الكتابة تقول لا


الكتابة تقول: لا الصادر عن الدار العربية للعلوم ناشرون يعالج قضايا معاصرة سياسية واجتماعية من خلال نصوص نثرية قصيرة، يلجأ الكاتب إلى لغة شعرية وساخرة أحيانا ليعبر عن موقفه من الحروب غير العادلة، والدكتاتورية، والثورات العربية، كما يتناول الكاتب قضايا أخرى، مثل البيئة والعمارة والفن، ومع أن الكتاب يعبر عن قضايا معاصرة إلا إنه يخلو من أي إشارة مباشرة للأماكن والشخصيات ذات العلاقة. فالنصوص تعبر عن الخاص بلغة العام مجردة من الزمان والمكان. يجد القارئ ذكرا لمدن ومؤسسات مثل نيويورك ومجلس الأمن، وشخصيات مثل نيرون وابن منظور ومحمود درويش، وباستعراض عنوانات النصوص الأربعة والأربعين تجد موضوعات متفرقة مثل الدراجة الهوائية، والبيروقراطية بوصفها سببا في فشل التنمية، والمئذنة باعتبارها أيقونة للمدينة الإسلامية. يقدم الكتاب نصوصا تتمرد على التصنيف، فمن عنوان الكتاب، تقول النصوص “لا” للشعر والنثر، فالكتاب ليس نثرا خالصا وليس شعرا أيضا، وليس كتابا سياسيا وليس كتابا في الدفاع عن البيئة، لكنه يقترب من كل هذه الموضوعات ولا ينتمي إليها. من أجواء الكتاب:

في مجلس الأمن ربطات عنق معقودة بمهارة، وعيون بألوان مختلفة، وأناس يروحون ويجيئون فرادى ومجتمعين مثل عمال حقول الشاي وأياديهم مليئة بأوراق يابسة كأوراق الخريف. طاولة دائرية في منتصف القاعة كأنها أعدت حلبة لمعركة بين ديكين، سوى أن التدخين ممنوع، وأن لكل فرد في القاعة مكان محدد سلفا.


تذكرت سعود

image
تذكرته، غيما يمر، ظلالُه
ظباءٌ وماءٌ في الحجاز وفي نجدِ
وكنتُ إذا شاهدته أو لقيته
كأني أرى في راحتيه حمائما
وفي قلبه صقر من النور والوردِ
مضى وكأن العالم العربي قد
مضى معه والعالم العربي في
مهب الشجى ومهمه الريح والبردِ
تذكرته في مجلس الأمن جالسا
يدوِّي صداه المر بين حروفه:
(دمٌ واضح يُهْريقه الخوف من غد
دمٌ حيثما تمشون يا سادتي دم)
يقول لهم إن السلام حقيقة
يزيفها مكر السياسي عندما
يريد، يرى التاريخ من ثقب إبرة
ويخفي الذي يخفيه في فضة السردِ

على كل معنى للعروبة خالص
عباءته خفاقة، وكلامه
كنهر صغير في الهوية أزرقٍ،
جرى. قمر يعلو بوادي حنيفةٍ
وينزل. معنى أو مجاز مقنَّعٌ
معلقةٌ همزية جاهلية..

تذكرته، والليل يطوي جناحه
على أمسِ فينا، والدروب تكوَّرتْ
إلى غدنا. ماذا رأى غير ما نرى:

شياطين ينسلُّون من فلقة الدجى
يزفون للموت المدائن والحجى

مدى للمدى أو سكة دونما مدى
طريق طويل ليس يفضي إلى هدى

مضى والصدى ما زال يصدح وحده
ويطرق سندان السياسة وحده
إذا لم تجيبونا أدرنا ظهورنا
لكم، وغدا تدرون من سيفه يجدي

الوسوم: ,

قمر يولد من سيف نجدي

image

كتبت مكاتيبي وطال غيابُ
مكاتيب شوق ما لهن جوابُ

وأرسلتُ حتى مل حرفي سطوره
وسال على حبر الكتاب عذابُ

فلم يبقَ معنى أو مجاز أقوله
وما عاد في باب البلاغة بابُ

فيا نجدُ هل أشفى من الحب مرة
إذا كان يشفى من هواك مصابُ

فكل حنين ما عداك استعارة
وكل هوى إلا هواك كِذابُ

فأنت ابتداء الشعر كل قصيدة
لها منك عشب أخضر وسحابُ

وأنت التي علمتنا لغة الهوى
ففي كل روض مالك وربابُ

فلا تعْتبي مهما رحلتُ فإنني
قريب، ومن بعد الرحيل إيابُ

وإن تعتبي يا نجد من بعد غيبة
فقد طاب لي بعد الغياب عتابُ

أنا العاشق النجدي سالت عباءتي
نجوما وكفي من ثراك خضابُ

***
بلادي أفي عينيك ماء لطالبٍ
فقد عز في هذا الزمان طِلابُ

وجفت ينابيع من الحزن والأسى
فكل الأماني ما سواك سرابُ

ويا وردة الصحراء لم تتغيري
تشيب ليالينا وأنت شبابُ

شباب كأنّ الله ألبسه التقى
ثيابا فسُلت من تقاه ثيابُ

فجاءت إلى سلمان مسكا وعنبرا
وملكا كماء المزن ليس يشابُ

كأن انتقال الملك مر غمامة
فعشب وظل بارد وشرابُ

فسارت إلى الدنيا تباشير ملكه
وسالت لها بين الضلوع شعابُ

فشعت قناديل النهى من قلوبنا
ورفرف من طيب الثغور ثوابُ

ففي كل ثغر دعوة مستجابة
وفي كل بيت للدعاء مثابُ

فهذي صلاة العاكفين وصومهم
وهذا دعاء الطائفين يجابُ

كأن أكف الضارعين لربهم
إذا رفعوها للسماء قبابُ

فيا خادم البيتين هذي جموعهم
تموج. لها إذ بايعتك عبابُ

إلى ساعد الأمن القوي محمد
تبايعه بارودة وحرابُ

لريحانة المجد الجديد محمد
تبايعه حول البلاد ركابُ

***

سلام أبا فهد أرق من الصبا
تسيّره بين السهول هضابُ

سلام وشوق من مآذن مكة
تطوف به حول المطاف رحابُ

من النفل والقيصوم والنخل والغضى
ومن بيت طين في الغروب يذابُ

سلام من التاريخ يسحب ذيله
على حاضر الأيام وهي يبابُ

تحية سمار وأنت حديثهم
فطابت ليالي الساهرين وطابوا

كما طاب للمظلوم أنك أمنه
وأنك خوف الظالمين فخابوا

تظل سيوف الحق فوق رقابهم
مجردة أطرافهنّ حدابُ

فلترك ساعات وللحزم مثلها
تذل لها عند الحساب رقابُ

لذلك طابت كل نفس بما بها
وأعداؤنا والحاسدون غضابُ

فهل أنت إلا فرحة في عروقنا
لها عودة في نبضنا وذهابُ

ففي كل يوم لمحة عبقرية
وفي كل يوم وردة وكتابُ

وهل أنتَ إلا موعد لربيعنا
مناهله بين الكروم عذابُ

فأنتَ الذي في كل عهد غمامه
له في ربى المجد القديم صبابُ

وأنتَ انبعاث الروح في كل فكرة
وأنتَ إذا عز الخطاب خطابُ

دنوتَ فكان القرب أرفق صحبة
وقد قلَّ في هذا الزمان صحابُ

فأنتَ الذرى ما طاولتكَ سحابة
ولا طاف في عالي ذراك عقابُ

ولو شئتَ بعدا أو حجابا لنلته
ولكنما دون الحجاب حجابُ

كدأب الملوك السابقين خطاهمُ
على منهج شبوا عليه وشابوا

أناروا فوانيس الهدى من عقيدة
لها شب نجم واستضاء شهابُ

***
يعيبونني في الحب والحب موطني
فيا وطني هل في هواك أعابُ؟

ولو حسبوا الحب الذي في عروقه
وللحب في قلبي لطال حسابُ

بلاد لها في كل شبر حكاية
وعزٌ لها في العالمين عجابُ

١٧-٧-١٤٣٦هـ
بوسطن، الولايات المتحدة الأمريكية


يا راحلا ما رحلا

image

لا الدمع جفَّ ولا جفنٌ لديكَ سلا
يا راحلاً من قلوب الناسِ ما رحلا

الحزن بعدك جزءٌ من هويتنا
يا من زرعتَ على أجفاننا الأملا

كل البكاء له دمعٌ نكفكفه
إلا بكاءَك والدمعَ الذي نزلا

يطول فيكَ رثائي وهو من حُرقٍ
فكلُّ حرف جرى في مهجتي اشتعلا

حتى يقال أحزنٌ ما يمرُّ بنا؟
والنفس لا تشتكي مما بها وجلا

وقيل: ما مات مَن هذي بطولته
تُجيب في ساحة التاريخِ من سألا

وما يموت الذي راياته رسمتْ
لكلِّ من تاه عن درب الهدى سُبُلا

وقيل: هذا هو الحبُّ الذي بحثتْ
عنه القلوب ولم تعرفْ له بدلا

موشحاً راية التوحيد ودَّعنا
والسيف من كفِّه في (عَرضةٍ) هطلا

مضى وقد سهرتْ من أجله مدنٌ
تدعو. فلله هذا الحب ما فعلا

الوسوم: ,

أسئلة الشهيد التي لا تموت

image
لكل شاعر كبير، وناثر كبير، اطَّرِحْ لغتك التي تشحذك كسيف طويل، فللشهيد لغة أخرى كاملة غير ما تعرف، وأنت تطيل الوقوف على الأطلال بمجاز جديد، وحزن جديد، اسأل أسئلة الشهيد التي لا تموت:

أين يتجه الحزن عندما تخفق رياح الشمال معلنة رحيل المراكب؟

كان يقف على سفح يودع الراحلين ويلوح لهم بيديه حتى تنسل مراكبهم تحت عباءة الغروب.

لماذا تجلس المعاني كالعصافير في أعشاشها إلى أن يهش عليها شاعر عصا التجربة؟

كان ينظم الشعر لكنه لا يجيده كأي شاعر متمرس، ويعجب من تسلسل القوافي في المعلقات كأنهن ظباء تحلقن حول ماء ونخيل.

لماذا لا ينصت سوى الضحية حين تتكلم الذخيرة الحية؟

كان يشاهد الضحية تولد من فم السياسيِّ، ولا أحد يرْكز بارودته في وجه الحقيقة ويعسْكر عندها. يقول في نفسه: ربما كانت (الضحية) محاولة يائسة في الدفاع عن غد لا يؤمن أحد بقدومه، أو محاولة طائشة لاختبار عزم العدو على رسم خريطته من طرف واحد. مهما يكن، تبقى (الضحية) مجهولة والحقيقة عَلَم على خط النار يحترق.

كيف يقول الشهيد عند الوداع الأخير لوطنه الذي يحبه: شكرا؟

كان يبحث عن فيلسوف يشرِّح مفهوم (الحب) و(الوطن) و(الوداع الأخير) معاً، لعله يجد كلمات مناسبة ليسرَّ بها في نفسه أو يبوح بها لأقرب جريح قبل نطق الشهادة. هل الروح كافية؟ يقول، وهل هي سدرة منتهى العشاق؟

كيف يستدير اسم الشهيد حين يمر في الذاكرة: مثل قمر أو قصيدة؟

كان يتذكر زملاءه الذين استشهدوا ويعلق أسماءهم مرة على عينينة أبي ذؤيب الهذلي، ومرة يعلق أسماءهم على مراثي متمم بن نويرة، وكان بعضهم يشع في قلبه قمرا فيستدير وجهه ألقا قبل أن يجهش بالبكاء.

هل الحب وردة تفترُّ من القلب، أم سكين يولد في الخاصرة؟

كان يعرف من الحب ما يسل من فمه ابتسامة دون أن يشعر، ويعرف من الحب ما يجعل عينيه تفيض مثل نافورة من الدموع. لكنه لا يعرف كيف للحب أن يستل سكينا ويقتله، ولا يعرف كيف يصبح قلبه علبة حلوى لطفل بكى من شدة الشوق، ولا يعرف كيف يصبح الحب قنديلا يطل من عينيه فيضيء طريقه في ظلمة المجهول.

ماذا حل برصاصتي التي أطلقتها قبل أن أموت؟

كان يراجع عمره كأي طالب نجيب يستعد لامتحانه النهائي. وكان يجيب على الأسئلة كلها:

أين ما ضاع من عمري؟

كيف نجوتُ من حزن كاد يعصف بي ويقتلني؟

إلى متى أحوم كالنحلة حول أحلامي، لا أنا أصيبها ولا هي تصيبني؟

لكن سؤالا واحدا أعياه ولم يجد طريقا للإجابة عنه: ما الذي حل بقاتلي؟

الوسوم:

ما زال في الدرب درب

image

الى سعد الحميدين

“ما زال في الدرب درب” قال لي ومضى

كأن حلما شفيفا مر في لغتي

أضاء ليليَ إذ أرفوه من هدبي

وكلما قلتُ: “هل يبقى الحنين على

أسماله رغم ما في العمر من ذهبِ؟”

قال: الحنين قليب لا حبال له

وليس أمس سوى ماء بلا قِرَبِ

فقلتُ: أشرب من أمسي ويشربني

يبقى عبوري إلى ما لستُ أفهمه

وسيرتي هي نقش الروح في أدبي

“هل للحنين حنين؟” قال. قلتُ: “إلى

حس الفكاهة في يوم يمر بلا

حزن على غده.” لولا الوقوف على

ليل الحكايات ما شاهدتٓ أغنيتي

تمشي الهوينى على ما كان يصنعه

مؤرخ من سكاكين مضرجة

دماً – يقولُ – فسرْ، لا تلتفت أبدا

ما زال في الدرب درب فيك فامض به

على الخريطة رسامون ليس لهم

لون يلائم أحزان المدينة أو

شكلٌ، فلاسفة لا يؤمنون بما

قال السياسي في وصف الفجيعة في

مقالة، شعراءٌ يكتبون لمن

لم يولدوا بعدُ، فاكتب فالحياة هي

الحياة لا حاضر يبقى ولا أحدُ

الوسوم:

(الحمراء) نخل وشبابيك مقفاة

poemAlhumbra

حجر يربي كالورود بكاءه في العابرين
صدى من الردهات يسبحُ
كلما امتلأ الحنين من الحنين
فقد ترى إيقاع هندسة الندى
يخضر في ذهب الفراغ الحر
تمتزج الزوايا بالمرايا
ثم يتبع كل ظل ظبيه المغزول من نور وطيبٍ
وهو يمضي في امتزاج الروح بالألوان
رائحة الهوى مطر على عشب الكلام
وكلما انكسر المجاز
يسيل من أغصانه عسل على أحلامنا

لا شيء في (الحمراء) يبقى بعدنا
غير التردد في شذى البستان
وهو يلون القبب الصغيرة حول ماء سلامنا

الماء مرآة السلام إلى الغمام إذا تلكأ
وهو بلبلنا المدرب في النوافير الطويلة
كلما انطلقتْ توشحت القصائدُ بالفوانيس الكبيرة
وانهمرنا بالغناء على خلاخيل الجوى بغرامنا

يتفتح الريحان في الأشواق
حين تفك جارية ضفيرتها وتجري،
ثمتالمعنى المثقبوهو يُنقش كالخواتم،
والقباب إذا تكورها كسهل لوعة الإيقاع،
في بيت يهلهله أنين الليل حول منامنا

وتطل من نخل شبابيك مقفاة تقول:
تعال صدْ معنا الشذى،
ودع الرسائل للحمام
يقول نقش في الطريق إلى الحديقة:
صفْ لنا شجن الزمرد في الزبرجد،
وابتعد بشقائق النعمان عن زغب الموشح.
كلما فرقت قلبي في النوافير التأمتُ كقطعتي خزف
وعدتُ إلى الكلام أعبئ القاموس بالمعنى
وريش حمامنا

الوسوم:

قبل أن أموت

kablAnAmoot

أريد حياتي كلها قبل أن أموتْ
ثلاثة أرباع الهوى في قصيدة
وشوق المغني للمعاني وللبيوتْ

أريد حياتي كلها: رحلة بلا
دليل سياحي إلى مدن الهدى
صلاة بلا وقت تقام ولا تفوتْ

أريد حياتي كلها قبل أن أموتْ

أريد من المعنى قماشة فكرة
لأكسوَ تاريخي بها مثلما اكتست
خيول الصحاري بالحكاية والبشوتْ

أريد حياتي كلها: ضوء شمعة
تعاند ريحاً وهي من ثقب إبرة
تنير دياجير المدى ثم تنطفي

أريد حياتي كلها قبل أن أموتْ:
قليلا من الإيقاع في ذهب السكوتْ
سأمشي على ناي إلى آخر النوى
فقد ألتقي نفسي مصادفة على
رصيف. أنا أمشي ونفسي تمر بي
ببطء على دراجة ثم تختفي

أريد حياتي كلها: وردة على
جدار القوافي لا تراها العيون ما
خلا عاشقا أو عاشقين توقفا
لكي يشربا شايا على دربهم إلى
تراجيدِيَا الهجر المبلل بالدموعْ

أريد حياتي. أنقذ الحب مرة
من الموت في عينيْ فتاة صغيرة:
هو الحب موت في حياة، صغيرتي

أدق بحرف سيف عمري. مذهبُ
ينقشه بالشعر قلب معذبُ

أعيد إلى الأطفال حلما تركتهُ
على شرفات الوقت حتى نسيتهُ

أريد حياتي. كل شيء أعدُهُ
على مهَلٍ: هذا الطريق سلكته
لمن جاء بعدي، كل ما فيّ وجدُه
وهذا المدى مد الفروع كدوحة
بروحي فحدًّي حيث أعبر حدُه

أريد حياتي كلها كلها كما
أردتُ، كما خطيتها بأناملي
على الرمل من عشرين عاما. وكل ما
ورائي على خط الغروب قواربُ
وليلٌ كباب البيت فوقي مواربُ

أمر كأني كنتُ شيئا ولم أكن
كأن حياتي شاطئ ناعم ولي
بُييت كعين الديك أحمر داكن
على جيد تل أبيض الصخر معشبٌ
أسير له، خفاي كالرمل في يدي
أسير إلى قلبي المسيج بالنعوتْ

أريد حياتي كلها قبل أن أموتْ
أمهد قلبي كي يمر به الهوى
وعمري طريق للمعاني وللبيوتْ


خمسة عشر عنصراً للجمال

عرجت في المقال السابق على ثلاثة عناصر للجمال كما وصفها المعماري ألكساندر في أربعة مجلدات ضخمة الموسومة (طبيعة النظام). ورغم أن هذه المجلدات الأربعة تبحر في شؤون نظام الطبيعة وعلاقتها بالفن والحياة وطبيعة الأشياء إلا أن هذا العمل يرتكز في الأساس على خمسة عشر عنصرا للجمال يدور حولها هذا العمل الضخم. كل عنصر له مظهر جمالي يمكن أن يفهم وآخر وظيفي ما زال مجهولا. والربط بين الجانبين، حسب ألكساندر، قد يكون فاتحا لفهم أعمق لطبيعة الأشياء. ورغم أن الاهتمام بهذه العناصر ينبع من القيمة الجمالية المرتبطة بها، إلا أن الرغبة في البحث عن المدهش تلح علينا في التحقق من وجود عمق وظيفي لهذه العناصر الجمالية لم يكتشف من قبل. وفيما يلي سرد للعناصر الخمسة عشر:

1. المركز القوي: المركز القوي هو العنصر الذي تعمل بقية العناصر الأخرى لتحقيقه وتوثيقه من خلال التجاور الأفقي أو التسلسل العمودي. فحسب هذا المفهوم، فإن إضافة نقطة إلى منتصف دائرة فارغة يمثل إضافة جمالية لا تتحق لو أضيفت هذه النقطة في مساحة هامشية خارج الدائرة، مثلا.

2. ميزان الأحجام: فوجود تنوع في أحجام الأشكال في الفراغ بمقياس منتظم يحقق إيقاعا كليا، يزيد من ترابط الشكل الجمالي. فمثلا، يمكن رسم هلال معقوف بدوائر مرصوفة تبدأ صغيرة من الأطراف لتتسع شيئا فشيئا حتى تعود إلى حجمها الصغير الذي بدأت به أول مرة. تعمل هذه الدوائر سويا بتشكيل صورة الهلال كمنظومة بناء على التباين بين الأحجام.

3.التناظر المحلي: في هذا العنصر تقوم الأشكال بإحياء المركز من خلال التناظر المحدود في المركز دون الامتداد إلى غيره. ونتيجة لصفته المحلية هذه، يحقق التناظر قدرة على الاستجابة لمتطلبات السياق كون التناظر لا يجبر منظومة الأشكال كلها بالانقياد إلى صورة جميلة رسما لكن قبيحة واقعا. وتوجد أمثلة عديدة لهذه التناظر المفتعل في مخططات بعض المدن الحديثة. حيث يؤخذ في الاعتبار الشكل الجمالي على الورق دون النظر إلى الحاجة الواقعية على الأرض.

4. الأطر السميكة: في هذا العنصر يتم تحقيق الترابط بين الأشكال وتعزيز وجودها برسم أطر سميكة حول منظومة من الأشكال أو حول كل شكل على حدة. وقد يكون الإطار نفسه مكونا من مراكز متسلسلة تعمق من قوة الإطار نفسه وتأثيره على ما يحيط به.

5. التكرار التبادلي: في هذا العنصر تقوم عدة أشكال بالتتابع على خط واحد، إما في نظام ثنائي وإما في نظام ثلاثي، بحيث يصنع هذا النظام إيقاعا بين الأشكال سواء كانت هذه الأشكال المتتابعة متماثلة في الحجم أو متباينة.

6. الفراغ الإيجابي: عندما تتكون منظومة من الأشكال المترابطة تتكون فراغات ضمن هذه المنظومة، تتشكل هي نفسها لتكون نظاما خاصا بها بحيث يكون الفراغ مكونا أساسيا. فالفراغ الإيجابي ليس ما يتبقى من منظومة الأشكال، بل هو مركز له مكون ذاتي يكاد يكون مستقلا.

7. الشكل الجميل: سواء كان هذا الشكل مكونا من منظومة من الأشكال المترابطة أو كان وحده، فإن النتيجة أن ينتج شكل كلي يمكن التعرف إليه بأقل جهد بصري.

8. التداخل العميق الغامض: عندما تتداخل الأشكال في منظومة ما يصعب التفريق بين الأشكال إلا بعد النظر بتمعن في مكوناته. هذا التشابك القوي بين الأشكال يعزز من قوة المنظومة بما يشبه النسيج الحيوي الذي لا تنفك عناصره من الترابط مثل خيوط القماش.

9. التباين: مما يعزز الترابط بين منظومة المراكز هو تباينها على مستوى اللون والشكل. هذا التباين يقوم بتفعيل الفراغ ليشارك بناء المنظومة إيجابيا.

10. التدرجات: تقوم منظومة الأشكال بالتدرج في الانتقال على مستوى اللون من الشفافية إلى الدكنة موجهة نحو اتجاه واحد. فإما أن يقوم هذا التدرج وحده بخلق مركزه أو أن يعزز مركزية شكل مكون مسبقا.

11. الخشونة: رغم وجود نظام بين الأشكال يعمل لصناعة شكل كلي قوي، إلا أن كل شكل يتعامل مع السياق المحيط به بإيجابية بحيث يكسر التماثل أو التطابق أو التوازي بالحد الأدنى الذي يضمن الاستجابة لما حوله. من خلال هذا العنصر يتم النظر إلى كل منظومة شكلية ضمن منظومة أكبر تمثل السياق الذي يحيط بها.

12. الفجوة: في قلب النظام الكلي الذي يمثل أعلى درجات التكامل، توجد فجوة فراغية تمثل بعدا يوحي باللانهائية، يشكل تباينا قويا بين ما حوله من مكون مليء بالأشكال وما في هذه الفجوة من عدمية.

13. الصدى: عندما يقوم شكل بالتردد والتكرار في منظومة الأشكال في أكثر من مكان، سواء كان ذلك بالتوالي أو موزعا، يتحقق الترابط بين نظام الأشكال على المستوى الكلي.

14. البساطة والهدوء الداخلي: التبادل بين الفراغ الإيجابي والفجوة في منظومة الأشكال وتوزيع المساحات يخلق روحا من البساطة والليونة التي تكسر جمود الأشكال الغنية بالتفاصيل. فالنظام الكلي يعمل كوحدة مترابطة للمحافظة على هوية كل مركز على حدة مبتعدا به عن التزاحم والتكثيف الذي يفيض عن الحاجة الجمالية.

15. عدم الانفصال: مع الترابط الذي يحدث بين مكونات النظام من خلال الأشكال الجزئية والكلية، يقوم النظام بالمحافظة على الانسيابية والترابط مع أنظمة أخرى سابقة له لا تتطابق مع هويته إلا أنها لا تتنافر معه أيضا.

إن هذه العناصر جميعها تترابط وتعمل لتكون صورة جمالية واحدة ليست موجودة فقط في الأعمال المعمارية أو الفنية. لكن هذه العناصر المذكورة موجودة في أمثلة من الحياة الطبيعية، مثل تشكل سرب من الطيور في ساعة المغيب، أو تبلور ندف الثلج وهي تذوب تحت أشعة الشمس، أو تشقق الأرض عن دلتا نهر يتدفق نحو البحر. في كل هذه العناصر أمثلة من الحياة تمر من حولنا دون أن نقف لنتأملها.

الوسوم:

أنماط الجمال الخالدة

ظل الجمال وكل ما يتعلق به، وإن تعددت أسماؤه ومعانيه، عصيا على القياس، كل ذلك لأنه مشوب بالنفس التي يصعب تأطيرها أو قياسها هي ذاتها. فربما ارتبط الجمال بالعصر الذي ينتمي إليه، فيصبح دالا إلى غيره لا دليلا بحد ذاته، معلقا بخيوط الزمن لا مستقلا يطوف في مداره الخاص مثل كوكب صغير، والحديث عن الجمال فرع عن الحديث عن الجودة. لذا يمكن أن نتكلم عن مفهوم الجودة الشاملة أو (الجودة التي لا اسم لها) لنعالج موضوع الجمال كأحد فروعها. فعند ألكساندر خمس عشرة عنصرا للجمال إذا وجدت في مكان واحد، أو شكل واحد، تحقق لها مستوى من الجمال الخالد الذي لا ينتمي إلى عصر محدد أو موجة فكرية مرحلية. وقد تتبع ألكساندر هذه العناصر في الطبيعة فوجد آلاف الأمثلة التي تشير إلى أن هذه العناصر ربما تتشكل طبقا لقوانين طبيعية لم تفهم بعد. فهذه العناصر تمثل أنماطا تتكرر في الطبيعة الحية أو عبر التاريخ سواء في أعمال معمارية بدائية في القرى القديمة، أو في أعمال معمارية خالدة مثل قصر الحمراء في غرناطة.

العنصر الأول هو (المركز القوي). فقوة المركز تعد أهم عنصر في منظومة العناصر كلها. فمهمة العناصر الأخرى هي خلق منظومة من المراكز القوية في أي شكل فني أو جمالي. والمراكز نفسها تتعاضد وتعمل سويا لتشكل مركزا أكبر هو نفسه بالتالي يدخل ضمن منظومة أخرى من المراكز القوية، وهكذا. فلو أمكننا أن نتخيل حلقة من الدوائر المتصلة، فإننا يمكن أن نلحظ إن كل دائرة تتعاضد لتشكل الحلقة التي تخلق فراغا في المنتصف يمثل مركزا قويا، إضافة إلى الفراغ الذي تكونه كل دائرة على حدة. ولو تكونت مجموعة من الحلقات المتجاورة المكونة من الدوائر المتصلة بشكل أفقي لأمكننا أن نشكل إطارا من الحلقات يمتد أفقيا وعموديا لتشكل هذه الحلقات مجتمعةً مستطيلا، مثلا. بهذه الطريقة يمكن أن نلحظ إن هذه الأشكال تعمل سويا لرسم صورة كلية من خلال أشكال بسيطة تتكرر بشكل منتظم لتكون شكلا أكبر. ويمكن ملاحظة هذا النمط في نقوش السجاد الإسلامي بخاصة، حيث تتكرر الأشكال لتكون من الفراغ شكلا آخر.

العنصر الآخر، هو (ميزان الأحجام). فإضافة إلى المراكز القوية التي تتكون نتيجة لعمل أكثر من شكل لتكوين شكل آخر، فإن أحجام هذه الأشكال إذا تناغمت في هيئة مطردة، كونت منظومة أكثر ترابطا وقوة. فلو إننا تخيلنا – من المثال السابق – مجموعة الدوائر التي تترابط لتشكل حلقة ما، وافترضنا إن هذه الدوائر تضيق وتتسع بشكل منتظم، لأمكننا أن نحقق تعددا يكسر من رتابة التكرار، ويضفي إلى منظومة الدوائر إيقاعا بصريا يجعل الشكل النهائي أكثر حياة. العنصر الآخر، هو (التناظر المحلي). فمع وجود منظومة من الأشكال التي تعمل في نظام شكلي وإيقاعي منتظم، لابد من وجود تناظر ما في هذه المنظومة، لا يسيطر على النظام ككل ويعيد تشكيله، بل يعيش في النظام ليكون تناظرا محليا. فالشباك الذي يتكون من فتحتين محاطتين بإطار خشبي يجمعهما، يمثل تناظرا محليا لا يمتد إلى واجهة البيت كلها، إنما يتكون ضمن الإطار الخشبي للشباك نفسه ويقف عند ذلك. فالتناظر الكلي في المقابل، يملك سلطة دكتاتورية لإخضاع نظام الأشكال كلها للتناظر دون المواءمة بين هذا النظام والأنظمة الأخرى السابقة له.

فلتطبيق العناصر الخمس عشرة – التي أوردت طرفا منها – يجب مراعاة السياق الذي ينمو فيه النظام لتحقيق استمرارية إيقاعية وتناغما لا ينقطع. ومفهوم السياق في هذا الإطار يمثل البيئة التي تسبق النظام الشكلي الجديد. فمثلا، عند إضافة منظومة من المساكن إلى حي قديم، على المساكن الجديدة المحافظة على نسيج كلي يضمن انسيابية شكلية وتكاملا جماليا يجعل من الحي نفسه أكثر حياة. لذا يمكن ملاحظة اهتمام هذه العناصر الجمالية بموضوع الانسيابية والعلاقات بين الأشكال، وكيف يمكن توظيفها وتكرارها لخدمة النظام الكلي. هذه العناصر التي استنبطها ألكساندر، استوحى أهميتها لأول مرة من مجموعة من السجاجيد الإسلامية الأثرية التي يمتلكها وترجع إلى القرن الخامس عشر الميلادي. هذه العناصر الجمالية تمتلك جذورا شرقية عميقة تكونت من رؤية إسلامية لدور الفن وعلاقته بالحياة والإنسان، ولذلك حديث آخر.

الوسوم: