مجموعة نصوص نشرت تباعا في زاوية منمنمات في جريدة الرياض

الكتابة تقول لا


الكتابة تقول: لا الصادر عن الدار العربية للعلوم ناشرون يعالج قضايا معاصرة سياسية واجتماعية من خلال نصوص نثرية قصيرة، يلجأ الكاتب إلى لغة شعرية وساخرة أحيانا ليعبر عن موقفه من الحروب غير العادلة، والدكتاتورية، والثورات العربية، كما يتناول الكاتب قضايا أخرى، مثل البيئة والعمارة والفن، ومع أن الكتاب يعبر عن قضايا معاصرة إلا إنه يخلو من أي إشارة مباشرة للأماكن والشخصيات ذات العلاقة. فالنصوص تعبر عن الخاص بلغة العام مجردة من الزمان والمكان. يجد القارئ ذكرا لمدن ومؤسسات مثل نيويورك ومجلس الأمن، وشخصيات مثل نيرون وابن منظور ومحمود درويش، وباستعراض عنوانات النصوص الأربعة والأربعين تجد موضوعات متفرقة مثل الدراجة الهوائية، والبيروقراطية بوصفها سببا في فشل التنمية، والمئذنة باعتبارها أيقونة للمدينة الإسلامية. يقدم الكتاب نصوصا تتمرد على التصنيف، فمن عنوان الكتاب، تقول النصوص “لا” للشعر والنثر، فالكتاب ليس نثرا خالصا وليس شعرا أيضا، وليس كتابا سياسيا وليس كتابا في الدفاع عن البيئة، لكنه يقترب من كل هذه الموضوعات ولا ينتمي إليها. من أجواء الكتاب:

في مجلس الأمن ربطات عنق معقودة بمهارة، وعيون بألوان مختلفة، وأناس يروحون ويجيئون فرادى ومجتمعين مثل عمال حقول الشاي وأياديهم مليئة بأوراق يابسة كأوراق الخريف. طاولة دائرية في منتصف القاعة كأنها أعدت حلبة لمعركة بين ديكين، سوى أن التدخين ممنوع، وأن لكل فرد في القاعة مكان محدد سلفا.


أسئلة الشهيد التي لا تموت

image
لكل شاعر كبير، وناثر كبير، اطَّرِحْ لغتك التي تشحذك كسيف طويل، فللشهيد لغة أخرى كاملة غير ما تعرف، وأنت تطيل الوقوف على الأطلال بمجاز جديد، وحزن جديد، اسأل أسئلة الشهيد التي لا تموت:

أين يتجه الحزن عندما تخفق رياح الشمال معلنة رحيل المراكب؟

كان يقف على سفح يودع الراحلين ويلوح لهم بيديه حتى تنسل مراكبهم تحت عباءة الغروب.

لماذا تجلس المعاني كالعصافير في أعشاشها إلى أن يهش عليها شاعر عصا التجربة؟

كان ينظم الشعر لكنه لا يجيده كأي شاعر متمرس، ويعجب من تسلسل القوافي في المعلقات كأنهن ظباء تحلقن حول ماء ونخيل.

لماذا لا ينصت سوى الضحية حين تتكلم الذخيرة الحية؟

كان يشاهد الضحية تولد من فم السياسيِّ، ولا أحد يرْكز بارودته في وجه الحقيقة ويعسْكر عندها. يقول في نفسه: ربما كانت (الضحية) محاولة يائسة في الدفاع عن غد لا يؤمن أحد بقدومه، أو محاولة طائشة لاختبار عزم العدو على رسم خريطته من طرف واحد. مهما يكن، تبقى (الضحية) مجهولة والحقيقة عَلَم على خط النار يحترق.

