أبو عبدالله الصغير مع رسام

أقول له لي صورة غير ما ترى
ولي صورة غير الذي لا تراه في
كلامي وفي وجهي الطويل المثلث
الزوايا كبيتٍ طوقته الحقولُ
قال : بل مثل حقل طوقته البيوتُ
قلتُ : يوجعني الإيقاع في اللون قال:
هكذا سوف تبقى الروح طازجة كحقل
لوزٍ إذا أشعلتُ عينيك قنديلين من
ريشتي في زيت دمعكَ . قلت : لا
أرى داعياً أن ترسم الجفن قربة
فقال : أرى أن لا أرى غير ما أرى
وألا أريك الرسم حتى تظل صورة
النبع تجري في خيالك ظبيةً
فقلت : إذاً في مهمه اللون شرَّدت
التفاصيل قال: الملك تقدح برقهُ
التفاصيل يا مولاي. قلت : القناديلُ
التي في دمي أطفأتُها خوف أن ترى
سلالة جرحي . قال : لا جرح في جرحٍ
فقلت : أنا رسمٌ ولستُ حقيقةً
مجردةً. أيقونة تتكلمُ !
 


من أجل حديقتنا الوطنية

 
١
طرح أحدهم، منذ فترة، تجربته مع عصيفير شعري، حط على كفه بقصيدة عمودية، فأفزعه إذ قال: لماذا تريد أن تصير شاعراً؟ ربما لم يفزعه السؤال وحده، بل قوله له إن ما قدمه ليس قصيدة، رغم استقامة الوزن والقافية. فالسؤال جاء استنكارياً، وليس فضولياً، أو فلسفياً. لست معنياً هنا بالسياج المورد الفاصل بين الشعري و النثري، أو الجدول الذي يجري بين الشعر و الشاعرية، أو الهندسة غير الإقليدية التي تضبط الشكل الشعري. إن ما يعنيني أكثر، هو نفي الهوية، السؤال الذي ينزعها من شبكة الأغصان المتشابكة للذات.

٢
هل الهوية بنت الولادة كما يقول محمود درويش؟
وهل يمكن لسكين اللغة أن يفتح جرحاً في الهوية بأداة نفيٍ حامية؟
ولو أمكنها ذلك ماذا سيقطر منها؟
هل فُتنا بالنفي حتى عجزنا عن الإثبات فلم يبق لنا سوى نفي النفي؟
و لماذا تمتحن الهوية هكذا، فهل تضيق حين نقتسمها، أم إنها تتسع، وهل هي عقيم أم معطاء ؟
 
٣
 عندما يدخل إلينا عصفور دوري على منقاره حُمرة توت الشعر، نضع كوب القهوة المرصع بالورد الخزفي، ونلبس قفازاً حريرياً ليحط هذا العصفور مليس الجناحين على الكفين.
 
فإن حط على الكفين، فلقد آثرنا على آلاف الأغصان الممدودة نحوه. وآثرنا على مئات الغدران المحفوفة بالياسمين وقصب السكر. هلا قدمنا له مقعداً من القش، أو عشاً من الريحان؟ ولا بأس أن نقدم له كوباً من العسل أو حبة زيتونٍ خضراء مع قليلٍ من الحُب.
 
٤
عندما يغرد هذا العصفور، فلنفتح الشباك الفولاذي ليدخل النور، ولا ننشغل بأوراق المكتب، ليس هذا وقت البحث عن قائمة المسجونين، أو قراءة تقرير سري عن قافية فرت من السجن الانفرادي وطارت خلف سرب حمامٍ صوب الحرم المكي.
 
فلننصت إلى ما يخرج من منقاره المعقوف كهلالٍ نجدي يتكئ على أضلاع الصبا، وإلى خشخشة التفعيلة في الكلمات، و إلى الإيقاع الوتري المشدود بين الحرف المنصوب كرمحٍ و القافية الملفوفة كالوردة.
 
٦
عندما ينتهي لا تكسرْ ربابته هكذا، ولا تثقب بقلم الكارتييه شغاف قصيدته هكذا، ولا تدق لوز المجاز بالكعب العالي هكذا. كن وردة فلٍ صامتة إن شئت، ولكن لا تنس أن الفل يطأطأ للعصفور الدوري إذا مر ويدعو الله بأن يحفظه من شر الصيادين.
 
