ديوان ليالي أبي عبدالله الصغير قيد الطبع.

(الحمراء) نخل وشبابيك مقفاة

poemAlhumbra

حجر يربي كالورود بكاءه في العابرين
صدى من الردهات يسبحُ
كلما امتلأ الحنين من الحنين
فقد ترى إيقاع هندسة الندى
يخضر في ذهب الفراغ الحر
تمتزج الزوايا بالمرايا
ثم يتبع كل ظل ظبيه المغزول من نور وطيبٍ
وهو يمضي في امتزاج الروح بالألوان
رائحة الهوى مطر على عشب الكلام
وكلما انكسر المجاز
يسيل من أغصانه عسل على أحلامنا

لا شيء في (الحمراء) يبقى بعدنا
غير التردد في شذى البستان
وهو يلون القبب الصغيرة حول ماء سلامنا

الماء مرآة السلام إلى الغمام إذا تلكأ
وهو بلبلنا المدرب في النوافير الطويلة
كلما انطلقتْ توشحت القصائدُ بالفوانيس الكبيرة
وانهمرنا بالغناء على خلاخيل الجوى بغرامنا

يتفتح الريحان في الأشواق
حين تفك جارية ضفيرتها وتجري،
ثمتالمعنى المثقبوهو يُنقش كالخواتم،
والقباب إذا تكورها كسهل لوعة الإيقاع،
في بيت يهلهله أنين الليل حول منامنا

وتطل من نخل شبابيك مقفاة تقول:
تعال صدْ معنا الشذى،
ودع الرسائل للحمام
يقول نقش في الطريق إلى الحديقة:
صفْ لنا شجن الزمرد في الزبرجد،
وابتعد بشقائق النعمان عن زغب الموشح.
كلما فرقت قلبي في النوافير التأمتُ كقطعتي خزف
وعدتُ إلى الكلام أعبئ القاموس بالمعنى
وريش حمامنا

الوسوم:

أبو عبدالله الصغير غيمة


أنا غيمة مدفونة منذ أن مشى
على الماء لي حلم وقلبي لهيبهُ

فمائي من الذكرى لسرب من الجوى
فما عاد لي أمسٌ ومعنى أصيبهُ

أنا خيمة مثقوبة بالصهيل، في
فم البيد ناي، من طعوني نحيبهُ

كلامي ميازيب من الشوق والهوى
على كل درب في دياري صبيبهُ

فلا ليل في ليلي ولا شمس في دمي
ولا ملح في زيتون أمسي أذيبهُ

حنيني يشد الروح حتى يقدها
وليلي شجا باق بحلقي زبيبهُ

توشحت بالإيقاع حتى كسرته
وقد كان في أطراف روحي دبيبهُ

وقلت المعاني لي بلاد عريضة
فلا أرض في قلب المغني تشوبهُ

وقلت اكتمال الوجد في لسعة الردى
وأن الذي يبقى من الورد طيبهُ

فلم يبق لي شبر بنبر يرن بي
وهذا الردى حولي، فماذا أجيبهُ؟

الوسوم:

أبو عبدالله الصغير مع رسام

أقول له لي صورة غير ما ترى
ولي صورة غير الذي لا تراه في
كلامي وفي وجهي الطويل المثلث
الزوايا كبيتٍ طوقته الحقولُ
قال : بل مثل حقل طوقته البيوتُ
قلتُ : يوجعني الإيقاع في اللون قال:
هكذا سوف تبقى الروح طازجة كحقل
لوزٍ إذا أشعلتُ عينيك قنديلين من
ريشتي في زيت دمعكَ . قلت : لا
أرى داعياً أن ترسم الجفن قربة
فقال : أرى أن لا أرى غير ما أرى
وألا أريك الرسم حتى تظل صورة
النبع تجري في خيالك ظبيةً
فقلت : إذاً في مهمه اللون شرَّدت
التفاصيل قال: الملك تقدح برقهُ
التفاصيل يا مولاي. قلت : القناديلُ
التي في دمي أطفأتُها خوف أن ترى
سلالة جرحي . قال : لا جرح في جرحٍ
فقلت : أنا رسمٌ ولستُ حقيقةً
مجردةً. أيقونة تتكلمُ !
 

الوسوم:

أبوعبدالله الصغير في حصار الهديل

على غفلة من أهلنا حاصروا هديل
أسمائنا بين المراعي وحاصروا

شبابيك في صوت الغدير ِ تفتَّحتْ
على وردة بين الخزامى وحاصروا

دماً في قناة الروح يجري حبابه
كخيطٍ من الناي القويّ وحاصروا

شروط السلام الاستعاريّ بيننا
وما كان من صقل النوايا وحاصروا

نقوش المغني في المعاني يقول : لن
نعود بلا نصر المجاز ِ وحاصروا

سلام المحبين القديمِ يقولان
الهوى ملك من يهوى وحيداً وحاصروا

مناماً تخلى عن مخالبهِ وحاصروا

قطةً تلهو بفروة ذيلها
على وتر الأشواق ليلاً وحاصروا

قناديل أسماء الجواري تضيء
بالخلاخيل ليل الحالمينَ وحاصروا

شمال الشمال المستمرّ فلم تعدْ
لنا جهةٌ للريح فينا وحاصروا

غيوماً تحك التل شرقاً وترتدي
شجيراتِها الملأى قروناً وحاصروا

نوافير تثغو في الكلام ِ وحاصروا
غراماً جرى في ماء وردٍ وحاصروا
ثلاثة أرباع الحنينِ
.
.
وحاصروا !


أبوعبدالله الصغير وقسيس قرطبة

أنا أيلٌ أرعى وحيداً خمائلي
فهل كان رأسي عالياً أيها القسيسُ
حتى تراني حينما تقرع الأجراسَ
وحدك في صبحٍ شفيف الأناملِ ؟

أتحسبني مهراً وقرنيَّ دوحةً ؟
فقلتَ إذن مهر بلا فارسٍ فمن
يجيء به بين العضاب النواحلِ

تراني إذن من برجك الحجري من
بعيدٍ وقرنيْ يطعن الشمس ساعةَ
الغروب على تلٍ رقيق الشمائلِ ؟

أكنتَ تراني أنطح الموج كلما
أغارَ على رملٍ ؟ فقلتَ الذي يناطحُ
البحر لن يرضى بما في أياديكمْ
من التين و الرُّمّان ، سُلوا سيوفكمْ
ففي حدِّها البتار طبُّ الأيائلِ

لذلك لم أملأ سلامي بجرةٍ
من العسل الصافي .وأمس رأيتُ في
منامي حبالاً في يديك تشدني
وها أنت تأتيني مع الليل طاووساً
تدلّيتَ من أيقونةٍ في كنيسةٍ
ورأسك مشنوقٌ بحبل سنابلي


أبوعبدالله الصغير ووزير قشتالة

إذا كان قلبي غابةً من نخيلٍ
كيف يفهم هذا الأعجميُّ كلامي
كلامي الذي يجري غزالاً من المجازِ
بين السواقي تحت ظلِ غمامي

لذلك لما زارني كنتُ جالساً
أهذبُ صوتي في إناء موشحٍ
وكفيْ كديباجٍ على فرو قطتي
تمسِّد روحي في منام منامي

ومن دون أن أدعوه يأتي كأنما
يزور وروداً ترتدي بُرنساً مذهَّباً
وثياباً من حريرٍ شفيفةً
توارى شذاها في عروق سلامي

يقول : لقد أصبحتَ نافذةً من
الزجاج على غرناطة الآن هل نطلّ ُ
منها متى شئنا ؟ ونخدشها متى
أردنا كأغصانٍ وزوج يمامِ ؟

أطلوا ، سوى أني سأرخي ستائري
فلا فضةَ الذكرى ترون ولا الرنينُ
لي لغتي حصني الذي خلف سورهِ
أعلِّق قلبي غابةً من نخيلٍ
…………………..
كيف يفهم هذا الأعجميُّ كلامي ؟!


أبوعبدالله الصغير تجرحه النبل

نفرت ْ نبضةُ قلبي في يدي
دق َّ قلبي خارجي
عندما دق َّ تْ طبولٌ داخلي
وأنا أعطِفُ بالخيلِ إلى الخلفِ
وسهمٌ فضَّ لحمَ الرايةِ البيضاءَ قُدَّامي
ولمْ أبصرْ سوى قنبلةَ الفرسانِ تجري
لستُ أدري ما ورائي غيرَ أني
أسمعُ النبلَ تحنُّ
كنتُ أجري في دمي
وهيَ تدنو
ثم تدنو
ثم تدنو

فجأةً شاهدتُ أمِّي تفتحُ الشُّباكَ في
قلبي : ” أظمآنٌ فتشربْ ؟ ”
ثم حكَّتْ كتفي النبلُ [ ثلاثاً ربما ؟ ]
“إنكَ تدمي يا بنيْ أدنُ قليلاً ،
أدنُ منِّي ثمَّ أهربْ ! ”

إلتفتُّ الشمس ذابتْ عسلاً يمتدُّ مشدوداً إلى طَسْتٍ كبيرٍ
خلفَ أشجارٍ وغيمٍ . ضاقتِ الرؤيا وصارتْ نظْرتي في
الأمرِ من ثَقْبٍ صغيرٍ ، واستدارتْ حوليَ الأشياءُ حتى
صرتُ مخنوقاً كديكْ

ثم نادتْ من جديدٍ :
– أدنُ مني ثم أهربْ
– إنني أسمعُ يا أمَّاهُ ماءً ؟
– إنَّها نافورةٌ ثرثارةٌ في دمي
– يا ليتني رمَّانةً في حوضِها الآنَ
– ألا تشربْ ؟
– ………..

نضا البرقُ كـلامي حالَ ما شعَّ على برْكةِ قلبي ثمَّ سـالتْ
غيمةٌ . فـكَّتْ نوافيرُ السِّهامِ السُّمرِ أغلالي فـهل فرِّي إلى
القلعة كرٌّ آخـرٌ؟ كيف يحمي ظلُّ سيفي وردتي؟ وأنا متكئٌ
تحتَ ظلالِ الأغنياتِ . المُهْرُ لم ترقصْ على إيقاعِ نَقْرِ الغيمِ
في الأرضِ ، فألقتني عن الريح الـتي تُمسكُها ،عن سـهلِ
غرناطةَ في الليلِ ، وعن سندسها الصبحَ .
لذا أوقِعْتُ في فخ السؤالْ

كيف أهربْ ؟!


أبوعبدالله الصغير يفكك زفرته

من السجن لي زفرة/
على شرفة الأسر في قرطبةْ
على قلعتي في انعكاس الغديرْ
على المرج حيث الرياح تغني
على النور في كهف روحي
على مورسكيٍّ يغني موشحهُ
على هدهد ليس يعرفني
على صورتي في حساء المليكْ
على صورتي في حرير الحكاياتْ
على لغتي في رحى الترجمةْ
على القلب تقضمه السفسطةْ
على وردتي نتفتها حوافر وقتي
على ثقتي في الطريق المؤدي لمذأبةٍ
على عرباتٍ تسير إلى مالقه
على ريح قافلة قدمتْ من دمشقْ
على مسجد في انتظار الكتاتيبْ
على قبة في انتظار الحمائمْ
على غيمة عبرت نحو غرناطة الآنْ
على رعشةٍ في يدي حين أطوي رسالة أمي


أبوعبدالله الصغير قبيل المعركة

رايتي هفهافة من معطفي قُدَّتْ
لعوباً سبحتْ في جيدها الريح ُ تموجُ
[ أحياتي راية تخفق أم سيفٌ بعيجُ ؟ ]
وضبابٌ يافعٌ ينضح قطراناً ودهناً
ربما خبَّ فريسٌ خلفه مستطلعاً
وأنا أنفث في منخار مهري
لأرى في عينه رايتيَ المكسورة الملقاة في الطينِ
وغربان جثت تنتفها
وأنا أجمعها حرفاً فحرفاً بين أوراق ٍ وأشجارٍ
وماءٍ آسنٍ يطفو على رعشته الطحلب ُ ،
في ظهري نبالٌ وطعونُ
كلما أمسك حرفاً لفَّ حولي نفسه
يخنقني ، حتى جرى فيّ الجنونُ

حينها أغمضت عينيَّ
ولم أنظر إلى مقلته الأخرى
ولم ألتفتْ للخلفِ
هل ما زال ذاك الفارس المستطلع الآن ورائي ؟!


أبوعبدالله الصغير يناجي وزيره

ما الذي تنقُشُهُ عيناكَ بالدمع ِ
على خاتمِ مُلْكي كلما قَبَّلْتَ كَفِّي يا وزيرْ

ما الذي تلقيهِ في نسمةِ وردٍ عَبَرَتْ ذاكرتي
وأنا أنظرُ في نافورةٍ تعْزفُ من بَهْو السفيرْ
(المزيد…)