كيف يقول الشهيد عند الوداع الأخير لوطنه الذي يحبه: شكرا؟

كان يبحث عن فيلسوف يشرِّح مفهوم (الحب) و(الوطن) و(الوداع الأخير) معاً، لعله يجد كلمات مناسبة ليسرَّ بها في نفسه أو يبوح بها لأقرب جريح قبل نطق الشهادة. هل الروح كافية؟ يقول، وهل هي سدرة منتهى العشاق؟

كيف يستدير اسم الشهيد حين يمر في الذاكرة: مثل قمر أو قصيدة؟

كان يتذكر زملاءه الذين استشهدوا ويعلق أسماءهم مرة على عينينة أبي ذؤيب الهذلي، ومرة يعلق أسماءهم على مراثي متمم بن نويرة، وكان بعضهم يشع في قلبه قمرا فيستدير وجهه ألقا قبل أن يجهش بالبكاء.

هل الحب وردة تفترُّ من القلب، أم سكين يولد في الخاصرة؟

كان يعرف من الحب ما يسل من فمه ابتسامة دون أن يشعر، ويعرف من الحب ما يجعل عينيه تفيض مثل نافورة من الدموع. لكنه لا يعرف كيف للحب أن يستل سكينا ويقتله، ولا يعرف كيف يصبح قلبه علبة حلوى لطفل بكى من شدة الشوق، ولا يعرف كيف يصبح الحب قنديلا يطل من عينيه فيضيء طريقه في ظلمة المجهول.

ماذا حل برصاصتي التي أطلقتها قبل أن أموت؟

كان يراجع عمره كأي طالب نجيب يستعد لامتحانه النهائي. وكان يجيب على الأسئلة كلها:

أين ما ضاع من عمري؟

كيف نجوتُ من حزن كاد يعصف بي ويقتلني؟

إلى متى أحوم كالنحلة حول أحلامي، لا أنا أصيبها ولا هي تصيبني؟

لكن سؤالا واحدا أعياه ولم يجد طريقا للإجابة عنه: ما الذي حل بقاتلي؟

الوسوم:

اكتب التاريخ على مهل

اكتب التاريخ على مهل، كأنك تعيد تركيب فسيفساء الحكاية في طبق مكسور ببطء، ولا تستمع إلى من يحاولون دفعك لتنتهي من مهمتك الصعبة، فالتاريخ ما فاتك، فلست معنياً بالمستقبل الذي يجيء راكباً بغلة التقنية. تأكد أن لديك ما يكفي من الحبر السائل وأقلام الخط المدببة من القصب الفارسي المنقوعة في ماء الورد، فالتاريخ لن ينتهي كما ادعى فوكوياما مرة في مقالته (نهاية التاريخ). حين تمد أشرعة الكتابة أطل رسم (بسم الله الرحمن الرحيم)، فلا تضغط كثيراً وأنت ترسم باء البداية في (بسم) ولا تستعجل في الانتقال إلى ألف (الرحيم) حتى تستكمل نون (الرحمن) استدارتها ببطء كشمس في طريقها إلى المغيب. اختر ورقاً أصفر لتصبح يدك غيمة تكتب على دفتر حقل قمح ذهبي. ولتكن لغتك أقل شاعرية من قصيدة في وصف الربيع، وأكثر نثرية من حركة الرمال. دع وصفك للأشياء يتداعى بعفوية مبتعداً بذلك عن أصول الكتابة الصحفية والأكاديمية حيث تولد التفاصيل من عقدة مكثفة في أول الكلام ككرة من الخيوط القطنية المتشابكة. حافظ على حرارة العاطفة في كل حرف تكتبه، لذلك لا تلهث وراء كل حدث يجري أمامك مثل ظبي، كن مثل النمر الذي ينتظر حتى يختار فرسيته متخفياً بين الحشائش والأشجار. إن كان الحدث سياسياً فانظر إلى الناس الذين يسيرون في السكك الضيقة في وسط المدينة، هل ما زالوا يبتسمون للغرباء الذين أضاعوا الطريق وهم يبحثون عن أسماء الشوارع بلا جدوى؟ هل يخرج الناس من أعمالهم متكاسلين في العودة إلى منازلهم كما هي عادتهم في كل بلد؟ هل يقرأ الباعة الصحف أكثر من الحديث مع زبائنهم؟ وإن كان الحدث اجتماعياً، هل ينفض الآباء النوم عن أكتافهم في الصباح الباكر ليأخذوا أولادهم إلى المدرسة؟ ليكن حبرك كحل يوسع حدق الحقيقة دون أن يغير لون عينيها. ودع كل شيء يمر حولك يتكلم عن نفسه: بكاء النساء يشد نياط القلب ويقفز من الصفحة كالمفرقعات، مآذن المساجد تصدح قبل أن تصل إلى وصفها في الصفحة التالية، وصرير المدرعات تطأ جذوع النخيل وأنت تقفل مدونتك السميكة. وإذا انتهى حبرك، فابتسم ليديك المرتعشتين من التعب واكتب اسمك بخط صغير في آخر الصفحة وقل الحمد لله رب العالمين.

الوسوم: ,

رسائل الربيع المستعجلة

تصلنا رسائل الربيع في شتاء يخفي مخالبه. سينظر كل منا إلى ساعته وتقويمه السنوي: تأخر هذا الربيع الذي ما عدنا نفهمه جيدا، والآن جاءت رسائله في غير موعدها، رسائله التي تفوح برائحة الحقول والسكك الضيقة. سيختلف اثنان على موعد دخول المربعانية، ولن يغير ذلك من الأمر شيئا: رسائل الربيع تسقط على الطرقات كالياسمين فيخلع الناس ما عليهم من خريف وشتاء ليقرأوا ملامح الورد في الحروف، سيبحث قارئ جيد للتاريخ عن قلم ليكتب في دفتره الصغير عن السنة التي تعلم فيها الربيع الكتابة ورد على بريد المعجبين، ستبحث عائلة صغيرة عن حديقة تطل على بحر أو بحيرة ليتمرن طفلها الوحيد على ركوب دراجته دون عجلات رديفة. سيجد شاعر قريحته أكثر عافية في هذا الربيع المبكر. سيجد روائي عقدته الفنية التي كان يبحث عنها تحت ركام أوراق الخريف في طرقات السرد كمن يبحث عن مفتاح بيته داخل البيت. سيجد رسام لونه المفضل لحظة ما يطأ الربيع على طرف عباءة الشتاء فينكشف الخريف المعتق بلون جديد. سيتغير لون البادية أكثر من مرة: فمرة سيتفتح لونه كحقل قمح تجدله ريح الشمال، ومرة سيصبح داكنا كصخرة أمطرتها سحابة صيف شردت من قطيع الغيم الأسمر. سيميل نخيل وادي حنيفة إلى الغرب أكثر كأن الغروب يشد سعفه قليلا ليمشطه بأشعة الشمس. سيكون المناخ السياسي أكثر لزوجة وأبطأ حركة، لا الاتقافيات البينية تقدم حلولا للتحرك إلى الأمام أو إلى الخلف، ولا معاهدات السلام تفكك عقد التوتر بين أضلاع القضية. سيتضخم الاقتصاد أكثر، رغم كل العقوبات الاقتصادية التي تملأ العالم بأمل شفيف. وربما تمدد العشب ليخفي خطوط الجغرافيا الوهمية على ورق الخريطة، ليأكلها قطيع من الماعز يقوده رعاة حفاة صقلوا ناياتهم بعبير الربى. سيأخذ ساعي البريد إجازة مفاجئة ليملأ كيسه من بريد الربيع المستعجل ويأخذ زاوية نائية بين شجرتين عظيمتين ليقرأ رسائله رسالة رسالة:

.. الورد ينبت خجلا على خد رابية رأت نفسها في مرآة غيم صافية ..

.. خطي ربيعي لكن على لغتي أوراق الخريف ..

.. الشتاء نسيج من الهجر والجفوة تمزقه ابتسامة دفء حانية ..

.. أعد قهوتي برائحة البندق في انتظار أن ينتهي الشتاء من أعماله اليدوية ..

.. الخريف ما تبقى من الحزن والشوق في جوف الآنية ..

.. لكل الذين تحلقوا على النار هذا الشتاء، صورتي هذه السنة ملونة بالأقلام الخشبية ..

.. الربيع سماء مفرقة وقطعة حلوى وماء يجري في عروق القافية ..

الوسوم:

البيوت

البيوت على وجهها حزن المسافر حتى يعود ومسحة الظل الصموت. ربما تؤنسها نخلة طويلة لا تفكر في غير انحناءة الوادي والحنين الذي يشدها إليه مذ كانت فسيلة بانتظار المطر. تطوف البيوت ببطء مثل السحابة دون أن يحس بها سكانها وهي تشد الطريق كحبل لعل تائها يمسكها في الليل فتدله.

للبيوت دكنة مسحتها السنين على ملامحها المجعدة بالطين والحجر. قد يحسن المعماري استدارة زواياها، ويجنبها حدبة في السقوف، وعطلا من النقوش، فإن لم يحسن ذلك كله، أو أي منه، فستبرد البيوت أطرافها بالقمر، وتفتح للريح نوافذها لتستدير الزوايا المدببة رويدا رويدا. والبيوت تعجن سكانها باستدارة التجربة حول وتر الشوق. نوافذها عيون زرقاء تطل على بهو الروح. فهي تتكور حول نفسها في الليل من قلة الزائرين وبرد المسافة. فقد يضع عابر وردة على جدار البيت تذكره بحديقة ما، فيفوح البيت بالذكرى، فيضع البيت عنوانه في جيب ذاكرته لعله يعود مرة أخرى.

والطفولة تعلق أسماءها على مزاريب البيوت، وتترك ألعابها على عتباتها فقد تفتح الباب أم حنون تلقف ما تبقى من شقاوتها وتكنسه تحت سجادة دفء الأمومة. والبيوت الصغيرة تجلس القرفصاء وهي تسند بظهرها دراجة حمراء لشاب لا يجيد قيادة السيارة، لكنه يجيد فك الرسائل المشفرة. على التلال تبدو البيوت طيورا محنطة توشك أن تطير، تسربلها الشمس بالذهب الأحمر. عجائز يجلسن لنشز شرشف الغروب تقية من ليل بارد يوشك أن يلقي سلاسله عليهن. وحين يوشك الفجر أن يسل خيوط الليل من أنامل الأمس، تصحو البيوت لتصقل نوافذها بزبد البحر، بانتظار غروب جديد.

الوسوم: ,

سبع فوائد من وجود جغرافيا للشر

الفائدة الأولى، حتى وإن كانت الحدود خلافية مرسومة بعصا نحيلة على الرمل، يمكن محوها بقدمك وأنت تسير عصرا في يوم جميل، فإن وجود الشر جغرافيا على الخريطة يعطي مصداقية لحقيقة وجوده. فتستطيع معاينة حركته الصباحية والمسائية، وطبيعة اللغة التي يستخدمها للتعبير عن نفسه في مؤتمر عالمي لمحاربة الفقر، مثلا.

الفائدة الثانية، أن الشر يمكن أن يكون عملا مؤسسيا من خلال نظام عنصري دموي. فنظام مثل هذا يمكن أن يمارس مهمته بكفاءة عالية، ومن الممكن قياس انضباط أفراده في تنفيذ أهداف المؤسسة أيضا، وما يتحلى به أعضاء هذه المؤسسة من أمانة وإخلاص في تأدية المطلوب منهم بما يحقق الأهداف والرؤية المستقبلية المعلنة للنظام.

الفائدة الثالثة، أن الجمال الظاهري لا يعكس بالضرورة قبحا داخليا يليق بالشر في هيئته المؤسسية والمستقرة على الخريطة. فقد تقضي وقتا جميلا على الساحل في نطاق الشر الجغرافي دون أن تشعر بوجوده من حولك. وقد تخونك فطنتك من أن تراه يمر من جانبك في سوق شعبي مزدحم بعيدا عن نطاقه الجغرافي المعروف.

الفائدة الرابعة، أن للشر اقتصادا عندما ينتقل من صورته المعنوية إلى صورته الجغرافية. ولهذا الاقتصاد ديناميكية لا تختلف كثيرا عن غيره من الاقتصاديات الأخرى سواء ديناميكية الاقتصاد الجزئي منه أو الكلي. لكن لا تعول كثيرا على دور الأخلاق كثيرا في اقتصاد مثل هذا يركب الشر فيه دراجة هوائية صديقة للبيئة في الطريق إلى مفاعل نووي سيفجر العالم.

الفائدة الخامسة، أن الشر حين يحل في الجغرافيا يفرخ أطفالا غير مجازيين، يركضون إذا وجدوا مساحة مفتوحة في سماء يوم أزرق، ويعثرون كما يعثر أي طفل في عامه الثاني في أي مكان آخر. لكن للشر طريقته في إخفاء أنيابه وراء ابتسامة طفل مليء بالعافية، وهو يعرف كيف يجعل من الطفل فاتحة لحديث عابر مع غرباء تائهين في زحمة مدينة كبيرة.

الفائدة السادسة، أن للشر قدرة على الرواية التاريخية ينفذ منها إلى الجغرافيا من ثقوب السياسة. فالشر يستطيع أن يستفيد من آليات الاقناع المتوفرة للجميع كاللغة والمنطق والفن، وربما تفوق في استخدامها. فقد يكون للشر شعراء مَهَرة يجيدون ثني الكلام وتدجين المجاز، وقد تكون له مؤسسات أكاديمية لأعضائها صور فوتوغرافية جذابة توحي لمن يراها بالحضارة والمدنية.

الفائدة السابعة والأخيرة، أن للشر أقنعة كثيرة ووجود جغرافيا له يسهل من رؤية أصحابه وهم يخلعون الأقنعة عند دخولهم إلى أجوائه الإقليمية. فتخلع الأقنعة عند المصافحة والعناق الحار، وتخلع الأقنعة عند تبادل النكات وسماع الضحكات الصادقة، وتخلع الأقنعة عند اقتسام كعكة كبيرة في حفلة خيرية لجمع التبرعات لضحايا حقول الألغام.

الوسوم:

أنف عدونا الكبير

ما زالت غزة تلقي بنفسها من أعلى المقاومة ولا يتلقفها أحد. دمها الذي تنزفه زكاة المقاومة والقضية. القضية التي ترسم خريطة العالم دولة دولة، وحين يقترب قلمها الرصاص الخفيف من القدس تبدأ يدها في الارتعاش، فينكسر القلم الهش ويسيل الدم في عروق المدينة. غزة على الخريطة المنقوصة مرسومة مثل سكين لكنها هي الجرح، وهي المرسومة مثل المسدس لكن الرصاصة الفضية في رئتها. وهي مرآة عدوها تكشف ملامح قبحه المتعددة: أنفه الكبير الذي تتربع عليه قاعدة عسكرية مدججة بالمدافع التي تطل على طفل صغير يبني بيتاً رملياً على الساحل؛ أظافره الطويلة التي تستظل تحتها بوارج رمادية تجرح البحر؛ أنيابه الطويلة المغروزة في لحم الأرض المحتلة منذ ستين سنة. فالأرض المرضوضة ببساطير الجنود محاصرة بالدموع والبنادق، والسماء مسقوفة بالطيور الحديدية وفقاعات الأمل الملونة، والبحر مرصوف بنزيف الشهداء وعلب الكولا الزجاجية التي يأرجحها الموج محشوة برسائل الأطفال إلى العالم. فما زالت غزة تطرق باب الحرية الكبير حتى تقرحت يدها الصغيرة، وما زالت تسير حافية في سكك السياسة الدولية حتى تفطرت قدماها. وعدوها يعرق من لعبة القولف ويشتكي من حرارة الصيف وهو يشرب شاياً مثلجاً ويراقب حركة البورصة. فعدوها قادر على أن يقنع العالم بموقفه الملطخ بالدم لأن ربطة عنقه أنيقة وليست مرتخية أمام الكميرات، ولأن إنجليزيته قادرة على أن تملأ الصورة بالضباب فلا يرى أحد ما خلفه من الخراب والدخان. وهو إضافة إلى كل ذلك يملك مهاراة نادرة في خفة اليد. ففي كل اجتماع دولي يقف ويلبس قفازاته البيضاء ليبدأ عرضه المكرر: يخرج أرنباً ناصع البياض من قبعته السوداء الطويلة فيصفق أعضاء المؤتمر، ثم يعيد الأرنب إلى القبعة من جديد ويخرج منها حمامة، حمامتين، ثلاثاً، فيقاطعه الحضور بالتصفيق الحار والصفير. لكن عندما يعرض لهم عرضه الأخير وهو يقسم جسد الأرض المحتلة بمنشار المستوطنات الطويل، لا يصدق أحد أن ما يراه حقيقيا/واقعيا/تراجيديا/مأساويا. وأنه ليس فيلماً سينمائياً مدهشاً يعرض لأول مرة، أو خدعة فنية أعدت مسبقاً في مختبر لتقنية الألعاب البهلوانية. إلا أن الحضور يصمت لدقائق قليلة ليسترد أنفاسه المحبوسة، ثم يعود للتصفيق والصفير.

الوسوم:

تزور مدنا جديدة

تزور مدناً جديدة تصافحك بغصون الشجر الرطب وتحضنك بالشواطئ. في كل مدينة جديدة تزورها، قوارب شراعية تروح وتذهب فيك. كأن حزناً ما يمشط رملك الداخلي بانتظار أن تنقشه قدما قرية صغيرة تمرك على الطريق بين مدينتين. تذهب بعيداً ليبللك مطر عابر ليس له مظلة. كأن كل ما فيك من صحراء ونخيل بانتظار أن تصبح الصحراء صخورا والنخيل أعشاب بحر بانتظار موجة مشغولة بالزبد. تحتاج أن تمر نافورة واحدة منقشة بالصدف لتتغرغر بماء حزنك حتى يتكدس الورد في دمك. تحتاج لأمل عشوائي يتساقط عليك مع أوراق الخريف لتعرف أن ما ينقصك لتكون آخرك الذي ينتظرك في المستقبل هو أن تكون أنت أناك تماما. فربما تنقصك شمس صغيرة تحمص ما بين وجنتيك من حنطة ليستدير وجهك كالرغيف فتختفي زوايا حزنه المدببة. وربما تحتاج إلى أن تمشي ونفسك طويلاً لتجعل من ماضيك سلماً لتصعد به إلى المستقبل.

تزور مدناً جديدة لأن كوباً واحداً من القهوة لا يكفي لتسرد قصة عمرك، ولأن الطرق الحجرية التي تؤدي إلى مقهى يطل على البحر ليست واحدة، ولأن حقائب حزنك كثيرة. فقد تقف عند أول مقهى تمره كنحلة تبدأ الورد من أول الحقل، وتسند رأسك إلى الخلف لتعد الحمام الذي يشكل غيمة رصاصية تمر من فوقك، وتسأل عامل المقهى: أشاهدت غيماً كهذا قبل ذلك؟ فيرد جارك في الطاولة الأخرى: أرأيت حماماً كذلك قبل هذا؟ فيقول عامل المقهى: هذا موسم السياح الذين يكثرون من الأسئلة ولا يدفعون كثيراً.

تزور مدناً جديدة لتكثر من السير وحدك في حديقة خالية إلا من العشب. فتقيس ظل شجرة في المنتصف بملاعق القهوة: ما ضر الشاعر الإنجليزي لو قاس عمره بملاعق الحساء الطويلة ولو مرة. وبماذا أقيس عمري لو لم أجد غير عينيها الذابلتين؟ ستصل إلى نهر ما حتماً، وتستسلم لصوته الناعم، كأن النهر يمر بين الأحراش على أطراف أصابعه. وربما تغمس قدميك المقرحتين من السير طويلاً في رمضاء الحب في انتظار قارب ملون يدعوك للصعود في رحلة قصيرة إلى حيث يختفي النهر حين ينزوي وراء القلعة.

قد ترى الغيم الذي يشبه الحمام الذي يقلد الغيمة الرصاصية فلا تبلغ قائد القارب لكي لا تخل بتوازنه الهش، وقد يراه وأنت منشغل بمرآة نفسك في سواد النهر. ستقول: الليل مرآة ثقبتها النجوم، ويقول قائد القارب: بل الليل عباءة مخرقة للنهار. سيصل القارب إلى آخر النهر، وتصل أنت إلى نهاية نهرك الشخصي، ثم تعود.

الوسوم:

حوار افتراضي مع طاغية غير افتراضي

لماذا تكسر مئذنة نصفين؟ يجيب وهو متكئ على يمينه: لأن أعدائي يستخدمونها رايات، ويستخدمونها رماحاً أحياناً أخرى. ولماذا تثقب قباب المساجد؟ يشعل غليونه وينفخ مرتين، فتمتلئ الغرفة بالدخان: لأن أعدائي يلبسونها قبعات ويمشون بها في الطرقات. في انتظار أن ينقشع ضباب الغليون بيننا، وكلانا ينظر إلى الآخر من وراء الدخان الذي يشف رويدا رويدا: هل دخان المدن المحترقة من هذا الغليون؟ يعتدل في جلسته: إن ما نقوم به تطهير للأحياء من الأوباش، وما تراه من دخان إنما هو غمام أسود يولد من الدكاكين الصغيرة في السكك الضيقة كأسطورة معاصرة. لكن هذه الأحياء مليئة بالموتى-قلتُ له-فهل تقوم بما تستطيع لحماية الأحياء؟ عدوي ذئب في صوف خروف، ولا يستطيع أحد أن يفرق بين قطيع من الذئاب المتخفية في صوف الخراف حين تختلط بقطيع من الخراف المتخفية في جلود الذئاب. عند ذلك، دثرني حزن بعد أن ارتعشت من خوف غامض دب في أطرافي. فبأي ذنب تأخذ حياة صغار الذئاب وصغار الخراف كما وصفتهم، أليست الطفولة واحدة؟ بدت مني ابتسامة ساخرة ولم انتبه حتى انتهيت من سؤالي، وبادلني هو بابتسامة مثلها ولم انتبه حتى قهقه بثلاث كلمات: ليس للخيانة عمر. كان الصمت أول حبل تمسكت به قبل أن يفلت مني صوابي. فوزعت نظراتي على السقف المنقش بالخزف الملون، ومررت بصري على المكتبة عن يميني، حتى استقر نظري على شباك مفتوح وراءه يطل على نافورة في منتصف حديقة مسورة بشجر الصفصاف. يبدو كتاب (الأمير) لنكولا ماكيافيلي قريباً منك-قلت له وأنا أشير إلى الكتاب المجلد الذي يستقر وحيدا على منضدة جانبية قرب مقعده-أتقرؤه باستمرار؟ أخذه من المنضدة ووضعه على فخذه وضرب براحة يده على غلافه المجلد مرتين: أريد أن يدرس هذا الكتاب في كل مدرسة، وأن يدخل كل بيت. أحفظ مقاطع منه وأجعله قريباً مني دائماً وأحمله معي في رحلاتي الخارجية. هل وجدتَ فيه ما يبرر تدمير المنازل بالمدفعية، وتهجير النساء والعجائز من القرى؟ أعاد الكتاب إلى مكانه وأخذ نفساً طويلاً: تطبيق النظرية أمر مختلف حسب ما يقتضيه واقع الحدث، والتجربة تملي أخطاءها، والإصلاح خيار استراتيجي تمليه الإرادة الشعبية. لكن أليست هذه شعارات لم يعد لها علاقة بالواقع الذي يفوح بالمذابح ورائحة البارود والمشانق المعلقة على أبواب المدينة؟ ألا تشعر بالمسئولية تجاه كل ذلك؟ لم يجب على السؤال الأخير، واكتفى بالنظر في ساعة الحائط المعلقة خلفي، بانتظار سؤال آخر ربما. بعد دقيقة صمت، أعدت كتابة السؤال على ورقة كبيرة كانت على طاولة بيننا، وانصرفت.

الوسوم: