نيويورك


في أمريكا حيث يجر الول ستريت الحرية من جديلتها وهي تلوح جاهدة بشعلتها في شوارع نيويورك، يخرج الدولار كل صباح ليركب المترو إلى العمل بقبعته المثقوبة بسهم الهندي الأحمر وربطة عنقه المرتخية. أسأل خليليَّ: هل الطريق من الرأسمالية إلى الديموقراطية تمر من الماستر كارد ومكدونلدز؟ وهل الديموقراطية هنا فسيفساء من اشتراكية الرأي ودكتاتورية رأس المال الذي يغذي وريد السياسة؟ حديقة منهاتن المركزية شامة خضراء في وجه نيويورك المتعب بالعابرين، والدكاكين في (سوهو) نمش يكدسه رصيف لا يبالي بحنين زواره لما مضى من حياتهم في مدن أخرى بعيدة. في نيويورك سحاب تفرقه الناطحات وتملؤه بالندوب، كأنها قوائم خيل حوافرها ترقش سماء المدينة في الليل بنجوم جديدة وقمر أكبر. هاهي نيويورك تغمس سيقانها في المحيط الأطلنطي وهي تأكل كعكة (البيقل) بالتوت البري الأزرق، وتلقي سنارتها لتصيد قرى بين الجبال ليس لها اسم في القواميس، وتصيد مصارف تسبح في بركة العولمة الكبيرة مثل قوارب من ورق الدفاتر الملونة. أمشي في شوارعها الطويلة وبالكاد أجد بقع المارينز على فروها الرمادي، والحداثة وما بعدها تمسدها بالتكنولوجيا. الرأسمالية تقضم تفاحة أمريكا الكبيرة، وسكانها يتفرجون ولا يصنعون شيئا، سوى قهوة في الصباح المبكر، وحديثا سطحيا على هامش لعبة التنس الأرضي يوم الأحد. يسأل عابر: لماذا يضيع صوتي المسجل برقم واضح وطويل في دفاتر الانتخاب؟ لماذا يضيع أمام هدير محركات الفكر في جامعة كولومبيا؟ حيث تمسك معادلة رياضية الاقتصاد الوطني من ذيله مثل سنجاب يائس من الوصول إلى أعلى شجرة الرفاه الاجتماعي. ويسأل آخر: من يصنع من السندات أشرعة لهذه السفينة، حين ترقصها الريح فوق موج الأمل الذي ينحسر شيئا فشيئا؟ . سيارات الأجرة الصفراء تطن كالنحل في رئة المدينة المثقوبة بالوعود الكاذبة. ثقوب يرقعها كل يوم عدد جديد من الفاينانشيال تايمز. الثقوب بيوت في الضواحي معروضة للبيع. والضواحي أقراط كبيرة تعلقها المدينة وهي تنظر في مرآة مستقبلها الغامض وحاضرها المر. والديون التي يسكها مضارب مالي كالخطاطيف، تجر المدينة من أقراطها الكبيرة إلى الهاوية. غابة الإسمنت، نيويورك التي تفتح يديها للقادمين من الشرق بخيولهم المجهدة وفوانيسهم الخضراء، مكبلة. فلا تستطيع أن ترفع سماءها سنتميترا واحدا، ولا أن تهاجر. فالمدينة المسهدة التي لا تنام، تلتحف بالرسوم البيانية لحركة أسهم بورصة الداوجونز والنازداك، وتشبك مبنى الأمم المتحدة عروة في قميصها، وتجلس بانتظار من يخرجها من حطام نظامها المالي.

الأوسمة: ,

زوجة الدكتاتور

ربما تقف خمس دقائق أمام الشرفة لتطعم العصافير حبيبات البارود من يدها المليئة بالخواتم. ويمر أطفال إلى الموت في طابور يبدو من الشرفة كسلم خشبي بلا عتبات. تحييهم بيدها النحيلة وتبتسم ثم تسأل: إلى أين هم ذاهبون؟ لا يجيب أحد، فالحقيقة هنا تعدم في يوم ولادتها، فتولد من جديد مرة أخرى، هكذا إلى ما لا نهاية. ستجلس بعد ذلك على كرسي صغير لتعد الأحجار الكريمة التي تملأ صندوقا مطرزا بالصدف الأبيض، والناس في الخارج يعدون موتاهم، وحين يخطئون يطيلون البكاء وهم يكتبون أسماء الموتى بخط تعرجه رعشة في اليدين. ستخط ثلاث رسائل الكترونية من جهاز التفاحة الشخصي الخاص بها، في كل رسالة وصف هندسي دقيق لحجر نفيس، يبرق في القلب مثل الموشح. في مكان آخر طفلة تصف في رسالة قصيرة من هاتفها الخليوي كيف مات أبوها، وصف تنقصه دقة ما، لأن غصة في الحلق تملأ صدرها بالحشرجة من عبرة تصيب لغتها بمرض غامض، فتخطئ. ستطيل السيدة الأولى التفكر في أظافرها المصقولة كالماء وتقارنها بصفاء الياسمين، وفي الوقت نفسه تحك امرأة أربعينية الطين من أظافرها بعد أن أخرجت أخاها من تحت ركام بيت تهدم. ستجلس السيدة الأولى في مكان خال من الدخان، كثير السحاب، غيمة بيضاء تعلو غيمة أخرى، كأن كريات من القطن مركبة فوق بعض في قناة شفافة تمتد بين السماء والأرض. أما في مكان آخر فتجلس عجوز أمام خراب مدينة: بيوت بلا سقوف، طوابق بلا جدران، دخان يمتد من الأرض إلى السماء كنخلة محترقة. ستجلس السيدة الأولى في مكان ما في الحديقة على كرسيها الهزاز لتستمع إلى المفرقعات النارية التي تضيء السماء الخالية من القمر. وفي الوقت نفسه في مكان آخر تجلس سيدة في ركن مظلم من البيت لتنظر إلى القنابل-ربما نفسها التي تشاهدها السيدة الأولى من بعيد-وهي تطرز الليل المهجور بدوي يهشم زجاج الروح. ستسير السيدة الأولى في نزهة برية مسافة ثلاثة أميال أو أكثر قليلا ذهابا إيابا، وهي تتوكأ عصا من الألياف الزجاجية. في قرية بعيدة تبدأ امرأة وأطفالها الخمسة مسيرة مئتي ميل في الهجرة من بلدتها المحطمة إلى الحدود عبر الشعاب وهي تتوكأ على غصن أصفر وجدته في أول الطريق. ربما تصحو السيدة الأولى فَزِعةً من كابوس يكون حقيقة لا يمكن أن تصحو منه امرأة أخرى. وربما تدلف امرأة إلى مرمر جنةٍ حين تغفو هاربة من كابوسها الواقعي، فلا تصحو من غفوتها لأن قذيفة أصابت غرفة نومها فغيرت شكل المكان، لتبقى محبوسة في غفوتها إلى الأبد. زوجة الدكتاتور تعد حياتها كحفلة عرس على مهل وما حولها يحترق.

الأوسمة: ,

عجز الكلمات

أحس بعجز الكلمات البيضاء من أن تكوم نفسها بما يكفي لتحشو جرح طفل يبكي من الألم في ضاحية من ضواحي مدينة محترقة. يعجز الفعل المضارع أن يبني جسراً يكفي لنقل الطعام والمعونات الإنسانية للمحاصرين في غرفة معزولة في بلد تتفجر فيه البراكين كل صباح. فالجملة الاسمية التي يفرش بها الشعراء أول كلامهم كحبيبات الحصى، لا تستطيع أن تنبت من جراح الضحايا شقائق النعمان. والجملة الفعلية التي تجر بغلة المعنى من أول النهار إلى آخره، ستفشل من أول يوم في إدارة شئون قلب صغير وقع في أزمة دبلوماسية. والأبجدية التي نفتح بها نوافذ زجاجية تطل على البحر، لا تصلح أن تفتح قلب الدكتاتور النحاسي المصفح بطبقة سميكة من الرصاص. قد تصلح حروف اللين مراوح أنيقة في الصيف، وقد تصلح أيضاً سواراً على معصم غض، لكنها لا تصلح أن تكون سكيناً يقطع بها سياسي حبلاً يلتف حول رقبة شعب يشنق في غبش الفجر، قرب شجرة زيتون على تلة بين قريتين. وإن حركتَ بحرف الألف النحيل كوب قهوتك الساخن حتى تذوِّب مكعبين من السكر النباتي وأنت تشاهد موجز الأنباء على شاشة التلفزيون، التي يكاد ينساب منها دخان دبابة محترقة إلى غرفة الجلوس؛ فإنك في الغالب لن تتخذ الألف عصا تتوكأ عليها في الطريق الطويل إلى نفسك، أو تصنع منها مكنسة لتخفي بها غبار الماضي تحت سجادة روحك المجعدة، أو تطارد بها شبح الحنين حين تقف أمام المرآة. ولو أجهشتْ لغتنا المهشمة هذه بالبكاء، هل سينبت من تحت أجفانها نخلة تظلل أحزاننا في هذا الهجير العربي الكبير؟ كأن الكلمات حقيقة تبتعد كلما اقتربنا منها، كظباء تجري من بعيد خلف مشهد تراجيدي، فمن يشاهد لا يملك بندقية أو سهاماً لصيدها، وليس للظباء حكمة رياحين غرناطة حين تسلم نفسها لمستشرق يعكر تاريخ المكان بصفو اللغة. فإن كان الشاعر الجاهلي وحده يمسك بتلابيب لغته، فيفرش معلقته مثل العباءة على الرمل، ليرى نفسه في ماء كلماتها قمراً، ويرى حركة الكواكب تسيل من أفق المعاني، ويرى مواقع النجوم التي تدله على الطريق من نجد إلى مكة. فلماذا إذن حين ينظر شاعر اليوم في قصيدته لا يرى فيها سوى طبلة للأيدولوجيا. ولماذا يظل ينظر في قصيدته ولا يرى طريقاً واحدة إلى القدس؟

الأوسمة: ,

مجلس الأمن

في مجلس الأمن ربطات عنق معقودة بمهارة، وعيون بألوان مختلفة، وأناس يروحون ويجيئون فرادى ومجتمعين مثل عمال حقول الشاي وأياديهم مليئة بأوراق يابسة كأوراق الخريف. طاولة دائرية في منتصف القاعة كأنها أعدت حلبة لمعركة بين ديكين، سوى أن التدخين ممنوع، وأن لكل فرد في القاعة مكاناً محدداً سلفاً. سقف القاعة عال بما يكفي لإطلاق طائرتين ورقيتين لطفلين، ولكن لا يمكن الركض بالطائرتين بحرية سوى في اتجاه واحد لكثرة المقاعد الثابتة وقلة المساحات المفتوحة. المقاعد إما رمادية كغمامة توشك أن تمطر، وإما سماوية كسماء فاجأها الصحو وهي تلملم أجراسها بعد مطر خفيف، وإما حمراء كوردة. وسجادة القاعة ذات اللون الرملي قد توحي لأول وهلة لطفل عابر أن هذه القاعة صندوق رمل واسع يلعب فيه الكبار من كل مكان. وأمام مهرجان الألوان هذا، لا يسمح لبائع بالونات مثلا في الدخول إلى القاعة حتى وإن كان الطقس في الخارج مشمساً وجميلا. ففي القاعة قناصون لمعالم الفرح الموشح بالطفولة والبراءة. فعندما يدخل أعضاء المجلس تقف العصافير عن التغريد بانتظار طلقة رصاص-تفلت من هنا أو من هناك-من مسدس الفيتو. فأعضاء المجلس عشرة، خمسة طواويس تفرد ريشها الملون فلا تطير ولا تتحرك من مكانها على مدار العام وهي على هذه الحال منذ أكثر من ستين سنة، أما الخمسة الآخرون فطيور من أجناس مختلفة لها هجرة واحدة في السنة، وحين تترك المجلس لا أحد يعرف متى تعود. وكل طاووس من الطواويس يتحسس مسدس الفيتو الخاص به مع كل قرار يعرض على طاولة النقاش. فهو غالبا ما يخفيه تحت ريشه البراق، لكن ربما فرد ريشه ليرى الآخرون مسدسه المذهب على الخاصرة، وربما وضعه على الطاولة بجانب قلم الرصاص والدباسة، وربما أطلق طلقة واحدة من مسدسه متى أحس بالسأم من نقاش طويل. فكل مسودة قرار، وإن كانت ورقة بيضاء خالية من الصور والحروف الأبجدية، مهددة بأن تثقب برصاصة في أي وقت. فلغة المجلس عاطلة من البلاغة، معانيها باردة كسمكة مثلجة، وحروفها من البلاستيك مطاطية وبلا عافية. لذلك ربما أوقد المترجمون رءوس الفواصل شموعاً لتذيب الجليد بين الفواصل وتنير نواحي الكلام. وكثيرا ما أقول لنفسي كلما نظرت إلى قاعة مجلس الأمن: بماذا فكر النرويجي الذي صمم القاعة حين جعلها مربعة والطاولة مستديرة؟ هل أراد لمجلس الأمن أن يكون ناعورة العلاقات الدولية؟ وحين رسم أيقونات القمح على الجدران، هل فكر أن قرارات المجلس ستكون أقل مرارة لأن ما ينقص الأمن العالمي حفنة من الحنطة؟ لابد أن أحداً مثلي جلس قبالة اللوحة الرمزية الكبيرة المنصوبة في قلب القاعة لينظر إلى طائر العنقاء الذي يتوسط شخوص اللوحة ليقول: هل هذا الطائر أقل احتراقاً اليوم من أي وقت مضى؟ لكن سؤالاً مثل هذا سيضيع في زحمة الحاضرين، وتبقى حقيقة واحدة: مجلس الأمن ربطة عنق أنيقة تخنق العالم.

الأوسمة: ,

على الجسر الذي لا ينتهي

في رؤياي أسير وحيداً سوى من الإيقاع على هذا الجسر الذي لا ينتهي. أحرك قهوتي بيدي في كوبها الورقي بحركة نصف دائرية وأطيل التأمل في المدى. كأن هذا المدى سيف محدب، على فضته نقشَ الغروب قصة قومي بذهب الحزن العتيق. أعد بأصابعي زفراتي التي تتكثف في هذا البرد الخفيف وأخطئ. هل الجسر هذا معنويّ كما أظن، مثل جسر جويّ بين دولتين، واحدة سماؤها صافية ومشغولة بالنجوم وأخرى دخانية مليئة بالنسور؟ ففي الحلم يلتبس المعنوي بالمادي، وتصير المسافة وهمية، والوقت دائرياً وليس له عمل واضح. أمشي وأسأل: ما اسم هذا الجسر؟ لعله الجسر الذي يمتد بين اللفظ والمعنى. فبينهما -في كثير من الأحيان- منطقة حرة لقياس النوايا وسوء الفهم، ومن عادتي أن أسافر بينهما في الطريق إلى القصيدة. لكنني لا أرى معجماً واحداً على هذا الجسر يدلني على حقيقة الأشياء في لغتي. فلو كان هذا الجسر ما أظنه لوجدت ابن منظور يدق نحاس الكلام بلسان العرب. ولرأيت بوقاً للمفردات القديمة ينفخ فيه الشعراء معاني جديدة. فالمفردات القديمة تتكور في المعاجم لتبدو من بعيد مثل بيوت الطين بين النخيل. وقد يزورها مستشرق فيسل منها خيوطاً تعلق الواقع من رجليه، لتبدو الحقائق مقلوبة. وقد يكون للجسر عمل آخر أقل غموضاً فلا يشير إلى شيء محدد، كأن يكون جسراً مادياً، تفوح منه رائحة الملح والصدأ، بناه مهاجرون جدد هدموا ما فيهم من ماضٍ بكل مطرقة ضربوا بها مسامير هذا الحديد. لكنني لم أنتبه لواقعية الجسر في الحلم: فكل شيء رمادي وداكن لأن الضباب البعيد يلوّن المشهد، وظلال الطيور المرسومة على الماء تكبر حتى تختفي كلما ارتفعت في السماء لأن الشمس شبه عمودية، وصوت الخطوات يعلو ويهبط حسب رطوبة أحذية العابرين. فقد يكون الحلم أصدق من حقيقته رغم فرط هشاشته، فالحقيقة مليئة بالإبر. وكلما سألت على الجسر عن الفرق بين الحقيقة والحلم صاح بي عابر: الرائحة!

الأوسمة: ,

في وصف الحالة السورية

عند وصف الحالة السورية ستمتلئ الكلمات وهي تمر في عرباتها بالدموع. وستذوب كالملح في ماء الحزن فهي لا تجيد السباحة. فإن قلتُ إن المآذن في حمص مذبوحة وتنزف بالأذان، ستفيض نافورة الدمع من العيون وتغرق الكلمات. عندها سيدلني قارئ جديد لا يعرفني جيدا إلى حل: غط كلماتك بقماشة من المجاز الكثيف لتمر الكلمات دون بلل. وابتعد عما يوجع من وصفك الجريء مثل: يثقب مراقب عربي-بطريقة غير مباشرة طبعا-قلب طفل يركض خائفا في سكة ضيقة في الحي القديم، لأن المراقب تلكأ في الانسحاب من بعثة المراقبين العرب. لكن قل ساخرا: إن الطفل تعثر في حجر ومات، فقد كان يشكو من هشاشة العظام لأنه لا يشرب الحليب كل صباح. وإن قلتُ: إن الحياة مشنوقة في حماة بالدخان على باب المدينة. قد يمر بي قارئ آخر لينصحني بترك المجاز: ابرد كلماتك المربعة ذات الزوايا الحادة بالدبلوماسية لتصير دائرية إلى حد ما، فالحياة مصالح والكل يخطئ والصلح خير. سأشكره طبعا لأن النصيحة بنت التجربة، لكنني سوف أمضي على مهل إلى مقهى قريب لأنظم خرز الكلمات من جديد. وقد يمر بي مزارع بعربة مليئة بالبرتقال تصرصر عجلاتها وأنا أقول: إن الذي تبقى من الياسمين في البلاد تحشو به الأمهات جراح الصغار المفتوحة كفم السمكة. سيقول المزارع: سمعتُ ما قلتَ، لكنني أمر بعربتي هذه وأنا أبكي على ما أراه من قتل كل يوم في الصحافة والتلفزيون؛ والبرتقال في عربتي لا يذوب، لذلك لا أستطيع فهم مشكلتك. فإن تركني وشأني بدأت في سن كلماتي بالتفاعيل حتى تصير مدببة كالسكاكين وطويلة كرمح إفريقي، استعدادا لوصف آخر. لكن قد يمر بي رقيب نحيل-على الأرجح هو يقرأ هذه الكلمات الآن-ليقول لي: غير العربة، فأنت محتاج إلى مدرعة. فالحالة السورية مليئة بمدافع الهاون والقناصة، فإن مرت كلماتك من مقصي فهل ستمر من الآلة العسكرية؟ لكنني غالبا سأمضي لأعبئ كلماتي بالقوافي هكذا: يمر الكلام على موت طفل كبسملة الأم والفاتحةْ/يمر كرمح طويل تسدده دعوة صالحةْ/ وينزل بين العيون دموعا ولا لون فيه ولا رائحةْ. عندها سيطوي هذه الصحيفة ناقد متوسط الحجم، ويقول: سأسأله إن التقيته، من أين لشعرك كل هذا النمش؟

الأوسمة: ,

محطة الباص

يلقي الغيم ما على جيده من سلاسل تفرقع مطرا على الرصيف والناس تحت مظلة محطة الباص واقفون. هو مجبر أن يقف هنا لأن سيارته خلف كلية الهندسة التي تطل من أعلى التل مثل صقر محنط مغمض العينين. يقول: لو كانت كلية الهندسة كلية العلوم السياسية لكانت على شكل سحابة، كل يراها كما يريد: مرة في شكل أرنب كبير، ومرة في شكل قطة تلاعب كرة من الصوف، ومرة أخرى في شكل سلة فاكهة صيفية؛ فالسياسة كالنبع مرآة لكل العابرين تدلل قمرا بين الضلوع وتجرحه بالوعود. نظرت إليه امرأة وهي تصعد الباص وقالت: السياسة كهذا الباص، إما أن تركب، وإما أن يسير ويتركك. كانت المرأة مشغولة بقراءة كتاب في اللسانيات، لكنها ملت من انتظار الباص رقم ثمانية وأحست بالحنين إلى الصحو، وحدثت نفسها: سأركب أول باص يمر، لقد ضاع ما ضاع من عمري في انتظار الحقيقة والحب وعودة الماضي. قال آخر وهو يشعل غليونه: السياسة دم تلونه الخطابة بالكناية والحكاية والمجاز، حلوى تقدمها الشعوب هدية للشعوب. لذلك لست ضد الربيع العربي ولا معه، ولا ضد من هم معه أو مع الذين هم ضده، لكنني ضد أن يضع الأجنبي يده في جرة البسكويت الزجاجية فإنه عبثا سيحاول إخراجها. إلا أن شابا يمرجح دراجته الهوائية بين قدميه وهو واقف قال: السياسة قدرة الفرد أن يصف المستحيل للجماعة بلا لغة ويقنعهم بلا سكاكين أو ابتسامة ساحرة، لذلك أحب الاقتصاد والألعاب الأولمبية. توقف الكلام قليلا لأن عصا التجربة أوقفت عجلة الفكر عن الدوران، ولأن السياسة ملأى بالدبابيس، فالحديث فيها نوع من الألم الناعم. انقطع المطر فجأة وقد توقف الباص رقم ثمانية ونزل منه رجل خمسيني يحمل في يده مجلة فورن بوليسي ثم قال: كيف أصل إلى كلية العلوم السياسية؟ ابتسم له الأول ثم مشى دون أن يقول شيئا إلى سيارته خلف مبنى كلية الهندسة. صاحب الغليون رفع قبعته للتحية ومشى على الرصيف شمالا متكئا على مظلته الملونة. أما الشاب فتوجه إلى الباص ودراجته النحيلة على كتفه وهو يعد نقوده المعدنية. أما أنا فعدت لكتابة هذا المقال في انتظار الباص الذي لا رقم له.

الأوسمة: ,

عادات نيرون اليومية

نيرون وحريق روما

يصحو باكرا على موسيقا الجاز الصاخبة، رغم أن عصفورا قد تكفل بمهمة إيقاظه بثلاث نقرات على شباكه كل صباح. يفتح جريدته المفضلة صفحة صفحة كأنه يقشر موزة، ولا ينتبه إلى الدم الذي يقطر منها على بجامته الحريرية البيضاء. يأتي الخادم معفرا بالرماد كما لو أنه بات ليلته في منجم للفحم. فيقول لخادمه: ما أشد بياضك يا شقي. يبدأ الخادم في إعداد مائدة الفطور في شرفة تطل على بحيرة كبيرة سوداء. الخبز المحمص أولاً، خمس شرائح مربعة محترقة في سلة من الخوص. بيضتان مقليتان، إحداها تبدو فاسدة كأن ملاكما أصابها بضربة في غفلة من الأديب الذي يعمل طباخا معاقبة له على كلماته المدببة. إبريق شاي في شكل جمجمة بيضاء داكنة. شوكة وسكين مطرزة بالصدأ. أخيرا، يخرج الخادم من جيبه وردة حمراء مسودة من شدة الذبول، ويضعها على المائدة، ثم يقف كالتمثال بانتظار سيده الذي ما زال مشغولا بإعراب الجريدة ليفرق بين القاتل والضحية في كل جملة. من الشرفة تبدو الحقول صفراء كأن الشمس سالت على الأرض. لكنه يقف كمصلوب في منتصف الشرفة ليتنفس الدخان الذي يطرد الغيوم من المشهد ليقول: ما أجمل الزنابق البيضاء في حجر هذه المدينة. يتجه إلى الحمام ليبرد أنيابه ويبتلي عارضيه بشفرة مصقولة بحجر كريم. وحين لا يرى الأحمر في دمه وهو يسيل من خده يقول: خد تخبئ غيمة تسيل بالدموع؟ يعود إلى الشرفة ليجلس على المائدة مثل طاووس تساقط ريشه. يراسل بالبريد الالكتروني زوجته التي تتسوق في ميلانو: الطقس هنا تنقصه نظرة منك ليعتدل الجو على كرسيه الهزاز. يضحك من كلامها، ويشكو لها من كثرة الذباب، يظنه فراشات! يقوم إلى مكتبه وضحاياه واقفون بلباسهم الشعبي أمامه. يعزف لهم على الكمان قطعة موسيقية، وحين يمتنعون عن التصفيق يتركهم مغاضبا. يراهم حوله دائما ويسأل بانفعال: من هؤلاء؟! يحاول أن يكون مهذبا معهم في معظم الأحيان، لكنه يطؤهم وهو محصور في غمرة انشغاله بالوصول إلى الخلاء قبل فوات الأوان.

الأوسمة: ,

ديوان مدونة ميدان التحرير وقصائد أخرى

صورة لغلاف مدونة ميدان التحرير وقصائد أخرى

ديوان مدونة ميدان التحرير وقصائد أخرى الصادر عن دار جداول للنشر والتوزيع هو الديوان الرابع بعد ديوان مدونة لبيروت وديوان سنابل حب وديوان هكذا أرسم وحدي. يحتوي على مدونتين: مدونة غزة ومدونة ميدان التحرير. كتبت مدونة غزة في أحداث الاعتداء الإسرائيلي على غزة عام ٢٠٠٩م، أما مدونة ميدان التحرير فقد كتبت تزامنا مع أحداث ثورة ٢٥ يناير. يحتوي الديوان على قصائد أخرى لم تنشر في مطبوعة من قبل، مثل قصيدة قطري بن الفجاءة سلام أما بعد، وقصيدة شباك القرية. يحمل الديوان في مجمله طابعا سياسيا محملا بالهم الإنساني، ففي طيه تتشكل محاولات متكررة لتمثيل الواقع المعاش وتصوير المعاناة الفردية التي كثيرا ما تغيب عن المشهد السياسي الكبير.

في الغلاف الخلفي من الديوان مقطع من قصيدة مدونة غزة:

قولي إذا انفتح الغمام: أحبُّكا
الله ربي يا سليم وربُّكا
 
قل لي إن انكسر الحمام حمامُنا:
هذا السلام سلامنا وسلامُنا
 
قولي سنرجع للحديقة مرةً
ونعود نشرب قهوة محْمرَّةً
 
قل لي سيرجع بعدنا أولادُنا
وتعود يوماً للبلاد بلادُنا
 
قولي إذا شمَّ الرصاص كلامَنا
لن يغسل المطر الخفيف غرامَنا
 
قل للهوى: يا ملح ليمون الأملْ
يبقى الجوى هذا جواكَ فما العملْ؟


تسعة زفرات شامية

١
دمشق تضفر أحزانها في الدماءْ
وتدعو: إلهي أغثني
أغثني إلهي
فنصرك نصر
إلهي تقبل دعاء ْ

٢
على سيفها تتوكأ حمص
تنادي: تعال هنا، هيت لكْ
تعال لموتك لا أم لكْ ‎

٣
على وجه حمص وشوم من الدمع
يرسمها الغيم واحدة واحدةْ
وحمص تموت على ركبتيها
وأشجارها ساجدةْ

٤
دماء الشهيد تسافر في دمنا
تقاتل فينا لترجع كالورد في كل حرف نمرره بالدموعْ
فيستشهد الحرف بعد الرجوعْ

٥
مآذن حمص تطول من الحزن أعناقُها
وتمتد فوق النخيل
وفوق الحمام الذي ضرجت بالدماء وبالدمع أطواقُها

٦
جنود الشآم على تلة واقفينْ
بانتظار الصغار الذين يمرون مثل اليمامِ
فرادى فرادى ومجتمعينْ
يعدون خطواتهم بالرصاص وبالمدفعية

٧
قبيل الوفاة يقول أب لابنه
وقد دمرت في حماة البيوتْ
إذا مت لا تنس أنك نخلة عمري
وحلمي الذي لا يموتْ

٨
جنوب الشآم وعند الحدودْ
تمر الغزالة بنت الغزال بلا رمية في الظلامْ
هناك يهب الصبا بالندى والجنود نيامْ

٩
يحدث ضابط جيش مسدسه
سلام على سلم الموت فيك أنا عتبات المماتْ
يمر بي الطفل والشيخ حتى تقوم قيامته في حماةْ
أنا من يثقب فص الحياةْ