٧
ما علينا لو قلنا له : شكراً أن بللت أناملك بالحرف المعسول، أو قلنا له : هل عذبك الشعر كما عذبني؟ أو قلنا له : ضع في قلبك سنارة ً وانتظر حتى يقفز سمك المعنى منه. لنقدم له شرحاً ميسراً عن شاعرية حبة القمح وموسيقا عزف الريح على وتر السنبلة، ولنمثل له رنة القافية برنة وردة سقطت من كف عاشق ٍ في نافورة أحزانه وهو يركض إلى حبيبته ناسياً أنها ماتت بين يديه منذ شهرٍ تقريباً. فلنحاول أن نشرح له علاقة اللون المتمردة بالحرف الوديع، و أن الصورة معنى عاطل من الإيقاع ، و أن الباقي من قافية النون تتقاسمه أسراب الطيور المهاجرة.
 
٨
إن كان ما قدمه قصيدة عمودية سليمة الوزن و القافية فلنقل له شكراً جزيلاً، و إن كان قدم قصيدة تفعيلية سليمة الوزن قليلة القافية فلنقل له أيضاً شكرا ، وإن كان قدم قصيدة نثرية بلا وزن ولا قافية فلا بأس أن نقول له شكراً.
 
٩
إلا إن الشعر العمودي هو حديقتنا الوطنية ، لا نرمي قشر الموز في سواقيها ، ولا ننشر على أسوارها ملابسنا ، ولا نطرد عصافيرها من مكاتبنا أو نطاردها بالأقفاص الكهربائية . إن علينا أن نربي أطفالنا على ألا يقتلعوا فسائلها ، و ألا يدوسوا على ورداتها وهم يلعبون ، وألا يقذفوا ينابيعها بالحجارة . وعلى كل من أراد أن يدخل إلى هذه الحديقة المحمية ، أن يحفظ إرشادات الدخول ويعرف آداب التعامل مع غزلانها وبلابلها الملونة.

الأوسمة:

بذلت فرات جودك

ها قد تركتَ وما تركتَ  قليلا
في كل دمعة خافق قنديلا

يا من بذلتَ فرات جودك كله
حتى تفرق في المدائن نيلا

ها نحن نبحث فيك عن بسماتنا
ونعود دون نوالك المأمولا

وجه من الإصباح ومض شروقه
يدني لنا بسماته فننولا

يطوي لنا أحزاننا كعباءة
فنسل منها الصارم المسلولا

ها قد رحلت وكل جفن واقف
يروي المحبة في القلوب طلولا

والآن نفتح كل تاريخ لنا
ونراك فيه دعاءنا المقبولا

وكناية الكرم المذهب بالهدى
في واحد وربيعنا الموصولا

قصَّرتَ درب الراحلين إلى الندى
وتركته للعائدين طويلا

وجلا الهموم بنا نوافح بسمة
جرَّت على وعر النفوس ذيولا

وبنيت من هدب العيون مغانيا
عرضاً على عوج الضلوع وطولا

وأخذتَ من صفو الزمان سماحة
ولبستَ من حلل النفوس قبولا

***

ماذا أقول وكل ما قد قلتُه
رغم المجاز وحسنه قد قيلا

لمْعُ السراب يظَلُ بين حروفه
لا يطفئ الحُرَق الشواظِ فتيلا

كم كذَّب الدمع الجفونَ لفقده
مهما تحدر زفرة وهطولا

فقْد الغريب مطيَّه بمفازة
قصد السراب فلا يريد دليلا

أجفانُه معقودة بخيوطه
لا يبتغي ثمر الغمام بديلا

حتى إذا شرقتْ به أحلامه
وتقطَّعت أسبابه وأعيلا

وجد الدعاء براحتيه حمامة
فأطارها وسقى الكثيب عويلا

حزن يعلِّم في الشغاف بمخْلب
وقوادمٌ وسمتْ عليه ذبولا

وكأن خفق جناحه ريح جرَت
تحثو على وجه الغريب مهيلا

لكنما أمل ينقر قلبه
عُقَدٌ تفتَّح كالورود حلولا

أمل يفرِّخ في يديك حمائما
ويسلُّ من وجع الحياة هديلا

***

يا من سقى أجفاننا بفراقه
وأسال من هدب العيون مسيلا

نجد تكفكف دمعها بقصيدة
وتضفِّر الحزن الطويل جديلا

وقرى الحجاز تحزَّمت ببكائها
تدعو بمكة بكرة وأصيلا

وكأنَّ غيما حلَّ في شرفاتنا
يسقي تراب نباتها الممحولا

غيماً تطوِّفُ في المدى أجراسُهُ
ويظل في سُقُف البيوت نزيلا

متربعاً يرفو الربيع بمائه
ويخيط من قفر الحزون حقولا

طابت بنفح هبوبه وصبوبه
وجرتْ رباه صَباً فطاب مقيلا

طابت كنفس محبِّه، وكأنه
ظُلل فُرشنَ على الرمال نخيلا

***

دارت نواعير الجوى للقائه
فحملنَ من شوك الفراق حمولا

وجرينَ في مهجٍ على ظمأ له
يُسقَين من قلل اللقاء رحيلا

سُبل الكرام ورحْلهم مربوطة
يرجون لله الكريم سبيلا

يمشون وعرا إن توعَّر دربهم
متبطنين دماثة وسهولا

رحلوا ولا يرجون غير الله من
وصْلٍ وليس سوى الجنان وصولا

رحلوا وهم يرجون مغفرة بأن
يجزي برحمته الجميل جميلا

الرياض، ٢٦ ذو القعدة ١٤٣٢هـ

الأوسمة: ,

للوطن

سلال من الوجد المعتق بالندى
فيا وطني من أي عينيك أشربُ

سلام لك الحب الذي أنت أهله
وأنت الهوى بين الربى الصفر يطربُ

حبيب إلى قلبي وكل الذي به
حبيب محب أو صديق مقربُ

فيا وطني يا كل شوق أبثه
أنا كل يوم منك أو فيك أقربُ

كأنك غيم في شغاف الرمال ما
جرى طيبٌ إلا وما فيك أطيبُ


رؤوس أقلام حول الديموقراطية: قيادة المرأة أنموذجا

امرأة تقود في البادية
١
الشيخ خالد المصلح في حديثه عن قيادة المرأة للسيارة قدم أرضية جديدة للديموقراطية في الموضوع الذي يشهد الآن جدلا ساخنا في السعودية. هذه الأرضية هيأها قوله إن الحكم في قيادة المرأة خاضع للاجتهاد كونه لم يرد فيه نص، والاجتهاد في هذه المسألة قائم على الحد الفاصل بين المصلحة والمفسدة والموازنة بينهما. فالشيخ المصلح يفرق في قوله هذا بين الرأي في المسألة والمسألة نفسها. فالرأي قد يصيب المسألة على صورتها الحقيقية فيكون صوابا، وقد يجانب المسألة فيكون خطأ. والرابط بين الأمرين هو تصور هذه المسألة، فإما أن يؤدي إلى الصواب وإما إلى عدمه. هذه المنطقة القائمة على تصور المسألة هي منطقة ذهنية، عقلية، واقعية بحتة. وهي أيضا منطقة متحركة وليست حرون. أي إن الزمن يغير حقيقة المسألة، سواء لحق بها التصور أو كان قاصرا عن اللحاق بها. هذه المنطقة هي المنطقة الحرة التي يمكن أن تجد الديموقراطية عملها فيه بمفهومها المجرد من الأنظمة والأمثلة العاملة في العالم.
أكمل قراءة التدوينة


مدونة ميدان التحرير

صور لميدان التحرير

٣٠ يناير

١
‎سيدي الدكتاتورْ،
‎لو تجلس أكثر يصبح جرحي أكبرْ.
‎هل أشرح أكثرْ؟

٢
‎سيدي الدكتاتورْ،
لم تفهم صيحاتي أو بوح دواتي. هل أشرح أكثر؟

٣
‎سيدي الدكتاتور،
‎أوجعني البسطار الأسمرْ،
‎وأنا قلبي أخضرْ.
‎هل أشرح أكثر؟
أكمل قراءة التدوينة


أين أضع المقالة، عن يمين القصيدة أم عن شمالها؟

يوجد التباس بين النثر والشعر في دم الشاعر. هل أقول إنه التباس ضروري حتى يتسنى للقصيدة أن تسافر في نزهة نثرية بعيدا عن ضجيج الشعر المكتظ بالمجاز والاستعارة؟ وللنثر أن يترك الريف ليسهر ليلة الإجازة الأسبوعية في صخب القصيدة؟ لكن لو جلست القصيدة في مقهى أين أضع المقالة حسب العرف الأكاديمي؟ عن يمين القصيدة أم عن شمالها؟

يقول أبو حيان التوحيدي: إن أحسن الكلام ما جاءت صورته بين نظم كأنه نثر، ونثر كأنه نظم. والشعر بمفهومه القديم نظم كما هو معلوم. فهل ألمح التوحيدي بهذا الكلام إلى هذا الالتباس؟ ما يهم هنا هو الحسن الذي ينتج عنه، جاعلا هذا الالتباس ضروريا لحسن الكلام. فرحلة الشتاء والصيف، إلى النثر شمال الكلام، وإلى الشعر جنوبه، تحقق هذا الحسن. لكن هل حسن الكلام هو ما نبحث عنه في عصر التقنية؟
أكمل قراءة التدوينة


الأمل في ستاربكس


١
كان من يعود من أمريكا يقول إن بين كل ستاربكس وستاربكس، ستاربكس آخر. كأن مخزون العالم من البن اندلق فجأة من كيسه الكبير في شوارع العم سام، لتتفتح محمصة في كل ركن من المدينة. إن ما تفتح ليس حبات البن، بل الأمل في ستاربكس. كل من يمر بمهرجان البن البرازيلي هذا، يتورد في دمه أمل جديد. ‪كان وما زال هذا الأمل يولد من كل فكرة/مشروع يكسر قشرة الأرض الهشة مبشرا بمستقبل جديد‬.
لكن كان لابد من سؤال ضروري هنا: أليست أمريكا مطرقة العالم؟
أكمل قراءة التدوينة


هل الثورة بحاجة إلى كوابح؟


١
من المعلوم إن الأجسام المتحركة تصل إلى حالة من السكون في مرحلة ما، سواء كانت هذه الحالة بفعل داخلي أو خارجي. السيارة، مثلا، تحتاج إلى كوابح لإيقاف تحركها بشكل إرادي، أما البديل فهو أن تقف السيارة بشكل قسري، كأن تصدم في سيارة أخرى. هل يمكن للثورة إذن أن تقف عند حد لتراجع نفسها ومكتسباتها دون أن تقف بعوامل من خارجها. هل الثورة بحاجة إلى كوابح؟
أكمل قراءة التدوينة


شباك القرية

 

 

يعلو من القرميد شباك صغير وحدهُ

في الظل ينبت. أخضرٌ، ومبهرٌ

بالبرتقال وقرفة التفاحِ وهو

يطل من سهل يربي النحلَ

و التوت المنقش بالنمشْ

 

ويثقب الشجر الممدد في المدى

كالمشربيات القديمة، حوله ُ

أصص من الطين الملون بالحنين ِ

وبالقناديل الصغيرة، وحده ُ

يحنو على قمر من الحلوى يلاحقه ُ

الصغار، ووحده يرفو عباءة ظله ِ

للقادمين من الحقول إلى بساتين الغمام ِ،

تراه يفتل خيط ثرثرة الغديرِ، وربما

أدمى أناملهُ ليخصفَ عشَ  قبّرة ٍ تنقر نايهُ

حتى إذا كبرت طفولة قرية في حضنهُ

وقفتْ  فتاةٌ ـــ تمتطي دراجةً ورديةً مثلاً،

لتأخذ صورة المعنى المقشرِ

فوق أخبية البيوتِ ـــ ولم تلاحظْ

نجمة في خده لمعتْ على

عسلٍ بعينيها تقطره الفصولُ

ولم تقلْ: لمَ لا أرى إلايَ في إيايَ؟

أو هذي الظلال على السلالمِ

كالعناقيد الصغيرة من يعلقها؟

ومن سكب الأصيل على الأزقة في الظهيرةِ

كالمربى المشمشي إذا يسافر في دمي؟

 

يبقى يضفر روحهُ

ويظل يغزل مشهداً في جيدها

وتظل تنكثه بأنفاس مزعفرة ٍ

ويبقى الفجرَ يفتح ورده كهدية ٍ

وتظل تنكره بأجفان مخفرةٍ

ويبقى ظلَ رسام الغمام على كراسي القشِِ

وهو يقرمد الأطيانَ

وهي َ

تظل تعبرُ

لا تراهْ

الأوسمة: