيل الوقوف على الأطلال بمجاز جديد، وحزن جديد، اسأل أسئلة الشهيد التي لا تموت:

أين يتجه الحزن عندما تخفق رياح الشمال معلنة رحيل المراكب؟

كان يقف على سفح يودع الراحلين ويلوح لهم بيديه حتى تنسل مراكبهم تحت عباءة الغروب.

لماذا تجلس المعاني كالعصافير في أعشاشها إلى أن يهش عليها شاعر عصا التجربة؟

كان ينظم الشعر لكنه لا يجيده كأي شاعر متمرس، ويعجب من تسلسل القوافي في المعلقات كأنهن ظباء تحلقن حول ماء ونخيل.

لماذا لا ينصت سوى الضحية حين تتكلم الذخيرة الحية؟

كان يشاهد الضحية تولد من فم السياسيِّ، ولا أحد يرْكز بارودته في وجه الحقيقة ويعسْكر عندها. يقول في نفسه: ربما كانت (الضحية) محاولة يائسة في الدفاع عن غد لا يؤمن أحد بقدومه، أو محاولة طائشة لاختبار عزم العدو على رسم خريطته من طرف واحد. مهما يكن، تبقى (الضحية) مجهولة والحقيقة عَلَم على خط النار يحترق.

كيف يقول الشهيد عند الوداع الأخير لوطنه الذي يحبه: شكرا؟

كان يبحث عن فيلسوف يشرِّح مفهوم (الحب) و(الوطن) و(الوداع الأخير) معاً، لعله يجد كلمات مناسبة ليسرَّ بها في نفسه أو يبوح بها لأقرب جريح قبل نطق الشهادة. هل الروح كافية؟ يقول، وهل هي سدرة منتهى العشاق؟

كيف يستدير اسم الشهيد حين يمر في الذاكرة: مثل قمر أو قصيدة؟

كان يتذكر زملاءه الذين استشهدوا ويعلق أسماءهم مرة على عينينة أبي ذؤيب الهذلي، ومرة يعلق أسماءهم على مراثي متمم بن نويرة، وكان بعضهم يشع في قلبه قمرا فيستدير وجهه ألقا قبل أن يجهش بالبكاء.

هل الحب وردة تفترُّ من القلب، أم سكين يولد في الخاصرة؟

كان يعرف من الحب ما يسل من فمه ابتسامة دون أن يشعر، ويعرف من الحب ما يجعل عينيه تفيض مثل نافورة من الدموع. لكنه لا يعرف كيف للحب أن يستل سكينا ويقتله، ولا يعرف كيف يصبح قلبه علبة حلوى لطفل بكى من شدة الشوق، ولا يعرف كيف يصبح الحب قنديلا يطل من عينيه فيضيء طريقه في ظلمة المجهول.

ماذا حل برصاصتي التي أطلقتها قبل أن أموت؟

كان يراجع عمره كأي طالب نجيب يستعد لامتحانه النهائي. وكان يجيب على الأسئلة كلها:

أين ما ضاع من عمري؟

كيف نجوتُ من حزن كاد يعصف بي ويقتلني؟

إلى متى أحوم كالنحلة حول أحلامي، لا أنا أصيبها ولا هي تصيبني؟

لكن سؤالا واحدا أعياه ولم يجد طريقا للإجابة عنه: ما الذي حل بقاتلي؟

الوسوم:

خمسة عشر عنصراً للجمال

عرجت في المقال السابق على ثلاثة عناصر للجمال كما وصفها المعماري ألكساندر في أربعة مجلدات ضخمة الموسومة (طبيعة النظام). ورغم أن هذه المجلدات الأربعة تبحر في شؤون نظام الطبيعة وعلاقتها بالفن والحياة وطبيعة الأشياء إلا أن هذا العمل يرتكز في الأساس على خمسة عشر عنصرا للجمال يدور حولها هذا العمل الضخم. كل عنصر له مظهر جمالي يمكن أن يفهم وآخر وظيفي ما زال مجهولا. والربط بين الجانبين، حسب ألكساندر، قد يكون فاتحا لفهم أعمق لطبيعة الأشياء. ورغم أن الاهتمام بهذه العناصر ينبع من القيمة الجمالية المرتبطة بها، إلا أن الرغبة في البحث عن المدهش تلح علينا في التحقق من وجود عمق وظيفي لهذه العناصر الجمالية لم يكتشف من قبل. وفيما يلي سرد للعناصر الخمسة عشر:

1. المركز القوي: المركز القوي هو العنصر الذي تعمل بقية العناصر الأخرى لتحقيقه وتوثيقه من خلال التجاور الأفقي أو التسلسل العمودي. فحسب هذا المفهوم، فإن إضافة نقطة إلى منتصف دائرة فارغة يمثل إضافة جمالية لا تتحق لو أضيفت هذه النقطة في مساحة هامشية خارج الدائرة، مثلا.

2. ميزان الأحجام: فوجود تنوع في أحجام الأشكال في الفراغ بمقياس منتظم يحقق إيقاعا كليا، يزيد من ترابط الشكل الجمالي. فمثلا، يمكن رسم هلال معقوف بدوائر مرصوفة تبدأ صغيرة من الأطراف لتتسع شيئا فشيئا حتى تعود إلى حجمها الصغير الذي بدأت به أول مرة. تعمل هذه الدوائر سويا بتشكيل صورة الهلال كمنظومة بناء على التباين بين الأحجام.

3.التناظر المحلي: في هذا العنصر تقوم الأشكال بإحياء المركز من خلال التناظر المحدود في المركز دون الامتداد إلى غيره. ونتيجة لصفته المحلية هذه، يحقق التناظر قدرة على الاستجابة لمتطلبات السياق كون التناظر لا يجبر منظومة الأشكال كلها بالانقياد إلى صورة جميلة رسما لكن قبيحة واقعا. وتوجد أمثلة عديدة لهذه التناظر المفتعل في مخططات بعض المدن الحديثة. حيث يؤخذ في الاعتبار الشكل الجمالي على الورق دون النظر إلى الحاجة الواقعية على الأرض.

4. الأطر السميكة: في هذا العنصر يتم تحقيق الترابط بين الأشكال وتعزيز وجودها برسم أطر سميكة حول منظومة من الأشكال أو حول كل شكل على حدة. وقد يكون الإطار نفسه مكونا من مراكز متسلسلة تعمق من قوة الإطار نفسه وتأثيره على ما يحيط به.

5. التكرار التبادلي: في هذا العنصر تقوم عدة أشكال بالتتابع على خط واحد، إما في نظام ثنائي وإما في نظام ثلاثي، بحيث يصنع هذا النظام إيقاعا بين الأشكال سواء كانت هذه الأشكال المتتابعة متماثلة في الحجم أو متباينة.

6. الفراغ الإيجابي: عندما تتكون منظومة من الأشكال المترابطة تتكون فراغات ضمن هذه المنظومة، تتشكل هي نفسها لتكون نظاما خاصا بها بحيث يكون الفراغ مكونا أساسيا. فالفراغ الإيجابي ليس ما يتبقى من منظومة الأشكال، بل هو مركز له مكون ذاتي يكاد يكون مستقلا.

7. الشكل الجميل: سواء كان هذا الشكل مكونا من منظومة من الأشكال المترابطة أو كان وحده، فإن النتيجة أن ينتج شكل كلي يمكن التعرف إليه بأقل جهد بصري.

8. التداخل العميق الغامض: عندما تتداخل الأشكال في منظومة ما يصعب التفريق بين الأشكال إلا بعد النظر بتمعن في مكوناته. هذا التشابك القوي بين الأشكال يعزز من قوة المنظومة بما يشبه النسيج الحيوي الذي لا تنفك عناصره من الترابط مثل خيوط القماش.

9. التباين: مما يعزز الترابط بين منظومة المراكز هو تباينها على مستوى اللون والشكل. هذا التباين يقوم بتفعيل الفراغ ليشارك بناء المنظومة إيجابيا.

10. التدرجات: تقوم منظومة الأشكال بالتدرج في الانتقال على مستوى اللون من الشفافية إلى الدكنة موجهة نحو اتجاه واحد. فإما أن يقوم هذا التدرج وحده بخلق مركزه أو أن يعزز مركزية شكل مكون مسبقا.

11. الخشونة: رغم وجود نظام بين الأشكال يعمل لصناعة شكل كلي قوي، إلا أن كل شكل يتعامل مع السياق المحيط به بإيجابية بحيث يكسر التماثل أو التطابق أو التوازي بالحد الأدنى الذي يضمن الاستجابة لما حوله. من خلال هذا العنصر يتم النظر إلى كل منظومة شكلية ضمن منظومة أكبر تمثل السياق الذي يحيط بها.

12. الفجوة: في قلب النظام الكلي الذي يمثل أعلى درجات التكامل، توجد فجوة فراغية تمثل بعدا يوحي باللانهائية، يشكل تباينا قويا بين ما حوله من مكون مليء بالأشكال وما في هذه الفجوة من عدمية.

13. الصدى: عندما يقوم شكل بالتردد والتكرار في منظومة الأشكال في أكثر من مكان، سواء كان ذلك بالتوالي أو موزعا، يتحقق الترابط بين نظام الأشكال على المستوى الكلي.

14. البساطة والهدوء الداخلي: التبادل بين الفراغ الإيجابي والفجوة في منظومة الأشكال وتوزيع المساحات يخلق روحا من البساطة والليونة التي تكسر جمود الأشكال الغنية بالتفاصيل. فالنظام الكلي يعمل كوحدة مترابطة للمحافظة على هوية كل مركز على حدة مبتعدا به عن التزاحم والتكثيف الذي يفيض عن الحاجة الجمالية.

15. عدم الانفصال: مع الترابط الذي يحدث بين مكونات النظام من خلال الأشكال الجزئية والكلية، يقوم النظام بالمحافظة على الانسيابية والترابط مع أنظمة أخرى سابقة له لا تتطابق مع هويته إلا أنها لا تتنافر معه أيضا.

إن هذه العناصر جميعها تترابط وتعمل لتكون صورة جمالية واحدة ليست موجودة فقط في الأعمال المعمارية أو الفنية. لكن هذه العناصر المذكورة موجودة في أمثلة من الحياة الطبيعية، مثل تشكل سرب من الطيور في ساعة المغيب، أو تبلور ندف الثلج وهي تذوب تحت أشعة الشمس، أو تشقق الأرض عن دلتا نهر يتدفق نحو البحر. في كل هذه العناصر أمثلة من الحياة تمر من حولنا دون أن نقف لنتأملها.

الوسوم:

أنماط الجمال الخالدة

ظل الجمال وكل ما يتعلق به، وإن تعددت أسماؤه ومعانيه، عصيا على القياس، كل ذلك لأنه مشوب بالنفس التي يصعب تأطيرها أو قياسها هي ذاتها. فربما ارتبط الجمال بالعصر الذي ينتمي إليه، فيصبح دالا إلى غيره لا دليلا بحد ذاته، معلقا بخيوط الزمن لا مستقلا يطوف في مداره الخاص مثل كوكب صغير، والحديث عن الجمال فرع عن الحديث عن الجودة. لذا يمكن أن نتكلم عن مفهوم الجودة الشاملة أو (الجودة التي لا اسم لها) لنعالج موضوع الجمال كأحد فروعها. فعند ألكساندر خمس عشرة عنصرا للجمال إذا وجدت في مكان واحد، أو شكل واحد، تحقق لها مستوى من الجمال الخالد الذي لا ينتمي إلى عصر محدد أو موجة فكرية مرحلية. وقد تتبع ألكساندر هذه العناصر في الطبيعة فوجد آلاف الأمثلة التي تشير إلى أن هذه العناصر ربما تتشكل طبقا لقوانين طبيعية لم تفهم بعد. فهذه العناصر تمثل أنماطا تتكرر في الطبيعة الحية أو عبر التاريخ سواء في أعمال معمارية بدائية في القرى القديمة، أو في أعمال معمارية خالدة مثل قصر الحمراء في غرناطة.

العنصر الأول هو (المركز القوي). فقوة المركز تعد أهم عنصر في منظومة العناصر كلها. فمهمة العناصر الأخرى هي خلق منظومة من المراكز القوية في أي شكل فني أو جمالي. والمراكز نفسها تتعاضد وتعمل سويا لتشكل مركزا أكبر هو نفسه بالتالي يدخل ضمن منظومة أخرى من المراكز القوية، وهكذا. فلو أمكننا أن نتخيل حلقة من الدوائر المتصلة، فإننا يمكن أن نلحظ إن كل دائرة تتعاضد لتشكل الحلقة التي تخلق فراغا في المنتصف يمثل مركزا قويا، إضافة إلى الفراغ الذي تكونه كل دائرة على حدة. ولو تكونت مجموعة من الحلقات المتجاورة المكونة من الدوائر المتصلة بشكل أفقي لأمكننا أن نشكل إطارا من الحلقات يمتد أفقيا وعموديا لتشكل هذه الحلقات مجتمعةً مستطيلا، مثلا. بهذه الطريقة يمكن أن نلحظ إن هذه الأشكال تعمل سويا لرسم صورة كلية من خلال أشكال بسيطة تتكرر بشكل منتظم لتكون شكلا أكبر. ويمكن ملاحظة هذا النمط في نقوش السجاد الإسلامي بخاصة، حيث تتكرر الأشكال لتكون من الفراغ شكلا آخر.

العنصر الآخر، هو (ميزان الأحجام). فإضافة إلى المراكز القوية التي تتكون نتيجة لعمل أكثر من شكل لتكوين شكل آخر، فإن أحجام هذه الأشكال إذا تناغمت في هيئة مطردة، كونت منظومة أكثر ترابطا وقوة. فلو إننا تخيلنا – من المثال السابق – مجموعة الدوائر التي تترابط لتشكل حلقة ما، وافترضنا إن هذه الدوائر تضيق وتتسع بشكل منتظم، لأمكننا أن نحقق تعددا يكسر من رتابة التكرار، ويضفي إلى منظومة الدوائر إيقاعا بصريا يجعل الشكل النهائي أكثر حياة. العنصر الآخر، هو (التناظر المحلي). فمع وجود منظومة من الأشكال التي تعمل في نظام شكلي وإيقاعي منتظم، لابد من وجود تناظر ما في هذه المنظومة، لا يسيطر على النظام ككل ويعيد تشكيله، بل يعيش في النظام ليكون تناظرا محليا. فالشباك الذي يتكون من فتحتين محاطتين بإطار خشبي يجمعهما، يمثل تناظرا محليا لا يمتد إلى واجهة البيت كلها، إنما يتكون ضمن الإطار الخشبي للشباك نفسه ويقف عند ذلك. فالتناظر الكلي في المقابل، يملك سلطة دكتاتورية لإخضاع نظام الأشكال كلها للتناظر دون المواءمة بين هذا النظام والأنظمة الأخرى السابقة له.

فلتطبيق العناصر الخمس عشرة – التي أوردت طرفا منها – يجب مراعاة السياق الذي ينمو فيه النظام لتحقيق استمرارية إيقاعية وتناغما لا ينقطع. ومفهوم السياق في هذا الإطار يمثل البيئة التي تسبق النظام الشكلي الجديد. فمثلا، عند إضافة منظومة من المساكن إلى حي قديم، على المساكن الجديدة المحافظة على نسيج كلي يضمن انسيابية شكلية وتكاملا جماليا يجعل من الحي نفسه أكثر حياة. لذا يمكن ملاحظة اهتمام هذه العناصر الجمالية بموضوع الانسيابية والعلاقات بين الأشكال، وكيف يمكن توظيفها وتكرارها لخدمة النظام الكلي. هذه العناصر التي استنبطها ألكساندر، استوحى أهميتها لأول مرة من مجموعة من السجاجيد الإسلامية الأثرية التي يمتلكها وترجع إلى القرن الخامس عشر الميلادي. هذه العناصر الجمالية تمتلك جذورا شرقية عميقة تكونت من رؤية إسلامية لدور الفن وعلاقته بالحياة والإنسان، ولذلك حديث آخر.

الوسوم:

النقد الكلي والجزئي

طرحت في مقالة سابقة مصطلح (الجودة التي لا اسم لها) وبينت أن هذا المصطلح يشير إلى غموض يصاحب فهمنا لجودة كلية شاملة لا يمكن تقسيمها إلى أجزاء، لذلك يستعصي وصفها. ومن عادة الباحثين على المنهج العلمي الذي وصفه ديكارت تقسيم الأشياء إلى أجزاء وعزل كل جزء ودراسته على حدة لفهم خصائصه. هذا هو المنهج العلمي المتبع عبر قرون، لكن يعيب هذا المنهج أنه يفقد فهم خصائص الكل الذي لا يمكن استنتاجها من الجزء.

وعند النظر إلى الشعر العربي، يمكن تتبع ملامح ما يمكن أن نطلق عليه (الجودة التي لا اسم لها) في كثير من النماذج الشعرية والمقولات النقدية المعتبرة من خلال العلاقة بين الجزء والكل. وكمدخل إلى مفهوم الجودة الجديد هذا نحتاج إلى النظر في الخصائص الكلية للأشياء في مقابل الخصائص الجزئية لها-باعتبار ذلك من سمات التعرف إلى هذه الجودة. وذلك لأن التعرف إلى (الجودة التي لا اسم لها) لا يأتي من دراسة الخصائص الجزئية بل من دراسة الخصائص الكلية أيضا. وعند مراجعة النقد القديم للشعر الكلاسيكي نجد أن المفاضلة بين الشعراء تأتي بالحكم في البيت والبيتين وبأحكام عامة ليست مجال مقارنة. فتجد عمرو بن العلاء مثلا، يصف الأعشى بالبازي الذي يضرب كبير الطير وصغيره، ثم يشبه جريرا بالأعشى، ويوزع الأمثال فيربط بين شعراء الجاهلية والإسلام، فنظير النابغة عنده الأخطل، ونظير زهير الفرزدق. والأمثلة لهذه الأحكام النقدية كثيرة في العصر الأول، وهي في الغالب نقولات شفوية وأحكام في سياق الإجابة عن سؤال عابر.

ظلت هذه النظرة تجري في ثنايا النقد العربي إلى عهد قريب مع تباين طفيف عبر العصور. ففي القرن الخامس الهجري قدم الجرجاني نظرية النظم التي يرى بعض النقاد المحدثين أن في هذه النظرية الكثير مما جاءت به البنيوية في النقد الحديث. إلا أن نظرية النظم كرست فهم علاقة الأجزاء ببعضها، الكلمة وما يجاورها، دون النظر إلى علاقة هذا التركيب على المستوى الجزئي بالسياق الكلي. وإن كان الجرجاني يحلل الإعجاز القرآني، إلا أن تطبيق هذا المفهوم في الشعر اقتصر على علاقة الكلمات وتجاورها ببعضها في البيت الشعري الواحد. فبنية القصيدة الكلاسيكية تعزز هذا المنظور كون عمود الشعر العربي يكرس استقلال البيت الشعري. فظل النظر إلى سر الإبداع في البيت الشعري وعلاقات الكلام ببعضه دون النظر إلى القصيدة كلها.

لكن عندما تغير نمط التفكير في العصر الحديث خرج كثير من الباحثين بنتائج جديدة وفي كثير من الأحيان مدهشة. من ذلك مقولات طه حسين في الشعر الجاهلي حين نظر إلى الشعر الجاهلي بحسبه وحدة متكاملة. وبغض النظر عن تفسيرات طه حسين للظاهرة التي رصدها، وهي التي جرّت عليه كثير من المواجهات العنيفة وقتها، إلا إن منهجية النقد الكلي أظهرت صورة جديدة لم يكن من الممكن الانتباه إليها من خلال النقد الجزئي المتبع سابقا. إن مفهوم (الجودة التي لا اسم لها) لا يمكن ملاحظته إلا عند ربط علاقات الأشياء ببعضها في منظور كلي. العلاقات هذه حين تجتمع في بيت أو في قصيدة أو مجموعة قصائد توحي في سياق كلي بجماليات لا يمكن التعرف إليها على حدة. ويبلغ ذروة تأثيرها في العلاقات الكلية الناتجة من ترابط الأجزاء ببعضها التي تكون شكلا أو انطباعا جديدا. وهذا الانطباع الجديد يحتاج تحليله وإرجاعه إلى بنيته الأصلية إلى منهجية جديدة.

الوسوم:

اكتب التاريخ على مهل

اكتب التاريخ على مهل، كأنك تعيد تركيب فسيفساء الحكاية في طبق مكسور ببطء، ولا تستمع إلى من يحاولون دفعك لتنتهي من مهمتك الصعبة، فالتاريخ ما فاتك، فلست معنياً بالمستقبل الذي يجيء راكباً بغلة التقنية. تأكد أن لديك ما يكفي من الحبر السائل وأقلام الخط المدببة من القصب الفارسي المنقوعة في ماء الورد، فالتاريخ لن ينتهي كما ادعى فوكوياما مرة في مقالته (نهاية التاريخ). حين تمد أشرعة الكتابة أطل رسم (بسم الله الرحمن الرحيم)، فلا تضغط كثيراً وأنت ترسم باء البداية في (بسم) ولا تستعجل في الانتقال إلى ألف (الرحيم) حتى تستكمل نون (الرحمن) استدارتها ببطء كشمس في طريقها إلى المغيب. اختر ورقاً أصفر لتصبح يدك غيمة تكتب على دفتر حقل قمح ذهبي. ولتكن لغتك أقل شاعرية من قصيدة في وصف الربيع، وأكثر نثرية من حركة الرمال. دع وصفك للأشياء يتداعى بعفوية مبتعداً بذلك عن أصول الكتابة الصحفية والأكاديمية حيث تولد التفاصيل من عقدة مكثفة في أول الكلام ككرة من الخيوط القطنية المتشابكة. حافظ على حرارة العاطفة في كل حرف تكتبه، لذلك لا تلهث وراء كل حدث يجري أمامك مثل ظبي، كن مثل النمر الذي ينتظر حتى يختار فرسيته متخفياً بين الحشائش والأشجار. إن كان الحدث سياسياً فانظر إلى الناس الذين يسيرون في السكك الضيقة في وسط المدينة، هل ما زالوا يبتسمون للغرباء الذين أضاعوا الطريق وهم يبحثون عن أسماء الشوارع بلا جدوى؟ هل يخرج الناس من أعمالهم متكاسلين في العودة إلى منازلهم كما هي عادتهم في كل بلد؟ هل يقرأ الباعة الصحف أكثر من الحديث مع زبائنهم؟ وإن كان الحدث اجتماعياً، هل ينفض الآباء النوم عن أكتافهم في الصباح الباكر ليأخذوا أولادهم إلى المدرسة؟ ليكن حبرك كحل يوسع حدق الحقيقة دون أن يغير لون عينيها. ودع كل شيء يمر حولك يتكلم عن نفسه: بكاء النساء يشد نياط القلب ويقفز من الصفحة كالمفرقعات، مآذن المساجد تصدح قبل أن تصل إلى وصفها في الصفحة التالية، وصرير المدرعات تطأ جذوع النخيل وأنت تقفل مدونتك السميكة. وإذا انتهى حبرك، فابتسم ليديك المرتعشتين من التعب واكتب اسمك بخط صغير في آخر الصفحة وقل الحمد لله رب العالمين.

الوسوم: ,

الجودة التي لا اسم لها

أن تكون الجودة التي تبحث عنها بلا اسم يعني اعترافك ضمناً إنك لم تستطع الوصول لحقيقة هذه الجودة التي تريد التعرف إليها، فلا يمكن لك قياسها، أو وصفها، أو إعادة إنتاجها، فيصبح الاسم بذلك وصفاً للمشكلة التي تتعلق بهذه الجودة لا دلالة إليها. ويصبح الاسم من مظاهر هذه المشكلة لا حلا لها. ويكون بذلك عدم اختيار الاسم اتهام للمصطلح نفسه، فقد يشير المصطلح إلى شيء ما، ثم ربما ينقلب المصطلح ليدل على الشيء ونقيضه، فيكون المصطلح خائنا للمعنى. لذا من الأفضل أن يحيد الاسم حتى يعرف المسمى جيداً.

أول من سك مصطلح (الجودة التي لا اسم لها) هو كريستوفر ألكساندر، أستاذ هندسة العمارة في جامعة كاليفورنيا (بيركلي). وألكساندر من الناقدين المتذمرين من مخرجات الحداثة وما بعد الحداثة التي تمثلت في معماريات عصره، واصفاً إياها بالقبح والسذاجة والإفلاس، وغيرها من النقود اللاذعة، محاولاً إعادة العمارة إلى عهد أكثر تناغماً مع الإنسان وسياقه الاجتماعي والروحي. ففي كتابه (الوسيلة الخالدة للبناء) حاول التدليل بأمثلة كثيرة على أوجه هذه الجودة التي لم يسمها. فتكون غالب أمثلته مستمدة من التراث، من البيوت القديمة والمعماريات العتيقة. يبحث في هذه البيوت عن حقيقة هذه الجودة فيجدها حاضرة بقوة بينما تغيب عن البيوت الحديثة وما يحيط بها من معماريات. وفي الأمثلة التي تدلل على هذه الجودة (الغامضة) يجد أنماطاً مشتركة رغم الاختلاف الحضاري عبر الزمان والمكان، ملامح خالدة موجودة في النسيج المعماري للمدن والقرى القديمة، نما هذا النسيج عبر عقود طويلة من التاريخ الإنساني عبر إضافات صغيرة وتداعيات شبه عفوية متواصلة.

يقابل ذلك النسيج المعماري الخالد، ثورة الحداثة المعمارية وما بعدها، بفعل التقانة التي أعطت الإنسان القدرة على النمو السريع والامتداد الأفقي والعمودي في البنيان. قدرة لم يمتلكها الإنسان من قبل. فكان من هذا الإنسان أن مزق هذا النسيج المعماري الخالد، فأصبحت الفردية تنعكس على المعمار، ففي كل مدينة رقع من الأشكال المعمارية المختلفة، تفتقد لهوية المجموعة وخاضعة لخيال الفرد. هذه الصورة التي يصفها ألكساندر لمعماريات عصره تمثل رفضاً للمنهجية التي يعبر بها مجموعة من المعماريين النافذين في مجتمع صناعة المقاولات، داعياً لأن يكون للإنسان المرتبط بهذه المعماريات دور أكبر في اتخاذ القرار في نوع العمارة التي يسكنها أو يعمل بها، لما لها من الأثر الروحي والاجتماعي على جودة حياته.

لا يحد ألكساندر مفهومه للجودة بمجال معرفي دون غيره، فليست هذه الجودة متعلقة بالعمارة فقط، بل ستجدها في نظام الأشياء: حركة الأنهار، غصن مثقل بالفاكهة، شمس تصبغ البيوت بلون الغروب. لكن هل يمكن مقاربة مفهوم (الجودة التي لا اسم لها) بكثير من مظاهر الإبداع الشعري القديم ومقارنتها بمنتجات الشعر الحديث؟ فالشعر العربي يملك مخزوناً معرفياً عميقاً يمتد من مئات السنين لتراث كرسه مبدعون ما زالت أعمالهم حية بعد رحيلهم، يشبه في ذلك التراث المعماري. يبدو لي إن في الشعر العربي قديمه وحديثه خصائص جمالية تستعصي على الوصف، فيحق فيها أن تسمى (الجودة التي لا اسم لها). ولعل ذلك يكون مبحثاً آخر.

الوسوم:

قمة اقتصاديات الأمل

١

ذكر الأمير سعود الفيصل في كلمة له أن الأسباب الحقيقية لهذا الشتاء العربي الطويل، الذي سمي مرة ربيعا، هو الفشل في تحقيق التنمية، هذا يعني إن الأنظمة التي تستثمر في نفسها لتعزيز قدرتها على حفظ النظام والانضباط فشلت في التزاماتها نحو المحافظة على تحرك عربة التنمية إلى الأمام. لكن ما الذي يجعل الشعوب تنتظر رغم أنها يمكن أن تستشعر هذا التعطل في مدة أقصر من التي أخذته لتتحرك وتغضب؟ إنه مخزون الأمل في دم الشعوب، فالخوف من اليأس يأخذ بيد الشباب ليرميهم من أعلى طابق للغضب. فالتنمية التي تتعطل بظروف داخلية أو خارجية تمثل ضغطا كبيرا على مستوى جودة الحياة. فما القمة التي تعقد لبحث التعاون في مجال التنمية إلا قمة في اقتصاديات الأمل.

٢

الأمل في (الوطن العربي) سكين يسافر في زبدة الخاصرة. مهرجان من الدم المتطاير، و الموت الحر يملأ المكان. هذا الأمل المعدني الرنان، الخاوي من أي شيء، هو ما تراه في أزقة مدننا العربية. الجامعات مصانع ل(المارشملو) الذي يحترق ساعة يخرج من علبته البيضاء المنمقة إلى العالم. الحرية غزال شرده الصيد الجائر، وما بقي منه تطارده الذئاب البوليسية. ليله مرصع بالرصاص لا بالنجوم. فالأمل عاطل من العمل، والشهداء يقتسمون رغيف الذاكرة تماما كما تقتسم المقاهي أرصفة المشاة في المدن العربية.

٣

كنا نقول لا نكبة بعد النكبة،

فتوالت النكبات وتساقطت الملكيات،

وكنا نقول لا نكسة بعد النكسة،

فتوالت النكسات وتساقطت القوميات،

وكنا نقول لا سلام ولا استسلام،

فتوالى الاستسلام وراء الاستسلام ولا سلام،

واليوم تتساقط الدكتاتوريات كحبات البلوط فنتعثر فيها في طريقنا إلى التنمية.

٤

إن من يصنع الأمل من الداخل أو يصدره من الخارج ينظر إلى هذه الفوضى العارمة ليقول إن ما يجري ليس سوى فوضى خلاقة. غير أن المتفحص لما نحن فيه من حال، سيجد أننا نحكم البيروقراطية في شئوننا بحذافيرها، وهي أكثر الأنظمة الإنسانية صرامة ضد كل أشكال الفوضى. فمن أين تجيء هذه الفوضى إذن؟ لا شك أن مفهوما جديدا يمكن أن نخرج به من هذا الواقع، وهو فوضى الفوضى الخلاقة. فلا يمكن الاتكال على خروج الشيء من اللاشيء، أو ما يبدو لنا عدما. هكذا ينظر إلى حركة التاريخ، مجموعة من الكواكب التي تتصادم مع بعضها لتنتج لنا كرة أرضية جديدة. إن هذه الصورة العدمية تضع الأمل بعيدا من التحقق، أعلى من أن يمشي مع الناس على الأرض، وهي الشر الذي يقف وراء هذه الفوضى غير الخلاقة.

٥

إن الأمل، وصناعته، لا يقف عند المعنى البسيط لمفردة (الأمل) وحسب. بل يتعدى إلى معان أخرى. فالأمل زيت محرك العزيمة القوي، وهو رياح سفينة الإبداع الشراعية أيضا، وطوق السعادة وكعبها العالي. الأمل هذا الاستسلام الطبيعي العفوي لتداعي الأشياء حول حركة الزمن في انتظار أسطورة المستقبل، هو ما يمكن أن يصنعه مقهى جديد، وقافية يتدلى من تويجها الشذى. إنه (الأمل) الذي باستطاعته أن يصنع من مدينة حجرية إلى واد من الكروم.

لكن إن كل ما حولك فخ لهذا الظبي الشريد، فما العمل؟

الوسوم:

اللغة العربية تلتف كالحلزون

١

تنكفئ اللغة العربية على نفسها كالحلزون كلما مر وحش التقانة المعدني. تختفي خلف حشائش الماضي كأي غزال مذعور. وكلما حاول الصبية الاقتراب منها هربت منهم لكثرة ما جرحتها أشواك التجربة. لذلك نحن بحاجة إلى مؤسسات لنحبس هذا الغزال الشرود ليقترب منه أطفالنا فيروه من قريب، ويلمسوا فروه الناعم ووجهه النحيل.

الكتاب والكتابة وخيال الكاتب سجن للكلمة. لن تنطلق الكلمات حرة مثل العصافير إلا من قفص الفم. ولغتنا تختبئ بين الأوراق الصفراء والكتب السميكة مثل كنز مدفون. وهي بذلك تترهل وتصبح أقل قدرة على الحركة والمناورة والهروب من وحشة الغرابة وفخ الماضوية. فعلى اللغة أن تسير في طريقها الطويل وإن تعثرت، وإن حاربت رياح التغيير بسيف من خشب، وإن لم تستطع أن تحبس أنفاسها في بحر الأخطاء الشائعة.

الشفوية أخت العفوية، فإن خرجت اللغة من الكتاب إلى السوق فعليها أن تمتزج بلهجة البلد، وتذوب فيها كقطعة سكر. فالكلمات التي تجري على اللسان تسافر كالعطر في المسامع، وتفتر كالوردة في دم الفكر. ولا حاجة لمراجعة الكلمة المقولة حين تنطلق من عنانها، فذلك ضد التلقائية التي لا تبال بلبس النعال بين غابة من البساطير المتجهمة.

٢

توجد مبادرات تعمل مثل مكيفات الهواء في الصيف، لدفع عجلة اللغة في آلة التنمية. مثل مركز الملك عبدالله الدولي لخدمة اللغة العربية، ومبادرة الملك عبدالله للمحتوى العربي، وارتباط كلا المبادرتين باسم الملك عبدالله لا يخلو من دلالة عميقة لأصالة متجذرة  في صاحب الإسم. لكن مع هذه المبادرات المؤسسية، تقوم اللغة على تفرد الفرد في غزل لغته الخاصة من خلال الكتابة والقول. فالفرد مؤسسة أخرى، يجب تنميتها بالإبداع. لذلك تعميق هذه الفرادة في استخدام اللغة تأتي من دعم الفنون التي تضيء اللغة بطريقتها الخاصة، كالشعر والرواية. فكل جائزة تشير بإصبع نحيل إلى عمل أدبي جيد، تقوم بتحريك فنجان التفرد والإبداع في الحياة اليومية. وعلى كل المؤسسات الرسمية أن تعترف بالذات المبدعة مؤسسة قائمة لدعم اللغة العربية.

٣

عصارة الشعر، كما تبدو لي، هي إضاءة ظلال المعاني التي تولد من حركة اللغة في المجتمع. فقوة اللغة تستمد من المجتمع وتظهر في الشعر. وإلى ذلك كان يشير ابن المعتز في قوله: فلا تعجل بذمي إن رقصي/على مقدار إيقاع الزمان. فأي مقالة في انحسار الشعر، هي مقالة في ذم المجتمع الذي لا يفهم لغته، ولا يريد أن يستكشف سلالة المعاني التي تلتف مثل خريطة جينية في جسد كل منا لحضارة تمتد عبر العصور. الشعر هو الرئة التي تتنفس بها اللغة، وعافية اللغة من عافية الشعر، وعلى المجتمع أن يحمي رئة اللغة من أن تعبأ بالكربون وعوادم الحداثة.

الوسوم:

رسائل الربيع المستعجلة

تصلنا رسائل الربيع في شتاء يخفي مخالبه. سينظر كل منا إلى ساعته وتقويمه السنوي: تأخر هذا الربيع الذي ما عدنا نفهمه جيدا، والآن جاءت رسائله في غير موعدها، رسائله التي تفوح برائحة الحقول والسكك الضيقة. سيختلف اثنان على موعد دخول المربعانية، ولن يغير ذلك من الأمر شيئا: رسائل الربيع تسقط على الطرقات كالياسمين فيخلع الناس ما عليهم من خريف وشتاء ليقرأوا ملامح الورد في الحروف، سيبحث قارئ جيد للتاريخ عن قلم ليكتب في دفتره الصغير عن السنة التي تعلم فيها الربيع الكتابة ورد على بريد المعجبين، ستبحث عائلة صغيرة عن حديقة تطل على بحر أو بحيرة ليتمرن طفلها الوحيد على ركوب دراجته دون عجلات رديفة. سيجد شاعر قريحته أكثر عافية في هذا الربيع المبكر. سيجد روائي عقدته الفنية التي كان يبحث عنها تحت ركام أوراق الخريف في طرقات السرد كمن يبحث عن مفتاح بيته داخل البيت. سيجد رسام لونه المفضل لحظة ما يطأ الربيع على طرف عباءة الشتاء فينكشف الخريف المعتق بلون جديد. سيتغير لون البادية أكثر من مرة: فمرة سيتفتح لونه كحقل قمح تجدله ريح الشمال، ومرة سيصبح داكنا كصخرة أمطرتها سحابة صيف شردت من قطيع الغيم الأسمر. سيميل نخيل وادي حنيفة إلى الغرب أكثر كأن الغروب يشد سعفه قليلا ليمشطه بأشعة الشمس. سيكون المناخ السياسي أكثر لزوجة وأبطأ حركة، لا الاتقافيات البينية تقدم حلولا للتحرك إلى الأمام أو إلى الخلف، ولا معاهدات السلام تفكك عقد التوتر بين أضلاع القضية. سيتضخم الاقتصاد أكثر، رغم كل العقوبات الاقتصادية التي تملأ العالم بأمل شفيف. وربما تمدد العشب ليخفي خطوط الجغرافيا الوهمية على ورق الخريطة، ليأكلها قطيع من الماعز يقوده رعاة حفاة صقلوا ناياتهم بعبير الربى. سيأخذ ساعي البريد إجازة مفاجئة ليملأ كيسه من بريد الربيع المستعجل ويأخذ زاوية نائية بين شجرتين عظيمتين ليقرأ رسائله رسالة رسالة:

.. الورد ينبت خجلا على خد رابية رأت نفسها في مرآة غيم صافية ..

.. خطي ربيعي لكن على لغتي أوراق الخريف ..

.. الشتاء نسيج من الهجر والجفوة تمزقه ابتسامة دفء حانية ..

.. أعد قهوتي برائحة البندق في انتظار أن ينتهي الشتاء من أعماله اليدوية ..

.. الخريف ما تبقى من الحزن والشوق في جوف الآنية ..

.. لكل الذين تحلقوا على النار هذا الشتاء، صورتي هذه السنة ملونة بالأقلام الخشبية ..

.. الربيع سماء مفرقة وقطعة حلوى وماء يجري في عروق القافية ..

الوسوم: